يشنّ صديقي عبد الوهاب الهاني، رئيس حزب “المجد” والمرشح لرئاسة الجمهورية التونسية منذ أسابيع حملة شعواء ضدّ شخصي، لا لشيء إلا لأنّه تصادف حضوري معه في حلقة 13 جانفي الشهيرة على قناة الحرة، عندما تورّط هو في الدفاع عن الدكتاتور المتهالك ومدح خطابه والمطالبة بإعطائه فرصة، في حين ألهمني الله الثقة بإرادة شعبنا واليقين بوصول ساعة نهاية الدكتاتورية والتوقع بأن يكون اليوم الموالي، يوم 14 جانفي، “يوما سيشهده التاريخ باعتباره اليوم الذي سيفر فيه الطاغية الذي لفظه الشعب التونسي”.

صديقي عبد الوهاب الهاني، الذي “أكلت معه العيش والملح” كما يقول اخوتنا المشارقة، قال في معرض تبريره لموقفه الورطة، أن توقّعي ذلك “لم يكن نتيجة قوة في التحليل ولا في الدقازة (التنبّؤ( بل نتيجة قوة في المعطيات”، حيث أنني، حسب صديقي، كنت على علم مسبق بالفرار “المبرمج” لبن علي يوم 14 جانفي بسبب اطلاعي على مشروع الانقلاب الذي خطط له الجنرال علي السرياطي وليلى بن علي وفهد محمد صخر الماطري ووالده محمد المنصف الماطري ضد بن علي .. لذلك كنت واثقا تمام الوثوق …

أعرف جيدا أن الابتسامة ارتسمت على محياكم جميعا، ولكن أؤكد لكم أن صديقي عبد الوهاب الهاني قال ذلك الكلام بكل اندفاع وثقة .. وأصدر شريطي فيديو، تضمّن أحدهما لقطات من مداخلتي وصور من حسابي على الفايسبوك. كما وصلتني شهادات من أصدقاء لي حضروا ندوات سياسية قام بها “حزب المجد” في بعض المدن تفيد أن الهاني كرر نفس الكلام كلما سأله أحدهم حول حقيقة كلامه في برنامج الحرة لليلة 13 جانفي ..

أعود لموقفي في تلك الحلقة لأقول أنني لا أدّعي البطولة فيما قلت، ولكن الله منحني الفرصة تلك الليلة وألهمني أن أقول عاليا وبكل يقين ما كان عدد كبير من التونسيين يتوقعونه، ويرجونه، ويحلمون به …

وأصدقكم القول أنني شعرت بالشفقة أثناء الحصة على صديقي كيف يلقي بكل أوراقه في رهان خاسر، وصرّحت له بذلك، ولكنه أصر وتمادى مثل الكثيرين الذين أطلّوا على التونسيين من الشاشات المحلية والعربية والأجنبية تلك الليلة.

ثم جاءت أحداث اليوم الموالي المجيدة لتصدّق حدسي وتحقق حلم الشعب الكريم، ولتُسقط حسابات المراهنين والمقامرين الخاطئة وتحليلاتهم القاصرة ومطامعهم الخائبة.

وأمام هول الصدمة وخيبة المسعى، اعتمد هؤلاء القوم استراتيجيات مختلفة باختلاف شخصياتهم، واختلاف درجة مسؤوليتهم. وسأعرض فيما يلي الاستراتيجيات الأربع التي عددتها:

1 ـ إستراتيجية الانسحاب النهائي من المشهد. “ذابوا كالملح في الماء وتبخروا كالماء في الصحراء” كان هذا مصير الناطقين الرسميين وغير الرسميين باسم القصر أو باسم الأجهزة الأمنية مثل سمير العبيدي وبرهان بسيس. اختفاء هؤلاء لم يكن قطعا حياء وخجلا بل خوفا من انتقام شعب كان لا يفرق بين كلامهم المؤذي ورصاص القناصة وسياط الجلادين في أقبية الداخلية .. ولا يُتوقع إطلاقا لهؤلاء أن يعودوا يوما للمشهد، مع أمل ألا يقعوا يوما مصادفة في أيدي مواطنين ناقمين…

2 ـ إستراتيجية الاعتذار وطلب الصفح: “الرئيس المخلوع نفسه قال غلطوني، وأنا أيضا غلطوني طيلة 23 سنة” قالها لي بوبكر الصغير في لقاء جمعني به يوم السبت 15 جانفي على إحدى القنوات؛ ثم أردف ذلك برسالة نشرها في اليوم الموالي اعتذر فيها “للشعب التونسي ولكافة الشخصيات الوطنية فقد كنا نعيش الترهيب في زمن بن علي، وهو من فرض علينا وجهة النظر تلك، صحيح أن موقفنا كان مخزيا، لكن على الجميع أن يتفهم ظروفنا، فقد كنا ملزمين بالسمع والطاعة وكيل الاتهامات المجانية لكل أعداء النظام”. شبيهه في الرداءة الإعلامية “عبد العزيز الجريدي”، صاحب “الحدث” و”كل الناس” سيئتا الذكر، كان “أشجع” في الاعتذار حيث أرسل رسالة اسمية إلى أكثر من 100 شخصية هاجمها طيلة تاريخه الزاخر ناشد فيها ضمير تلك الشخصيات أن تغفر له ذنوبه “إذ أنني أتحمل المسؤولية كاملة ولا ألقيها على أطراف أخرى .. كتبت هذا إرضاء للضمير وطلبا للمغفرة ممن تسلطت عليه وانتظارا لغفران الله يوم الحساب ..”.

اعتذار هؤلاء قد لا يكون صادقا، والأقرب أن يكون بنية التفصي من مسؤولية الجرائم التي ارتكبوها في حق أعراض العشرات من الوطنيين، والهروب من المحاسبة. ولكن الأكيد أن هؤلاء أيضا غادروا المشهد نهائيا غير مأسوف عليهم، تاركين وراءهم صورة مخزية وذكرى مقززة وسمعة “كالزفت” كما يقول إخوتنا المشارقة.

3 ـ إستراتيجية الهروب إلى الأمام: وهي الإستراتيجية التي اعتمدها زعيمي “التجديد” و”الديمقراطي التقدمي” الذين لم يتوقفا كثيرا عند التبرير، وبقيا وفيين لمنهجهما المرتكز على درجة عالية من البراغماتية، وعلى رفض “المغامرة” وتجنب المواقف الراديكالية غير محسوبة العواقب والاقتناع بالتغيير المتدرج في إطار التواصل. وهو المنهج الذي قادهما للمشاركة في الحكومة “التجمعية” الأولى للغنوشي ثم في حكومته الثانية، في تضاد مع الرأي العام الغالب. ما “يشفع” لأصحاب هذا التوجه لدى العديد من التونسيين كونهم لم يحاولوا يوما تصدّر المشهد الثوري، وهو ما يصنف مواقفهم تلك في باب الاجتهاد السياسي القابل للنقد والمهاجمة في كنف الاحترام.

4 ـ إستراتيجية الانقلاب الفوري وركوب الثورة: لعلكم تذكرون مثلي قصة الصحفي “صاحب الافتتاحيتين” الذي أرسل جريدته للطبع صباح السبت 7 نوفمبر 1987 بافتتاحية تمجد بورقيبة، ثم سحب العدد في الصبيحة وأصدر على عجل عددا آخر بافتتاحية جديدة تبارك التغيير وتبرّر له وتحيّي منقذ البلاد .. أعاد التاريخ نفسه يوم 14 جانفي، وتكشفت للتونسيين مواهب “حربائية” من طراز عال من صحفيين وشخصيات حقوقية وسياسية تحولت مباشرة دون التقاط نفس من الحديث عن “سيادة الرئيس” إلى “المخلوع الهارب”، ومن خطاب الحكمة والتعقل والتفهم والتهدئة و”البر المدني” إلى خطاب “الثورة الشعبية” و”القضاء على الدكتاتورية” وضرورة المحاسبة .. وغيرها.

سبحان مغير الأحوال، بين عشية وضحاها صار خطاب هؤلاء المتحولين أشد قوة وثورية وقطيعة من خطاب المعارضين التاريخيين الذين لطالما وُصموا من قبل الأولين بالتنطع والعنترية والدنكيشوتية ..

إعادة تموقع تامة حاول أن يقوم بها هؤلاء في محاولة يائسة لبناء عذرية جديدة ولطي الصفحات السوداء من تاريخهم. أصبح بعض هؤلاء نجوما صاعدة في وسائل الإعلام المتحولة بدورها، وعين بعضهم نفسه ناطقا باسم الثورة، وسكن البعض الآخر في القنوات التلفزية والإذاعات والصحف تهليلا للثورة وإعطاء للدروس وتوضيحا لخارطة الطريق ونقدا لاذعا للمشككين في ثورة الشعب وتهجما قاذعا على “المخلوع” وعائلته ورموز نظامه ودعوة ملحة لمحاسبة كل المتنفعين المرتبطين بالنظام السابق ..

ولكن سرعان ما لاحقهم جميعا تاريخهم وحاصرتهم مواقفهم وكتاباتهم وكلماتهم قبل ليلة 14 جانفي .. حيث أصبح التنقيب عن المواقف السابقة للمتحولين والراكبين وثوريي 15 جانفي رياضة وطنية يمارسها العديد من الشباب المتحفز والمترصد..

رد الفعل “الطبيعي” لهؤلاء كان التبرير والتبرير والتبرير ثم مزيد من الثورية ومغازلة الرأي العام الغالب لكسب أصوات الذين لا يعرفون حقيقتهم (أو بالأحرى لم يعرفوها بعد).

وكل ما أمعن هؤلاء في الثورجية وفي محاولات تصدر المشهد كلما دفعوا العديدين للبحث والتنقيب على مواقف أو شهادات تدينهم. ولا شك أنه لو اختاروا طريق الاعتذار للشعب وطلب الصفح منه لما نالوا من العداوة ما نالوا ولسرعان ما نسيهم الناس وتوقفوا عن ترصد عثراتهم.

أعود لصديقي عبد الوهاب، والبادىء أظلم، لأقول أنه اختار، حسب ظني، الموقف الصواب مباشرة عند انكشاف المستور وانتشار مداخلته الشهيرة المذكورة في أول المقال على شبكة الفايسبوك، حيث نشر اعتذارا للشعب التونسي في مقال بالفرنسية أسماه “أعتذر، أنحني وأفسر” بدأه بالجملة التالية:”أنا لن أقول كما قال البعض غلطوني، بل أقول أخطأت. نعم ليس هناك عيب أن أعترف بذلك، خصوصا وأن الخطأ من طبيعة البشر، وأنه وحدهم الذين لا يفعلون شيئا، لا يقعون في الخطأ ..” . ولكنه سرعان ما غيّر خط دفاعه، ربما أمام الانتشار الواسع جدا للفيديو، ليتوجه للتبرير الفج ولاظهار نفسه في مظهر الضحية الغافل حسن النية في مقابل مافيا اخطبوط عناصرها تمتد من الأمن الرئاسي إلى حزب المؤتمر من أجل الجمهورية!!

أعرف أن عبد الوهاب الهاني لم يكن يقصدني في شخصي، ولو كان معه أي شخص آخر وقال ما قلت لغيّر اسم “البطل” محافظا على السيناريو “الهوليودي” ذاته؛ ولو كان وحده في المشهد تلك الليلة لما وصلته “المعلومات السرية الخطيرة” التي أشار إليها. كل جرمي أنني شاركته المشهد وخالفته الطرح وصدقني الواقع. لذا قدّر أن استعادة جزء من مصداقيته يمر عبر كسر مصداقية “منافسه” حتى يشوش عملية المقارنة بين المواقف ويحدّ من الخسائر ..

أطلق الهاني كذبة كبرى ثم يبدو أنه صدقها، وصار يروج لها ليلا نهارا، ولكن أحدا آخر لم يصدقها. بل زاد الأمر في طينة الهاني بلة وورطه أكثر.

حقيقة لم أردّ على عبد الوهاب الهاني قبل اليوم لسببين: الأول تقديري أنني لم أكن مقصودا في شخصي وأن الافتراء الآثم الذي لحقني لم يكن سوى حبل نجاة موهوم لشخص سقط في الوحل.. والثاني بقايا تقدير لنضال جزء من عمر “صديقي” ضد الدكتاتورية .. ولكنني أردّ عليه اليوم علنيا لأنه تمادى ولم يتوقف عن الإيذاء، ثم لأنه لم يكفّ عن محاولة تصدر المشهد الثوري رافعا شعارات الأخلاق والمسؤولية والأمانة وغيرها.

وقد ارتأيت أن يكون رأيي على واجهتين: واجهة الرأي العام الذي اتجه اليه هو عبر فيديوهاته وأتجه أنا إليه اليوم عبر هذا النص؛ والثانية واجهة العدالة حتى يتحمل السيد الهاني، الذي يريد تحمل مسؤولية حكم البلاد بأسرها، مسؤولية افتراءاته .نعم سأحاكم السيد عبد الوهاب الهاني بتهمة الثلب، ليس لدافع انتقام شخصي لم أحمله تجاه من نفاني من وطني فكيف أحمله تجاه من شاركني ذات يوم محنة التهجير وشرف المقاومة. ولكنني أردت أن تكون هذه القضية “رسالة دلالة وعبرة حتى لا يتكرر المشهد مرة اخرى” كما قال الصحفي التونسي المعروف محمد كريشان لتوضيح سبب رفعه لقضية ثلب تجاه صحفي العار “عبد العزيز الجريدي”. أردتها درسا حتى لا يستسهل أي رجل سياسي الافتراء على خصم مهما كانت درجة معاداته، خصوصا ونحن مقبلون على معارك انتخابية تتراءى حامية الوطيس .. كما أردتها أيضا امتحانا لقضائنا للتأكد من أنه بدأ مسيرة التغيير المنشود نحو ضمان سيادة القانون ونحو لعب دوره كاملا في تطهير المجتمع من الانحرافات الأخلاقية والسلوكيات غير المشروعة.

وأقول في الختام أن ثورة الكرامة في بلادنا تفرض على كل السياسيين اليوم القيام بواجبهم الاخلاقي الوطني في تنقية الساحة السياسية من كل الممارسات الشائنة وفي الاتفاق على ميثاق شرف يلزم الأحزاب والشخصيات المترشحة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية القادمة احترام أخلاقيات التنافس النزيه .. حتى لا تتحول ساحتنا السياسية إلى فوضى غير خلاقة.