بقلم كريم السليتي، خبير بمكتب استشارات دولي،

اثر صدور الحكم القضائي الاستعجالي بغلق المواقع الاباحية على الانترنات في تونس على اثر دعوة قضائية قام بها عدد من المحامين المستقلين، قامت قائمة مجموعات من التونسيين على الفايسبوك و اعتبروا الامر تعديا على الحريات الشخصية و بداية لدكتاتورية جديدة، فمن هم هؤلاء الذين يطالبون بفتح مواقع الشذوذ وهل اغلاق هذه المواقع هو فعلا تعديا على الحرية الفردية.

المواقع الاباحية هي في أغلبها مواقع تجارية لمنظمات الإتجار في البشر، وهي مرتبطة بشبكات الدعارة و التجارة الجنسية و التي تديرها عصابات الرق الجنسي. هذه العصابات تستغل ظروف الفقر و الخصاصة في عدة دول من العالم (في كل من أروبا الشرقية و أمريكا اللاتينية و شرق آسيا و افريقيا) و سعي الفقراء للهجرة الى الدول الصناعية لتلحق بهم أبشع أنواع الاستغلال حيث يتم بيع الفتيات الصغيرات لشبكات الدعارة أين يتم تدريبهن على أصناف الاستغلال الجنسي.

هؤلاء الفتيات المستعبدات يعملن عادة في دور القمار و الملاهي الليلية و يتم استعمالهن في الافلام الاباحية و في المواقع الاباحية عموما.

تعتبر المنظمات الدولية هذا الصنف من تجارة البشر من أبشع أصناف الرق في العالم و تمثل المواقع الاباحية المنتشرة على الواب أكبر وسيلة تمويل لهذه التجارة و تدر أرباح خيالية لهذه العصابات. و تمثل هذه المواقع الاباحية خطرا كبيرا على منظومات القيم الاجتماعية نظرا لنشرها لممارسات الشذوذ، كما تعتبر أكبر وسيلة لامتهان كرامة المرأة التي تستعمل كسلعة بأتم معنى الكلمة، حيث تلغي هذه المواقع الجانب العاطفي و تركز على الغريزة الحيوانية و تجعل من العلاقات مجرد حركات ميكانيكية في أبشع صور الامتهان للانسانية. مخاطر هذه المواقع أكبر من أن يتم احصاؤها حيث يرى بعض الاخصائيين النفسيين أنها تسبب الادمان على مشاهدتها و تجعل المتصفح لهذه المواقع أسيرا لها، كما تجعله يعيش في عالم جنسي افتراضي يؤدي مع مرور الوقت الى خلق شذوذ في سلوكيات المدمنين على هذه المواقع، و تصبح العلاقات الحسية الحقيقة بدون متعة حقيقية لديهم.

ان الدعوة لفتح هذه المواقع للعموم هي دعوة ضد العفة وضد الاخلاق الحميدة، و القول بأن تأثير هذه المواقع لا تتجاوز الاشخاص الذين يترددون عليها قول مغلوط، لأنها تؤثر بشكل سلبي في الوعي و في اللاوعي و بالتالي فعي تنعكس على تصرفات الأشخاص، و من أخطرها النظر الى الأشخاص كأجساد و أجهزة تناسلية. كما أنها تؤدي الى ادمان أحلام اليقضة التي تسبب بدورها الاكتئاب. أما على المستوى الاجتماعي و الاخلاقي فإنها تدفع الشباب غير القادر على الزواج الى البحث عن علاقات خارج اطار الزواج بنفس الطرق الشاذة التي تقدمها هذه المواقع وهو ما يؤدي الى انتشار المثليين و الامراض المنقولة جنسيا. أما بالنسبة للمتزوجين فتشجعهم على الخيانة الزوجية و هو ما يؤدي عاجلا أو آجلا الى التفكك الاسري.

وقد جاءت الدعوة القضائية لغلق مواقع الشذوذ حماية لأفراد المجتمع التونسي من الولوج الى مواقع منظمات الإتجار بالبشر و الرق الجنسي و للحد من خطر هذه المواقع على السلوكات و القيم الاجتماعية في تونس. و قد لقي الحكم القضائي ارتياحا واسعا لدى الاولياء، غير أن هذا لم يكن موقف جميع التونسيين، فقد شن بعض التونسيين الذين يدّعون الحداثة و الحرص على الدفاع على الحريات الفردية على الشبكة الاجتماعية فايسبوك حملة ضد هذا الحكم معتبرين اياه تدخلا في حرياتهم الشخصية و وصاية عليهم. وقد أثارت هذه المواقف الشاذة استغراب الكثير من التونسيين.

ان الدفاع عن حرية الولوج لمواقع منظمات الرق الجنسي و اعتباره من الحريات العامة يندرج في اطار الفهم الخاطئ لمعنى الحرية و التقليد الأعمى للبلدان الغربية التي تختلف علينا اجتماعيا و أخلاقيا بصفة كبيرة. و اذا استعملنا نفس المنطق في تشريع مواقع الشذوذ فانه و باسم الحرية ستتم المطالبة بفتح المواقع التي تحث على العنصرية و التفرقة بين الجنسين بل و تصبح المطالبة بفتح مواقع بيع الاعضاء البشرية و بيع الاطفال وبيع الأسلحة أو كيفية تصنيعها من الحريات الشخصية.

قد يتم تفهم هجوم البعض على الحكم القضائي باغلاق مواقع الشذوذ بوصفهم قد أدمنوا على الولوج اليها و بالتالي فإنه يصعب عليهم أن يقلعوا على هذه الممارسات المريضة بين ليلة و ضحاها، ولكن ربط ذلك بالحريات الشخصية ليس له أساس من الصحة، بل قد يكون تجسيدا لقاعدة “خالف تعرف” أو محاولة للظهور بمظهر الاشخاص المتحررين و التي لا تكبلهم الضوابط الاخلاقية أو الاجتماعية . كما أن هذا السعي للبروز بهذا الشكل هو في اعتقادهم مظهر من مظاهر الحداثة و الانتماء للثقافة الغربية. و في الحقيقة فانه اثبات للانحراف الفكري الذي أصبح عليه هؤلاء و عدم فهم و غياب ادراك للاختلاف الجوهري في القيم الاجتماعية بين الحضارة العربية الاسلامية و الحضارة الغربية.

ومهما كان المجتمع التونسي متفتحا و حداثيا فستضل سمة تفتحه و حداثته هو الاعتدال في قبوله للجوانب الايجابية في تقدم الغرب و رفضه لكل أشكال الانحلال الأخلاقي و الاجتماعي و التقليد الاعمى المنبت عن الجذور الحضارية العميقة لمجتمعنا و نبذ كل من يسوق ذلك في المجتمع التونسي.