بقلم منير العـوادي،

تكشف التحاليل التي تناولت الانتفاضة الشعـبية التي وقعـت أخيرا في تونس عـن غـياب أيّ جهد نظري خاص يدلّ عـلى الاهتمام بأوضاع الرّيف التونسي، بالرغـم من أنّ كادحي الريف شكّلوا المبعـث الأصلي، أو الشرارة الأولى، التي انطلقت منها أهمّ الانتفاضات في التاريخ المعاصر.

ويُعـزى هذا التقصير، المتمثل في قلة الاهتمام بشؤون البوادي والأرياف، إلى طبيعة “الثقافة المدينية”، السائدة في أوساط النخبة الفكرية والسياسية، التي تستبطن في أعـماقها ضربا من التفكير ينظر بتعال واشمئزاز إلى قضايا الفلاحين وشؤون حياتهم اليومية، وهي ثقافة مارس النّظام الحاكم في تونس منذ 1956، دورا أساسيا في تكريسها وتدعـيمها، وقَبِل ضمنياتها ومُضمراتها، سائر المثقفين، بمن فيهم أولئك الذين عارضوا النّظام وناصبوه العـداء.

المعالم الأساسية لسياسة النظام في الرّيف :

حرص النّظام القائم في تونس عـلى أن يحتكر تصريف أمور الريف، وبالتالي السيطرة عـلى الفلاحين، من خلال إجبارهم عـلى الخضوع إلى جهاز إداري أخطبوطي لا يهمّه في المقام الأوّل إلاّ توفير شروط الهيبة والمثابة : من مكاتب وثيرة، وسيارات إدارية، ومساكن فخمة،….

حتى يستطيع بعـد ذلك التفرغ للقيام بمهمته الأصليّة، المتمثلة خاصة في إقامة صرح كامل من القوانين والتدابير القهريّة الجائرة، التي تمكّن من التدخل الحاسم في كلّ صغـيرة أو كبيرة تهمّ سكان الريف، بغاية تطويقهم، وإحكام القبضة عـليهم في كافة المجالات : الأوضاع العـقارية، توزيع الأراضي، إسناد القروض البنكية، التحكّم في ريّ المياه، ضبط مسالك التوزيع…..

وقد أدّت السياسة الفلاحية التي انتهجتها السلطة الحاكمة إلى تكريس سياسة طبقية جائرة، من خلال: أولا: ترسيخ أقدام الإقطاعـيين وتواصل نفوذهم، بشكل يكاد يكون مطلقا، عـلى الريف.

ثانيا: إبقاء الفلاحين المتوسطين، وخاصة الصّغار، فريسة للنهب بكلّ أصنافه، ولضروب متنوعة من الفاقة غـير العادية.

I / وضعـية كبار ملاكي الأرض:

تتركّز أهمّ الملكيات الكبرى، في المجال الزراعي في تونس، بأجود الأراضي الفلاحية وأكثرها خصوبة ( وخاصة زراعة الحبوب بالشمال الغـربي، والقوارص وكروم العـنب بالوطن القبلي، والزياتين بجهتي الساحل وصفاقس، والنخيل بواحات الجنوب)، بين أيدي ثلّة قليلة من الأعـيان، الذين يشكّلون الطبقة الإقطاعـية.

وكثيرا ما يلجأ أفراد هذه الطبقة إلى نظام الاستغلال بالوكالة، عـوض الاستغلال المباشر، من خلال أسلوب عـمل، يستند إلى أنواع متعـددة من “التعاقد”، بين أرباب الأرض وأصحاب العـمل، يقوم بموجبها المزارع بخدمة الأرض مقابل التزامه بتقديم النّصيب الأوفر من الإنتاج إلى صاحب الأرض، ويحتفظ لنفسه بالجزء القليل المتبقّي.

ولعـلّ من أهمّ أشكال العـمل التي تعكس علاقات الإنتاج الإقطاعـية، والتي ما زالت سائدة إلى اليوم في الريف التونسي : ــ “الخماسة” و”المساقاة”: التي تنتشر خاصة في الأراضي السقوية وفي جهتي الساحل والواحات.

وعادة ما يستند “الخماس” إلى مجموعة من “القيالة” الذين يعـملون تحت إمرته.

ــ “المغارسة”: حيث يتعـهد المزارع بالعـمل في الأرض التابعة للمالك ( غـرس الأشجار وفتح القنوات…)، وحينما تُثمر الأشجار يستلم المزارع الفقير جزء من الإنتاج، يتراوح من الربع إلى النصف.

وفي العـديد من الحالات تتجاوز التسليفات المتراكمة عـلى الفلاح الحصّة المستحقة له.

ــ “الهطاية” : وهي تتمثل في انتقال مجموعات من الأفراد (تصطحبهم عائلاتهم)، في فصل الصيف، من منطقتي الجنوب والوسط إلى منطقة الشمال، قصد الحصاد، بمقابل عـيني، يساوي العـشر (1/10) بالنسبة للقمح، والخمس (1/5) بالنسبة للشعـير.

وإذا أراد المزارع أن يُمكّن ماشيته من الرعي في أرض الإقطاعي، فعـليه أن يدفع مقابل ذلك بدلا عـينيا.

ــ “الظهارة” : المنتشرة خاصة في الشمال الغـربي، والمتمثلة في دفع كراء الأرض نظير جزء من الصابة، يُقدم في نهاية كل موسم زراعي، طبقا لقاعـدة تقديرية، تختلف من جهة إلى أخرى.

وتخضع عـملية المحاصصة هذه إلى تشريعات قانونية، وجملة من التقاليد والعادات والأعـراف العـتيقة والبالية، والتي تتغـير حسب طبيعة الأحوال والظروف المحلية والخاصّة بكلّ جهة.

كما أمكن لبعـض أفراد الطبقة الإقطاعـية تكديس أموال طائلة إضافية، باعـتماد أساليب “عـصرية” و”مستحدثة”، تتمثل خاصة في: أوّلا: شراء المعـدّات والآلات الفلاحية، وتسويغـها للفلاحين الصغار والمتوسطين. وتدرّ عـمليات التسويغ هذه فوائد ربحية هامة.

ثانيا : الحصول عـلى القروض بتسهيلات كثيرة من البنوك، إذ تخول شهادة ملكية الأرض الحصول عـلى هذه القروض، في حين يُحرم من هذا الحق فقراء الفلاحين ومتوسطيهم، نظرا لعـدم قدرتهم عـلى إثبات ملكيتهم، وضبط مساحتها وحدودها، بواسطة رسوم عـقارية، تُجيز لهم حقّ بيع الأرض أو رهنها. فلا يُمكنهم والحال تلك إلاّ التّداين من الإقطاعـيين، مع ما يترتب عـن ذلك من تحوّلهم إلى لقمة سائغة للمستغـلين. وهو ما يؤدّي في النهاية إلى مزيد استحكام علاقة تبعـية الفلاحين الفقراء لهذه الأقليّة من الملاكين الكبار.

ثالثا: التوجه إلى المدن الأساسية للاستثمار في قطاع العـقارات السكنية والتجارية، وهو قطاع يشكّل اليوم في تونس أحد أهمّ مجالات الإثراء، إذ يدُرّ عـلى أصحابه، سواء عـن طريق البيع أو الإيجار، أرباحا مالية خيالية.

“أهل الشمايل”

إنّ نمط الإنتاج الإقطاعي ليس نسقا اقتصاديا فقط، بل هو كذلك نظام اجتماعي وفكري، يقوم عـلى الإقرار بدونية المرأة، والتعامل معها بعـقلية “الحريم”، وهيمنة الفكر الماضوي الذي يتأسس عـلى التعـلق المرضي بالقديم، وترسيخ قيم الولاء والطاعة في العلاقة بين التابع والمتبوع. كما يقوم كذلك عـلى تغـذية النعـرات العـشائرية، وافتعال الخلافات بينها، وتأجيج سعـيرها، وحتى تفجيرها، وتحويلها إلى صراعات داخلية عـنيفة، حينما تقتضي الحاجة ذلك، حتى تبقى جماهير القرى والبوادي أشلاء متهارشة ومتصارعة، بما يُيسر فرض السيطرة عـلى الجميع.

وعادة ما يميل كبار ملاكي الأرض أو الإقطاعـيين إلى السّكن في الأحياء الراقية بالمدن، وإيثار حياة الدّعة والراحة من جهة، والانهماك في الاستهلاك الترفي، وسائر السلوكات القائمة عـلى التظاهر والبذخ من جهة أخرى: فيلات فخمة ذات زخارف وتجهيزات راقية ــ الاعـتماد عـلى عـدد وافر من الخدم ــ رحلات إلى البلدان الأوروبية ــ المبالغة في البهرج أثناء المناسبات العائلية، وخاصة عـند إقامة حفلات الزفاف والختان، وعـند العـودة من الحج وحتى العـمرة ــ اقتناء المجوهرات الثمينة ومختلف أنواع التحف…..

ولعـلّ أهمّ دافع لهم، من خلال هذا الأسلوب في العـيش والسلوك، محاولة تجاوز عـقد النقص الكامنة في نفوسهم، إزاء أفراد البورجوازية الكمبرادورية، ومحاولة تقليدهم واتخاذهم نموذجا يُحتذى.

ويسعى أفراد الطبقة الإقطاعـية، في المستوى الاجتماعي، إلى إبراز عـناصر تميّزهم عـن بقية طبقات المجتمع، من خلال ادعاء سموّ المكانة ورفعة المقام.

إذ هم، وحدهم، دون غـيرهم، أهل الشرف والمجد والثراء. فهم “أهل الهمّة، أهل الكار”، وهم “أبناء عائلات عـريقة”، و “أصحاب مروءة وكرم”،…..

أمّا أفراد الطبقات الكادحة، وخاصة من أهل الريف، فهم وفق هذه النظرة: “أوباش”، و”هُمّل”، و”عُـربان”…..

II / وضعـية الفلاحين الفقراء والمتوسطين:

في مقابل ما تعـرفه هذه القلة القليلة من الإقطاعـيين من رغـد العـيش، تعـيش أغـلب جماهير الفلاحين في واقع من البؤس والحرمان، نتيجة عـدم القدرة عـلى تأمين ظروف الحياة في مستوى أبسط الحاجيات والمرافق الضرورية : العـمل ــ السكن اللائق ــ الصحة ــ التعـليم، شبكات النقل…

ويواجه هذا الصنف من الفلاحين أنواعا متعـددة من العـوائق والصعـوبات : أولا : هشاشة الوضعـية العـقارية : ملكيات ضيّقة الرقعة، ومبعـثرة التوزيع، ومتفاوتة الجودة، إضافة إلى فقدان وسائل إثبات الملكية (كالرسوم العـقارية، وما يقوم مقامها : كرسوم الحوز، وشهادات الترسيم، وعـقود البيع، ومختلف الإثباتات الأخرى).

ويشكّل هذا الوضع عائقا يحول دون إمكانية الانتفاع بالقروض المالية الضرورية لتغـطية نفقات الاستثمار، سواء بالنسبة للأرض أو الغـرس أو الماشية، وهو ما يُسهّل عـلى كبار الملاكين العـقاريين، عـبر حيل متعـددة، اغـتنام الفرصة لمزيد اعـتصار الفلاحين المتوسطين والفقراء، وتتويج ذلك في الأخير بمصادرة أملاكهم وأراضيهم.

ويُعـتبر هذا الوضع العـقاري السبب الأساسي الذي جعـل فقراء الرّيف يعـيشون في حالة من الغـبن الاجتماعي وضنك العـيش : تفشي البطالة وانتشار العـمل الموسمي ( وهو ما يدفع الكثير من المحرومين إلى البحث عـن موارد رزق إضافية) ــ السكن في أكواخ تُبنى بالطوب وتُغـطّى بالقش والزنك ــ التنقل بواسطة الحمير والبغال ــ الاعـتماد عـلى بعـض الدواجن والمواشي لتوفير الحدّ الأدنى من مستلزمات الحياة، والاتجار بالفائض الضئيل في الأسواق الأسبوعـية، حتى يمكن التزوّد بما يُقيم الوأد ويدفع غائلة الجوع.

ثانيا : الخضوع لتقلبات الطبيعة، إذ تخضع الفلاحة في تونس لتقلبات مناخية قوية: أمطار خفيفة أحيانا، تؤدّي إلى جدب الأرض، وغـزيرة أحيانا أخرى، تؤدّي إلى فيضانات وانجراف التربة وهلاك الحيوان وحتى الإنسان. إضافة إلى نّدرة الآبار الارتوازية التي توفر المياه بكميّات كافية.

انطلاقا من هذا المعـطى يمكن أن نفهم شيوع عـقلية العـجز والاستسلام وما يترتب عـنها من انتشار كبير ومكثف للأضرحة والزوايا والطرق الصوفية في الريف التونسي وفي أحواز المدن.

ثالثا : الارتفاع المشط لأسعار مستلزمات الزراعـة، أي كلّ ما يتعـلق بالبذور والأسمدة ومبيدات الحشرات والنباتات الطفيلية. وهذه المواد موردة في الغالب، ويُجيد المحتكرون التلاعـُب بأثمانها.

رابعـا : الابتزاز من قبل حلقات متعـددة من الوسطاء أو السماسرة، أي ما يُعـرف بـ”الخضّارة”، و”القشّارة”، و”الحمّارة”، وخاصة “الهبّاطة”، الذين يتحكّمون تحكما كاملا في مسالك التوزيع، نظرا لعـدم امتلاك الفلاح الفقير وسيلة نقل تمكّنه من إيصال منتوجه مباشرة إلى السوق، ونظرا كذلك لعـدم قدرته عـلى الخزن والتبريد.

ولتقديم فكرة حول الدور التخريبي لهؤلاء الوسطاء، يكفي الإشارة إلى ما يلي : تمثل المواد الفلاحية الطازجة )اللحوم ــ الأسماك ــ الخضر ــ الغـلال) ــ 62 بالمائة من الإنتاج الفلاحي، و52 بالمائة من المصاريف اليومية للمستهلك التونسي. ويتمّ توزيع هذه المواد في حوالي 54 سوق جملة، و280 سوق أسبوعـية، و 299 سوق بلدية مختصة في تجارة التفصيل )إحصائيات 1995).

وتخضع هذه الأسواق، من حيث تنظيمها وتسييرها، إلى أساليب متعـددة ومتشعـبة، كما تختلف الآداءات الموظفة فيها، من سوق إلى أخرى.

هذه الوقائع تتيح الفرصة للوسطاء، باعـتبارهم الأكثر قوة ودهاء، لممارسة كلّ أنواع الغـشّ والتحيّل، بما يؤدّي إلى إلحاق بالغ الأذى بالمنتج والمستهلك.

لذلك ليس من الغـريب أن تكون كلمة السرّ المتداولة بين هؤلاء الوسطاء في شكل أمر: ” اذبح”، عـند القيام بعـمليات الاتجار مع الفلاحين الفقراء.

خامسا : المعاملة غـير اللائقة من قبل الإدارة، نتيجة سيطرة المحسوبية والمحاباة، وتفشي داء الارتشاء في مختلف الأجهزة : الإدارة العـمومية ــ القضاء ــ الشرطة ….

كل هذه العـوامل في تظافرها هي التي أفضت إلى حالة الركود والجمود التي تعـيشها القوى المنتجة في الريف التونسي.

فهذه القوى تعـيش في وضع متخلف هو وضع “القنانة” (le servage)، عـكس ما يدعـيه بعـض الأفراد أو المجموعات المنحدرة من تنظيم “العامل التونسي”، وخاصة تلك التي تشكّلت فيما يُسمّى بـ”حزب العـمال الشيوعي التونسي”، الذين يؤكدون أنّه تمّ “تثوير” علاقات الإنتاج، وبالتالي تحقيق التحوّل الكيفي من نمط الإنتاج الإقطاعي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي.

وقد أنجز عـملية الانتقال هذه ــ حسب “التحليلات” السطحية والمتسرعة لهذا البعـض ــ طورا الاستعـمار المباشر، وطورا آخر نظام العـمالة الذي نصّبه الاستعـمار ابتداء من سنة 1956.

إمّا جنديا أو قنّا

استهدف الاستعـمار الفرنسي المباشر استنزاف الريف التونسي من خلال شكلين أساسيين: ــ الشكل الأوّل: الاستحواذ عـلى أهمّ الأراضي الزّراعـية وأكثرها خصوبة وجودة.

ــ الشكل الثاني: التجنيد الإجباري لأفضل شباب القرى والبوادي، من حيث المواصفات الجسدية، في صلب الجيش الفرنسي.

فبالنسبة للاستحواذ عـلى الأرض، قام الحكم الاستعـماري، بعـد مدّة قصيرة من انتصابه المباشر بتونس، بتشكيل لجنة في 31 جويلية 1884، لإعـداد قانون عـقاري جديد. وقد ترأس اللجنة المقيم العام بول كامبون (Paul CAMBON)، وكان من أعـضائها أعـيان السلطة وشيوخ الدين من المدافعـين عـن الإقطاعـيين، الذين سعـوا إلى البرهنة عـلى طريقتهم إلى أن أحكام هذا القانون تطابق مع قواعـد الفقه الاسلامي.

وصدر القانون في أواسط 1885 في شكل أمر عـليّ. وشكّل الأرضية التي شرّعـت انتزاع الاستعـمار الفرنسي لأفضل الأراضي التونسية.

أمّا بالنسبة للتجنيد الإجباري، فقد ارتكز هذا التجنيد خاصة عـلى الفقراء من شباب الريف، الذين لا يستطيعـون دفع”العـوض”، أي نوعا من الفدية، أو تقديم رشوة لأعـوان الاستعـمار من المتنفذين.

وتحتفظ الذاكرة الشعـبية بالكثير من المرويات، والأغاني الحزينة، التي تردد إلى حد الآن، وهي تُعـبّر عـن اللوعـة والأسى، اللذان يخلفهما يوم التجنيد، أو “يوم القرعة”، في نفوس الأهل والأمهات والفتيات، نتيجة لفراق الأحبّة، وكيف يسعى الاستعـمار البغـيض لبناء قُوّته ومجده، من خلال إتلاف الحرث )الأرض)، والنسل )الشباب الناهض).

وقد قامت سياسة بورقيبة عـلى تثبيت الأسس الاقتصادية والاجتماعـية القائمة منذ مرحلة الاستعـمار المباشر، مع القيام ببعـض الإجراءات الجزئية والطفيفة، التي تهمّ الشكل دون الجوهر.

ففيما يخصّ المسألة الفلاحية، أقطع بورقيبة، بغـير وجه حقّ، بعـض المجموعات من أتباعه، العـديد من الهناشر والضيعات في مختلف أرجاء القطر.

وقد شملت أُعـطياته خاصة “المقاومين”، الذين كانوا يُدينون لشخصه بالولاء التام.

كما فعـل زين العابدين بن عـلي الأمر ذاته منذ بداية حكمه. فبعـد أن مسك بكل قوّة بزمام الأمور، سارع، هو أيضا، إلى تمكين مريديه وأتباعه، من “المعـمرين الجدد”، من استقطاع مساحات شاسعة من الأراضي، التابعة خاصة لـ”ديوان الأراضي الدولية” (O.T.D)، وذلك خاصة عـبر “شركات الإحياء والتنمية الفلاحية”.

وقد شملت عـملية النهب هذه ما يقارب 313 ألف هكتار، من جملة 500 ألف هكتار. كما تعـلقت بكلّ القطاعات : تربية الأغـنام ــ تربية الأبقار ــ غـراسة الأشجار المثمرة ــ الزّراعات الكبرى…

وتُعـدّ عـملية التفويت عـلى هذا النحو عـملية كارثية، أو بالأحرى إجرامية بأتمّ معـنى الكلمة : “بيع من لا يملك لمن لا يستحق”. إذ وقع إسناد بعـض هذه الأراضي إلى أشخاص لا صلة لهم البتة بالقطاع الفلاحي، ولا يمتلكون أيّة خبرة في المجال الزراعي، من الوزراء، وكبار الموظفين (المدنيين والعـسكريين)، ومن أفراد العائلة الحاكمة طبعا . كما تمكّن بعـض المتحيلين، والباحثين عـن الربح السريع والسهل، من اغـتنام الفرصة، والحصول عـلى أراضي عالية الجودة.

وكل هؤلاء يتمتعـون بالمنح والقروض التي يمنحها بسخاء “البنك الوطني الفلاحي التونسي”، دون رقيب أو حسيب.

وتفيد بعـض الأخبار أنّ هذا البنك أقرض 10 مجمعات تضم 65 شركة، تابعة لعائلتي الرئيس السابق زين العابدين بن عـلي وزوجته ليلى الطرابلسي، بما قيمته تقريبا 328 مليون دينار، وتمّ هذا الإقراض وفقا لصيغـتين : 148 مليون دينار بواسطة ضمانات، 180 مليون دينار دون أيّة ضمانات.

هذا فيما يخص تعامل النظام القائم منذ سنة 1956 مع مسألة الأرض، أمّا فيما يتعـلق بكيفية التعامل مع شباب الريف، وخاصة عـملية “التجنيد”، فإنّ الأمر لا يختلف عـمّا ركّزه الاستعـمار من أسس واختيارات.

فمن يتأمل في بنية المستخدمين في قوات الأمن من شرطة وحرس، وكذلك الجيش التونسي، يتبين له، أنّها في مستوى قاعـدتها، ذات منبت ريفي بالأساس، أي أنّ أفرادها ينتمون عادة إلى الجهات الداخلية، المحرومة والمفقرة، وإلى ما يتفرع عـن هذه الجهات من أحياء شعـبية، تشكل أحزمة الفقر بالمدن التونسية. وهم بذلك سليلي الأقنان والفلاحين الفقراء.

أماّ في مستوى المراتب العـليا للقوات الأمنية والعـسكرية، فهي تتشكل خاصة من أبناء المدن والمناطق المحضوضة.

إنّ تركيبة هذه القوى عـلى هذا النحو، هو الذي يؤمن للنظام توظيفها كأداة للعـنف والردع، بما يخدم مصلحة طبقتين : الطبقة الإقطاعـية والطبقة البورجوازية الكمبرادورية، اللتان تتحكمان في توجيه كل دواليب الحكم الحالي. ويتوخى النظام في سبيل ذلك أسلوبا يُطبق بكل عـناية وحرص، ويتمثل في إغـداق الامتيازات ومختلف المغانم عـلى ضباطه، عـلى حساب الأغـلبية الساحقة من الأعـوان والجنود.

من خلال كلّ ما تقدّم، يتبيّن أنّ نمط الإنتاج السائد في الريف التونسي هو نمط الإنتاج الإقطاعي، الذي يتحدد اعـتبارا لمجموعة من المقومات والخصائص، التي تتشكل، نظريا وعـمليا، عـلى هذا النحو: ــ يتخذ الإقطاع شكلان أساسيان : الأوّل هو نظام المقاسمة، والثاني نظام الإيجار. وفي الحالتين يتحصل المنتج ( المزارع أو القن) عـلى جزء ضئيل من الإنتاج، بشكل عـيني ( مناصفة أو مثالثة أو مرابعة….)، وذلك حسب نوع التربة والغـراسة والأحوال المتغـيرة ( جفاف ــ ندرة ….).

ــ تتخذ العلاقة بين الإقطاعي والقنّ طابع التبعـية الشخصية المباشرة.

فالإقطاعي يتحكم تحكما كاملا في الأرض ومن عـليها، وفي كلّ ما يتعـلق بالأرض والعـمل والسكن والتنقل….، ولكن دون أن يصل الأمر إلى حدّ العـبودية، حيث يمكن للسيّد أن يزهق أرواح عـبيده، ودون أن يصل الأمر كذلك إلى ما هو سائد في النظام الرأسمالي، حيث يكون العـمل بضاعة، وحيث يكون العامل “حرّا” في بيع قوّة عـمله وفقا لمقتضيات السوق، أي وفقا لقانون العـرض والطلب.

ــ اعـتماد وسائل إنتاج بدائية، ظلّت هي نفسها منذ قديم الزمان، يتوارثها الأبناء عـن الأجداد : المحراث “العـربي” ــ وسائل السقاية التقليدية…..، وهي أدوات ذات وتيرة إنتاجية متدنية.

وقد اضطرّت أعـداد متزايدة من الفلاحين الفقراء، أمام الفقر المدقع وسوء الحال، إلى مغادرة المكان الذي نشأوا وترعـرعـوا في كنفه وبين أحضانه، وبالتالي إلى النزوح نحو المدن والهجرة نحو البلدان الأجنبية، مع ما يترتب عـن ذلك من معاناة وضياع وتمزق نفسي واجتماعي.

هذا فيما يخصّ أوضاع الفلاحين الفقراء، أمّا فيما يتعـلق ببقية الطبقات الشعـبية، وبالمجتمع عـموما، فقد أدّت السياسة الفلاحية إلى بقاء القطر التونسي سوقا مستباحة للرأسمال العالمي، إذ ما زالت تونس تورّد إلى غاية اليوم مقاديرا هامة من المواد الضرورية لغـذاء الشعـب، مثل: القموح، واللحوم، وزيت السوجا، والسكر….. وهو ما يدلّ بشكل واضح وجليّ عـلى عجز النظام القائم عـن تحقيق الاستقلال الاقتصادي.