بعد زمن من القطيعة الطويلة الأمد مع المشاهد التونسيّ، ها إنّ القنوات التلفزيّة التونسيّة العموميّة والخاصّة تجني من وراء التونسيّ الثائر معجما مختلفا وحقلا إعلاميّا أكثر ثراء.

التلفزة التونسيّة الوطنيّة مثلا وهي كما نعلم التسمية التي آلت إليها في نهاية المطاف “جهاز تونس7” وذلك على ما يبدو كان بعد جهد جهيد. إذ ورغم تحقّق الجميع من فرار “بن علي” في اليوم الأوّل ورغم أن ذاك الرّحيل كان قد نقل من ذات القناة التي رحّل منها “بن علي” وسدنته كلّ إعلام جادّ ونزيه، رغم ذاك التحقق لم يغادر الرمز “7” الجانب الأيمن من الشاشة ولم ينتقل إلى فراغ وغياب تسمية إلا بعد وقت كان التونسيّ فيه لا يقوى على مفارقة تلك القناة. لينتقل إلى نسخة أولى للتسمية الوطنيّة المزعومة وذلك بتسمية جديدة لم تدم طويل في نسختها تلك الصّفراء والحمراء ـ التلفزة التونسية باللغتين العربية والفرنسية وذلك باللون الأصفر ثمّ عبارة “الوطنية” بالأحمر أسفل العبارتين السّابقتين. ثمّ ليستقرّ “اللوغو” إلى حدّ الآن “التلفزة التونسيّة الوطنيّة” على مستطيل نصف الأحمر نصف الأبيض في إشارة إلى لوني العلم الوطني.

هو تذبذب لا يخلو من دلالات طبعا ومن طابع الترقّب والاضطراب الذي صبغ الوعي الإعلامي في الآونة الأخيرة. تذبذب سيمتلك “الذهن الإعلاميّ” الحائر بين الآن والأمس القريب وبين سرعة البرق التي جرت على نحوها الأحداث. وهو المعطى الذي يبرّر به الإعلاميّ منهم ـ وقد سمعناه وشاهدناه وقرأناه أيضا في الصّحف التونسيّة والتي ليسا بعيدة عن الحالة التي تطفق فيها “القنوات التلفزيّة القليلة في المشهد التونسيّ. سنعتبر هذا التبرير ـ بسرعة الأحداث مقابل عدم القدرة على المجاراةـ تبريرا ضدّ من يبرّر أو من طينة “العذر الأقبح من الذنب” لأنّ التونسيّ الثّائر وأثناء ثورته كان في حاجة ماسّة إلى إعلام يكشف الحقائق وكان عليه ـ ذاك الثّائرـ أن يعوّل على نفسه وأن يلعب أكثر من دور في تلك الآونة منها دور الإعلاميّ. في ذاك الوقت لم يُدغدغ شيء في ذهنيّة الإعلاميّ المحترف الصّامت والمشتغل ضدّ الثورة في أحيان كثيرة. لم تدغدغ فيه أيّ من المبادئ التي اكتسبها ولا حتى المبادئ الإنسانيّة حتى لا نرقى إلى المبادئ الوطنية التي مثلت الثورة التونسيّة محكّا لها. لأنه لو دغدغت أي من تلك المبادئ لكان الإعلاميّ منهم قد جازف مجازفة ذاك الثائر والذي يرضخ لنفس معادلة النّظام السّابق ذات الأفق القمعيّ.

سنضطرّ إلى تفسير هذا الشّرخ الهائل المتكوّر بين الإعلاميّ والشعب الثائر بفقدان التكوين المناسب لتلك المجاراة ودليلنا البسيط على ذلك ما يتواصل إلى الآن على شاشات القنوات التلفزيّة التونسيّة بأنواعها ورغم الهواء القليل ورغم “التسيّب الشتيميّ” إن صحّت عبارتنا هنا وهناك من استديوهات التلفزات وصفحات الصّحف بلا أدنى شكّ.

ستمثّل الصّورة بلا شكّ المادّة الأكثر إثارة للريبة في هذه المرحلة من الإعلام التونسيّ. فهذا المرتكز الأساسي للتلفزات وكأنه لا يخضع في التلفزات التونسيّة لأيّ من تلك الرؤى الواعية والموصوفة بالاحترافيّة وخاصّة الثورية التي تقتضيها الوضعيّة الرّاهنة. نستطيع أن نرى ما يطلع علينا من صور مركبة لبرامج مباشرة أو مسجّلة هنا وهناك من تلك القنوات التلفزيّة بعين مقتنعة برمزية الصورة وخطورتها في آن. فصورة لمتظاهرين في حركة موحّدة يعتليهم العلم التونسيّ والذي نقبله بلا تردّد لكن تعتليهم أيضا “خبزة” تكاد تكون في مستوى العلم والذي لا نتردد لحظة واحدة في رفضه. إذ هو محاولة أخرى لإفراغ ثورة التونسيين من محتويات أساسيّة واختزالها في مطلب “الخبز” المعتلي للأصوات في خلفيّة إحدى البرامج على القناة الوطنيّة ـ كما تطمح ـ.

فالقناة الوطنية أساسا هي ما قام على قناة سخرت طويلا من المتقبل التونسي الذي يدفع فواتيرها عبر برامج أقصت الوعي العميق والذي كان القائد الحقيقيّ لثورة جانفي 2011 هذا لمن يسأل عمّن قاد تلك الأحداث في غياب قيادات فعليّة. سنذكر لتلك القناة وبمرارة تهميس البرامج الثقافية والإبداعية والفنيّة في حصر معاييرها إلى “جمال باربيّ” ـ نسبة للدمية باربي Barbie ـ جمال خال من التاريخيّة يوكل إليه تنشيط وبرمجة ما هو فني وثقافيّ. وسنذكر أيضا تلك البرامج “الساخرة” من التونسيين ونقصد تلك التي استهدفت الوضعيات الاجتماعية ليوكل إلى منشطيها مهمّة لا تنتمي إلى مهامّ الإعلام المحايد والنزيه. وسنذكر أيضا تلك الصور التي لم تكن لتغادر “شوارع البيئة” أو شوارع 7 نوفمبر” من مناطق تونس الداخليّة ولم تكن لتمرر صوتا خارج عن أسوار لجان التنسيق والشعب التابعة للحزب الحاكم السّابق. المناطق تلك لجأت إلى الوعي من أجل التغلّب على وجع في البطون وفي الرؤوس فثارت. سنذكرها دائما لأنها وفي القنوات كلها دون حصر ما زالت تمارس نوعا من “المركزيّة” على مستو الصّورة لصالح العاصمة التونسيّة وضمن سياق ثوريّ وهو الخطورة عينها. فانظر إلى تلك الصور التي تدوّن للثورة والتي تأتي على شكل “ديابوراما”
diaporama التي تبثّها بلا انقطاع قناة “نسمة” مرفوقة بالنشيد الوطني بصوت kesang Marstrand والتي لا نكاد نعثر فيها على أثر للمناطق الدّاخلية التونسيّة. كأن الثورة حكر على شارع الحبيب بورقيبة. وكأن المناطق الداخلية كلها قد اختزلت في تلك الصّورة الأيقونة للبوعزيزي المحترق. والذي يزيد الأمر مرارة أخرى هو أنّها وفي الوقت الذي تنقل لنا القنوات التونسية صور الثورة في مركز العاصمة في الشارع الكبير تنقل لنا كائنات جائعة من المناطق التونسية الداخليّة.

لقد غيبت من تلك الصّورة وفي كلّ القنوات الأمر الذي ينسحب على الصّحف في كثير من الأحيان، غيبت كلّ مراحل الثورة لتختزل في ما آلت إليه تلك الثورة في يومها الأخير. ونحن نعلم أن شارع الحبيب بورقيبة هو الشارع الذي يترجم بعبقريّة أزمة الثقافة والإعلام في تونس. إذ هو شارع تتحرك فيه كل تلك المكوّنات الأكثر جوعا من المناطق الداخليّة ذاتها. وفي ذاك الشارع اُختُزلت السّاحة الثقافيّة لتختل فيه اليوم الثورة في صور تطلع علينا من شاشات القنوات التلفزيّة التونسيّة. وهي صور تغيب فيها أحيان تفاصيل الوجه التونسي فهي صور لحشد مجهول تتوسطه مثلا عبارة “انتهت اللعبة” Game over ، هذه العبارة ذات الحدين إذ كان التونسيّون قد حملوها في إشارة إلى انتهاء لعبة النظام السابق بعد عرائه التام، تتوسط نفس العبارة الحشد ذاك للإشارة ربّما إلى لعبة أخرى هي في كلّ الحالات ضدّ من ثار بالأمس وضدّ ذاك الحشد.

لذلك فقط نسمع اليوم في أكثر الحوارات عبارة “لست أنت من قام بالثورة” فهي شبابيّة في إشارة إلى القاعدة القديمة التي يرفضها النسق العربيّ وكانت قريش أوّل من رفضها فكيف” يقود شباب مكة شيوخها؟” شبابية لطرد الشيوخ والعجائز والكهول الذين لم تكن لإعلاميينا الشجاعة الكافية للنزول إلى ميادين الثورة حتى يروا الحقيقة كاملة. فعبارة شبابية هذه نعرفها ونعرف مأزقها في تونس فهي العبارة التي تطلق عادة على ناقص التجربة وحتى الوعي والتي عانينا منها في الحقل الثقافي. فانظر عندما يُتحدّث على “شاعر شاب” أو “فنان شاب” أو “فن شبابي” فستكون عدم الخبرة ونقص الوعي والحماسة الزائدة والفائضة ما يرفق تلك المصطلحات. ومن شبابيّة إلى ثورة “فايسبوكيّة” لا كان “الفايس بوك” وسيلة من وسائلها في إشارة ربما إلى افتراضيّة تلك الثورة.

“لست من قام بالثورة” عبارة تستعملها كل الجهات لتبرئة ذمّتها، فهي في خلد الحكومة المؤقتة وفي ألسنة الأحزاب وهي أيضا في جعبة موالين عديدين لما سبق من التارخ التونسيّ.

“لست من قام بالثورة” مع صورة غير مسئولة من قنواتنا التلفزيّة التونسيّة عن ثورة قلبت المعالم هو شبيه بترك الفضاء والهواء لمن لم يقم بتلك الثورة أو لمن كان ضدها أو من معرقليها حتى.

“لست من قام بها” لذلك تنتقي القنوات التلفزيّة صورا غير واضحة فيها من المحسوبية والمركزية و”الأكتاف” لصالح الشارع الكبير بالعاصمة في محاولة لنسف اللون العام والموحد لها.

لست أنت من قام بها. فمن قام بثورة تونسي في جانفي 2011؟.

هل على الذي قام بها أن يأتي بلحمه وشحمه وجروحه وما ظل في رئتيه من غازات وفي قلبه من فزع ويقول أنا من قمت بالثورة حتى يقتنع المتلصصون على أبوابها أن من قام بها ليس الإعلاميون ولا الحكومة ولا الأحزاب وإنما هو الشعب التونسي الحقيقي لا المفترض ولا الفايسبوكي وعلى مقدمتهم الوعي الذي سرقوه قديما في ظل النظام الفار والذي يسرقونه في صور القنوات التلفزية. هل على الشعب التونسي أن يثور ثورة أخرى كي تعدل تلك القنوات صورها وفلسفة برامجها وأن تتوخى الحذر والوعي فيما تقدمه للتونسي المتعدد والمليء بالقارئ السيميائي للصورة وبالمفكر وبالنثقف إلخ…الذين غيبتهم طويلا فوجدوا أنفسهم متوتّري الأيدي يصيحون منذ “الذهيبات” هذه المنطقة التي تكتشفها اليوم اكتشافا يشبه اكتشاف أمريكا بالأمس إل أقصى بنزرت. كل هذه المناطق التي ثارت فلا نجد لها صدى في صور تنتقيها التلفزات التونسيّة بقصد أو بنقص في الحرفية سيّان.

صلا ح بن عيّاد
شاعر تونسي