ِ

بقلم عبد الودود العمراني (*)

بمناسبة انعقاد الملتقى العربي الثالث حول الإبداعات المشاعية من ٣٠-٦ إلى ٢-٧-٢٠١١ بتونس، أعيد نشر هذا المقال وهو إسهام في النقاش على صفحات موقع نواة على الشبكة حول قضية غاية في الأهمية.

المقدمة

أودّ في البداية أن ألفت الأنظار إلى نقطة محورية في مسألة الملكية الفكرية ألا وهي أنّها تهمّنا جميعًا. لا تتعلّق الملكية الفكرية بمجرد حقوق الكاتب والمؤلف لعمل أدبي أو فنّي أو علمي، بل هي تجاوزت ذلك منذ منتصف القرن العشرين لتشمل أهمّ نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكل المجتمعات البشرية.

وأقصّ عليكم في هذا الصدد حكاية من الواقع المعاش.

أنا أصيل معتمدية صغيرة في الشمال الغربي التونسي: تبرسق في ولاية باجة. وكانت منطقة الشمال الغربي التونسي في العهد الروماني أي منذ ألفي سنة تقريبًا تسمّى “مطمور روما”. ويكمن السبب في أنها كانت توفر أربعة أخماس احتياجات روما في أوج ازدهارها من القمح. أذكر في صغري أنّ أقاربي كان يحفرون بعد موسم الحصاد حفرًا كبيرة في الأرض يطمرون فيها كميات معينة من القمح يستخدمونها في الموسم التالي بذورًا في حقولهم. وهو ما جرت عليه الأعراف منذ الأزمنة القديمة كما تعلمون. ولنتذكّر أن سيدنا يوسف عليه السلام أومأ لدى تفسير رؤيا العزيز إلى تلك الكمية من القمح التي تخبّئ وتُستخدم في البذر للزراعة. وجاء في الآيتين الكريمتين 47 و48 من سورة يوسف: ﴿قال تزرعون سبعَ سنين دأبًا فما حصدتم فذروه في سُنبله إلاّ قليلا مما تأكلون. ثمّ يأتي بعد ذلك سبعٌ شدادٌ يأكلن ما قدّمتم لهنّ إلاّ قليلا ممّا تُحصنون﴾.

هكذا جرت العادة وكان الآباء والأجداد يفعلون، سواء في تونس الخضراء أو في أرض كنانة وغيرها من الأماكن في أرض الله الواسعة. لكن ذات يوم أطلّ المهندسون الزراعيون على مزارعينا وأعلموهم أن لا حاجة لهم لادخار الحبوب للبذر لأن الدولة سوف تجلب لهم من البلدان المتقدمة (أي من أمريكا وأوروبا) بذورًا أفضل من بذورنا وسوف ترتفع المحاصيل ويعمّ الرخاء. أمّا من يواصل عادة طمر قمحه للسنة الموالية فهو من الجاهلين الذي لا يفهم في التطور والحداثة.

هكذا استقام مزارعونا على الطريقة الأمريكية الأوروبية!

أصبح المزارعون يبيعون كل محاصيلهم لديوان الحبوب، وينتظرون البذور “الممتازة” التي تورّدها لهم وزارة الزراعة. ثم حلّت المصائب وتتالت.

كانت أوّلها أنّ هذه البذور عقيمة بالمعنى العلمي للكلمة، أي أن البذور الناتجة عن محصولها غير قابلة للبذر مجددًا[1]. وكانت المصيبة الثانية فقدان المزارعين استقلالهم وتعويلهم على طرف خارجي للحصول على البذور. أمّا الطامة الكبرى فقد حصلت ذات سنة عندما لن تنتج الحقول إلاّ النزر اليسير لأنّ البذور الممتازة التي تمّ توريدها لم تكن ممتازة بكل بساطة!

هكذا أدركت وزارة الزراعة المصيبة التي حلّت بالمخزون الغذائي للبلاد وباستقلاليته، وسارعت لتلافيها، فأنشأت مخابرها الزراعية المستقلة، ثمّ راحت تبحث في كامل أرجاء البلاد عن المزارعين العنيدين الذين حافظوا رغم كل شيء على عادة طمر بذورهم في مطاميرهم التقليدية، وتُسنَد جائزة سنوية لأفضل نوع من البذور التقليدية العتيقة التي يقدمها المزارعون، حتى عادت والحمدلله تلك الأنواع من القموح التي كادت تندثر ومنها نوع بوجه خاص يُسمّى “القمح الصلب المحمودي” يشكّل فخر الإنتاج التونسي اليوم في المحافل الزراعية الدولية.

براءة الملكية الفكرية: التفريط والإفراط

قد يتساءل المرء عن علاقة كل هذا بالملكية الفكرية. تكمن العلاقة سيداتي وسادتي في أنّ بعض الأطراف الخارجية أخذت تلك البذور الأصيلة وغيّرت شيئًا طفيفًا في جزيئاتها وأنتجت منها سلالة عقيمة عالية الإنتاج وغير قابلة لإعادة البذر، ثم سجلت براءة ملكيتها الفكرية. وهي الأطراف التي احتكرت البذور وكانت تبيعها لوزارة الزراعة التونسية التي كانت تعطيها للمزارع التونسي. إنها لم تفعل ذلك مع القمح التونسي وحسب بل فعلت الشيء نفسه مع الأرز البسمتي الهندي والباكستاني[2].

هذا وجه من الوجوه القبيحة لجشع التاجر عندما يجد الآلية القانونية مجهزة كي يحتكر غذاء البشرية. ويسمّونها بكلّ صلف ووقاحة: “براءة الملكية الفكرية”.

لكن في المقابل، يجب علينا أن نستمع كذلك لشكوى أحد أدبائنا العرب في القرن العشرين الذي عانى من الفقر والحاجة رغم ثقافته الموسوعية وذوقه الرفيع وإنتاجه الأدبي الثري لأنّ حقوقه كمؤلف كانت مهضومة. يقول محمد بيرم التونسي:

“إنني أكتب مذكراتي من حلقات الدخان التي تتصاعد أمامي..

تُرى لو كانت البلاد العربية منضمّة إلى الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق المؤلفين والملحنين، ألم يكن الفنّان يستطيع أن يعيش من خيرات نتاجه – الضائع معظمه في الخارج – في رياض تلهمه بدلاً من إلهام التدخين الذي يحرق أعصابه؟!” [3]

هكذا إذًا يتّضح أمامنا “عالَمان”: عالم يشتكي فيه المؤلف بيرم التونسي من عدم وجود حماية لإبداعه، وغياب تام لحقوقه المادية والمعنوية. وعالم ثان يعيش فيه رجل الأعمال بيل غايتس كأثر أثرياء العالم بثروة قالونية يعود أصلُها لبراءات الاختراع واحتكارها ضمن عمليات قانونية ممنهجة.

فهل يمكن أن نجد حلاّ وسطًا كي لا يعيش المؤلّف وصاحب الإنتاج الفكري بصفة عامة ما عاشه محمد بيرم التونسي، وكي لا يطغى جشع التجار من أمثال بيل غايتس على عالم المعارف والعلوم؟ كيف نوفَّق كي لا يجوع الذئب ولا يشتكي الراعي؟

هل هي كلمة حقّ يُراد بها باطل؟

يروّج المتاجرون بالملكية الفكرية ومحتكروها للفكرة القائلة أنّهم يحترمون الإبداع ويدافعون عن حقوق المؤلفين والمبدعين والعلماء وغيرهم ممّن يُسهم بصورة مباشرة في الاختراعات والاكتشافات والإبداعات الفكرية بصورة عامة. ويظهرون بمظهر المدافع الشريف عن حقوق الغير. لتنأكّد إن كانت كلمتهم حقّ يراد بها باطل، ولنتثبّت إن كانت بسماتهم اللطيفة لا تخفي أنياب ذئاب شرسة وتجار جشعين.

كنّا نتحدث في السابق عن حقوق المؤلف أو حقوق التأليف، أمّا اليوم فنتحدث عن حقوق الملكية الفكرية. وبما أنّ كل إناء ينضح بما فيه، فإننا نلاحظ في هذه التسمية الجديدة مفردة “الملكية”. بل نلاحظ كما أثبت ذلك البروفيسور فيليب آغران أنّ المسألة أصبحت تتعلق أساسًا بحقوق عقارية تجارية ربحية. وإذا كان الأمر كذلك، فيجدر أن تكون التركيبة التجارية للملكية الفكرية عادلة – على أقل تقدير – وأن لا تغلب عليها مصلحة طرف واحد، وأن لا تكون نتيجة نشاط اللوبيات الاقتصادية من كل حدب وصوب.

لكن المسألة أكثر تعقيدًا وأكثر أهمية ممّا يبدو من أول وهلة. فبراءات الملكية الفكرية وما يتبعها من حقوق تتعلق في واقع الأمر بمجالات حيوية رئيسية بالنسبة للإنسانية جمعاء.

فبعد أن كانت حقوق التأليف تهمّ أساسًا الكتب والمصنفات المحررة، ثمّ بعض منتجات الصناعة الميكانيكية أساسًا، أصبحت حقوق الملكية الفكرية -إثر ظهور المعلوماتية- تهم الصحة والبحوث الطبية والصيدلانية، والزراعة والتغذية، وكل الأنشطة الفكرية التي يمكن تحويل منتجاتها إلى معلومات. ويتمّ الإسراع بتسجيل البراءات لتصبح حكرًا على شخص أو شركة أو شعب أو ثقافة معينة، وفي كلّ الأحوال يتمّ تسجيلها ليحرم منها باقي المستفيدين المحتملين من استخدامها، أو لتباع لهم وفق شروط البائع إذ يحتاجها المشتري بالضرورة، كالغذاء والدواء على سبيل المثال.

ففي مجال الأدوية والبحث الطبّي أصبحت كبريات الشركات الصيدلانية متعددة الجنسيات تركّز أبحاثها على تلك الأمراض التي تصيب الأغنياء، لأن لديهم القدرات الاقتصادية لدفع ثمن الأدوية.

أمّا الأمراض التي تصيب الفقراء والمساكين من خلق الله، فإنّ كبريات الشركات الصيدلانية لا تلتفت إليها البتة إلاّ من حين لآخر ضمن عمليات علاقات عامة ظرفية وتجميلية لصورتها البشعة. ولكي نتأكد من ذلك يكفي أن ننظر لما يجري في بلدان إفريقيا السوداء مع دواء الإيدز، المحمي ببراءات نتيجتها موت الفقير والمعوز. قامت الدنيا ولم تقعد عندما قررت بلدان الجنوب إنتاج العلاج الثلاثي لمرض الإيذر Tri-therapy لأنّه محمي ببراءة الملكية الفكرية. ماذا يعني ذلك بكلمات بسيطة؟ يعني يمكن لك أن تموت لأنّك فقير. مُت فليس لك ثمن الدواء الذي أمتلك براءة اختراعه، أنا لست العالم الذي اكتشف دواء هذا المرض، بل أنا التاجر الذي اشترى البراءة. وهل يقبل هذا أي شخص له أدنى حسّ بشري؟ فما بالك بالمسلم الذي يعلّمه دينه الرحمة والشفقة والعطف على بني الإنسان، وإن كان عدوّه عندما يكون مريضّا. أولا يداوي العدوّ عدوّه وفق اتفاقيات جينيف زمن الحرب؟

والأسباب الاقتصادية؟

في خضم الأزمة المالية التي ترجّ العالم رجًّا في الآونة الأخيرة، تحاول معظم الشركات التخفيف من تكاليفها كي تحدّ قدر الإمكان من خسائرها الفعلية أو المحتملة.

وكتبت إحدى الشركات الكبرى في صناعة الترجمة على موقعها على الشبكة[4] ما يلي:

لماذا ندفع رسوم ترخيص ؟

في أبريل 2007 اشترت شركة أس دي أل ترادوس (منتجة برمجيات ترجمية) شركة تريديون (شركة حلول لإدارة المحتويات) مقابل 69 مليون جنيه استرليني، ويتم تغطية هذا الاستثمار على هيئة رسوم ترخيص، وخدمات تطوير وترجمة. وتصل تكلفة تفعيل برنامج مبالغ طائلة انطلاقًا من 80.000 دولار أمريكي دون حد أعلى محدد…

وفي زمن تتطلع فيه المؤسسات التجارية إلى خفض التكاليف، نحن ننصح عملائنا بإعادة النظر في رسوم التراخيص الباهضة وفي تكاليف استخدام برامج حلول إدارة المحتويات المملوكة. لقد بلغت اليوم البرامج المفتوحة (Open Source) سنّ الرشد وهي ناضجة في مجال التجارة الإلكترونية وأنظمة إدارة المحتويات. والمؤسسات الساعية لتوفير أموالها يمكن لها استخدام هذه البرمجيات التي لا تراخيص عليها والتي تتابعها المجتمعات الحيوية للفنيين والمستخدمين وتوفّر الدعم والتطوير بسخاء وبأسعار غير مكلفة البتة.

وترى شركتنا أنّ تكنولوجيا المصادر المفتوحة مجال أساسي في تطوير استراتيجية أعمالها….

تبدو الصورة قاتمة، فما هي الحلول؟

الحقيقة أن الشرفاء في الولايات المتحدة وفي الغرب بصفة عامة أدركوا هذا الخطر الكبير واتّخذوا بعض الإجراءات الجيدة للحدّ من سلطة الشركات متعددة الجنسيات ونهمها الذي لا ينتهي. وإليكم باقتضاب بعض الأمثلة الرائعة:

1- تسجيل حقوق الملكية الفكرية تحت ترخيص الإبداعات المشاعية[5] Creative Commons. هذه طريقة لتسجيل كل أعمال الإبداع والفكر من الأدب إلى الموسيقى والسينما والطب والبرمجيات الخ… وفق عقد يسمح للجميع بقراءة المحتوى أو العمل بصفة عامة والاطلاع عليه مجانًا ضمن الاستخدام الشخصي غير التجاري. non-commercial use وتبقى الحقوق التجارية للكاتب أو المبدع ليبيعها لمن يشاء. يلجأ العلماء والأدباء أكثر فأكثر لهذا النوع من الترخيص لأنه يسمح لهم بالوصول عبر شبكة الإنترنت لقاعدة عريضة جدا من القراء أو الجمهور، ويحفظ لهم حقوقهم الأدبية والمادية. تتعلق رخصة الإبداعات المشاعية بالنشر الرقمي فقط ولا علاقة لها بالنشر الورقي. يُفترض أن يطالب المؤلفون والمبدعون ضمن العقود التي تربطهم بالناشرين بإضافة فصل يذكر أنّ لصاحب الملكية الفكرية الحق في نشر إنتاجه بعد مرور مدة معينة (3 أشهر إلى سنتين على أقصى تقدير) على هيئة ملف يمكن تنزيله من الشبكة أو قُرص ممغنط أو أية وسيلة رقمية أخرى على الشبكة. وقد أثبتت التجربة الميدانية أنّ النشر الرقمي لا ينافس النشر الورقي، بل يدعمه ويسانده، ويزداد الطلب على النسخة الورقية أو المادية بعد أن يطّلع عليها القراء بشكلها الرقمي. ويُضرب مثالا لذلك فيلم فهرنهايت 9/11 وهو الشريط السينمائي الشهير للمخرج الأمريكي مور الذي تناول فيه قرار بوش شنّ الحرب على العراق. لم يُعطّل نشر الفيلم على الإنترنت ترويجه في قاعات السينما، بل على العكس، سارع الناس لقاعات السينما لرؤيته، وتحدثت عنه وسائل الإعلام بإطناب وإسهاب، ممّا سهّل تسويق الشريط في القاعات.

2- المكتبة العمومية للعلوم[6] Public Library of Science مشروع لتقاسم العلوم وآخر المستجدات في عالم الطب والصيدلة، متاح للجميع ومفتوح وفق رخصة الإبداعات المشاعية Creative Commons ويكفي أن نلقي نظرة على مجلس مدرائه كي ندرك أنّ الأعضاء المؤسسين والقائمين على المشروع هم ببساطة ألمع علماء العالم اليوم في المجال الطبي، وأكثرهم خبرة وتجربة في مجالاتهم. يقول الدكتور ريتشاد سميث المدير التحرير السابق للمجلة الطبية البريطانية British Medical Journal: “أدعم بكل قوة الوصول الحر لنتائج الأبحاث. إنّ الشيء الرائع في الأفكار هو أنّه بقدر ما يطّلع الناس أكثر على الأفكار، بقدر ما ينتج عن ذلك أفكارًا جديدة.”

وتُصدر اليوم المكتبة العمومية للعلوم ثماني مجلات متخصصة في علم الأحياء، والطب، وعلم الأحياء الحوسبي، وعلم الوراثة، والأوبئة، وموجز الأبحاث الحديثة، والأمراض الاستوائية التي لا تلتفت إليها الشركات الصيدلانية، والتجارب المخبرية.

3- مشروع غوتنبرغ[7] لمحتويات الكتب الرقمية المتاحة مجانا للعموم The Gutenberg Project الذي يتيح أكثر من 100.000 من أهمّ المؤلفات الأدبية والفكرية بمختلف اللغات.

4- الأرشيف المفتوح للجميع[8] Archive.org يوفّر بوابة ضخمة فيها كمية كبيرة من المؤلفات بمختلف لغات العالم متوفرة مجانا للتنزيل من خلال الموقع. كما يمكن للمبدعين والمؤلفين تحميل إبداعاتهم المختلفة: كتب، معزوفات، أفلام وغيرها ليتمّ أرشفتها وتبقى متاحة للأجيال القادمة.

5- مشروع المكتبة الوطنية الفرنسية الرقمية [9] Gallicaالتي تقترح أكثر من 90.000 مؤلّفًا و 80.000 صورة مرقمنة ومتوفرة مجانًا للقراء.

6- المشروع الإفريقي لحماية الملكية الفكرية وإتاحة الوصول إلى المعارف [10] The African Copyright & Access to Knowledge Project (ACA2K) الذي يجمع المغرب ومصر وجنوب إفريقيا والسنغال والموزمبيق وكينيا وأوغندا وغانا.

7- البرمجيات Software: يجدر بنا في هذا الصدد أن نتوقف لحظة لنتسائل عن مليارات الدولارات التي ندفعها في العالم العربي لاقتناء برمجيات يمكن لنا الاستغناء عنها في أغلب الحالات لاستبدالها ببرمجيات مفتوحة مجانية وتعمل بكفاءة أعلى. لكن أهمّ نقطة تتعلق بالبرمجيات الحرة هي أنّها تقدّم عرضًا يتميز بالتنوّع. وقد شغّلت مقاطعة إستريمادورا في إسبانيا منظومتها التعليمية بالكامل بالبرمجسات الحرة. ووفّرت بذلك برمجيات عالية الكفاءة للتلاميذ والطلبة دون أن تدفع قرشًا واحدًا وضمن احترام تام للقوانين الدولية المتعلقة بالملكية الفكرية.

و فيما يلي بعض البدائل الرئيسية لمختلف البرمجيات المملوكة:

ولا أحد ينكر بعض الإسهامات العربية المتميزة، التي نذكر منها على وجه الخصوص الموقع المتميّز لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد للمملكة العربية السعودية الذي يوفّر مادة ثمينة ومتميزة منها ترجمة معاني القرآن الكريم إلى ستّ لغات وتوفير أمهات الكتب البحثية في علوم القرآن والحديث واللغة. والجميل أنّ القائمين على الوزارة تفطّنوا تمامًا لمعضلة الملكية الفكرية، فطبّقوا المبدأ القائل “لا ضرر ولا ضرار”. ولهذا السبب، نقرأ في أسفل الصفحة ما يلي: “جميع الحقوق محفوظة للوزارة إلا لأغراض بحثية أو دعوية” أي أنّ الوزارة تسمح للباحثين باستخدام المادة، وهذا هو المطلوب.

ونشير كذلك إلى أنّ قناة الجزيرة القطرية تعتزم نشر كل محتوياتها وبرامجها تحت رخصة “الإبداعات المشاعية” Creative Commons حيث يجوز الاستخدام الشخصي والبحثي، ويُطلب الترخيص الخاص في حالة الاستخدام التجاري. وهذا أيضًا هو المطلوب.

وهكذا نشاهد هذا التوجه العادل إلى تقاسم المعارف والعلوم في عالمنا العربي الإسلامي. ويبدو أنّ ردة فعلنا على الجشع المذكور تكاد تكون فطرية، فالشرفاء من بين العرب والمسلمين يحسون بالضيم إذا لم تتوفر المعارف للجميع، لذلك نلاحظ أنّ العديد من المواقع على الشبكة والبوابات تقترح على المتصفح مراجع أساسية في الفكر والمعارف الإنسانية دون مقابل. وهذا جيد لكن يجدر بنا تنظيم هذا التوجه وتحكيمه كي تحصل نتائج أفضل ويتم التعاون بين مختلف الفاعلين في حقل المعارف.

خاتمة و بعض التوصيات

المؤلّفة ليسلي إيلين هاريس محامية تخدم مصالح لوبيات الملكية الفكرية. وهي صاحبة الموقع “قوانين حقوق الملكية دوت كوم” www.copyrightlaws.com ولا بدّ من شكر مكتبة الملك فهد الوطنية على نشرها النسخة العربية لكتاب هاريس: «ترخيص المحتويات الرقمية، الدليل العملي» Licencing Digital Content, a Practical Guide الذي ترجمه إلى العربية الدكتور جبريل بنحسن العريشي والدكتور علي بن عبدالعزيز الحمودي من قسم المكتبات والمعلومات بجامعة الملك سعود.

قوانين النشر والتأليف والترخيص الرقمي للمعلومات من أبرز الموضوعات التي ناقشها الكتاب الذي قدم للقراء شرحا وافياوقانونيا لعملية الترخيص الرقمي إضافة الى قانون حقوق التأليف والنشر فيأمريكا وهو القانون المستخدم أيضا في الاعارة المتبادلة بين المكتبات..

هذا ما يدّعيه الكتاب.

والحقيقة هي أن الكتاب يتحدث عن المحتويات التجارية المملوكة فقط، ولا يتطرق إلاّ عرَضًا لترخيص الإبداعات المشاعية والبرمجيات الحرة والعلم المفتوح. والكاتبة على هذا الأساس تقدم أفكارًا تتملص من الحقيقة وتسعى إلى إبراز صورة واحدة ونظرة واحدة ونمطًا واحدًا: الملكية الفكرية التجارية التي تدرّ المال، أمّا التقاسم ونشر العلوم والمعارف فيبدو أن لا علاقة للكاتبة ولا للكتاب بهما.

لكن يجدر بنا ترجمة كتاب آخر يجيب على مؤلّف هاريس ويحاوره، كي يحصل القراء على وجهتي النظر المتقابلتين. وهو كتاب قيّم جدًّا للأكاديمي الأمريكي جايمس بويل من جامعة ديوك بعنوان: “القطاع العام، الاستحواذ على الأملاك الفكرية المشاعية”[11] The Public Domain: Enclosing the Commons of the Mind, James Boyle يقدّم فيه الباحث مفهوم القطاع العام وكيف تمّ الاستحواذ عليه تدريجيًا بصورة مأساوية بواسطة القوانين الحالية للملكية الفكرية وحقوق التأليف والعلامات التجارية. يفسّر بويل كيف أنّ شيفرة الجينات الوراثية البشرية، والأفكار التجارية الأساسية والكثير من النوتات الموسيقية هي اليوم مملوكة لأشخاص وشركات. وهو يقول أنه لو ظهرت موسيقى الجاز اليوم لكان الاستماع إليها يُعتبر غير قانوني لأنها ستكون ملكًا للبعض فقط، ويفسّر أن الجزء الأكبر من ثقافة القرن العشرين غير متوفرة قانونيًا لنا اليوم، ويضيف أنّ شبكة الإنترنت ما كانت لتظهر للعالم لو كانت زمن ظهورها قوانين الملكية الراهنة نافذة المفعول وقتئذ.

يدفعنا الواجب الأخلاقي والمبادئ السامية لنشر العلوم والمعارف وتقاسمها وبذرها في كل الحقول، – سعيًا من كل واحد منّا: مشرفين، وإداريين، وسياسيين قائمين على الشأن الثقافي والمعرفي، وأساتذة وباحثين، ومبدعين في كل المجالات المعرفية – سعيًا منّا جميعًا إلى تعميم المعارف والعلوم، يدفعنا إلى دراسات مستفيضة ومسؤولة للمنوال الغربي في موضوع الملكية الفكرية. يجب أن تأخذ مقاربتنا لهذا الموضوع في الحسبان مسؤوليتنا أمام ضمائرنا وأمام الله في تيسير الوصول إلى العلوم والمعارف، وأن تنظر بكل ريبة وتشكك إلى المنوال الغربي التجاري في مجال حقوق الملكية. والسبب بسيط: إنّ قوانين الملكية الفكرية كما هي اليوم لا تسعى لحماية المبدع ولا لحماية القارئ المتطلع المستخدم، بل هي تعمل حصرًا لترسيخ حقوق عقارية تجارية لشرذمة قليلة من أصحاب المصالح التجارية الذين لا يهمهم البتة نشر المعارف والعلوم وتقاسمها بين بني البشر. وقد اغتنم هؤلاء التجار أكثر من فرصة لجعلنا ندفع أثمانًا باهضة لمخالفتنا قوانين الملكية التي وضعوها، ولنا مثال ناطق في تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة والأموال الطائلة التي دفعتها لمخالفتها القوانين المذكورة. ونحن كمثقفين وأكاديميين وباحثين بل وطلبة وتلاميذ وقراء لا نكنّ الاحترام لمن لا يحترم روح المعارف وروح العلوم، بل يجعلنا ندفع الغرامات بادعاء أنّنا لم نحترم الملكية. أما اليوم فالحلّ القانوني والأخلاقي والعملي واضح أمامنا تمام الوضوح ولن يكلفنا تلك المليارات الكثيرة التي تدفعها دولنا مقابل البراءات المسجلة، وهذا الحل هو البرامج المفتوحة والملكية الفكرية المشاعية وتقاسم العلوم والمعارف مع الشرفاء من كافة أنحاء العالم.

نُشر المقال على مجلة الدوحة، قطر. العدد 23 (و أورده في هذا المقام راجيًا أن يجد فيه القراء الكرام الاستفادة… وبعض المتعة ربّما!)

* خبير ثقافي بوزارة الثقافة والفنون والتراث بقطر، كاتب ومترجم وناقد أدبي

—–

هاومش و روابط:

[1] يفسر فيليب آغران هذه المعضلة بكل وضوح متحدثًا عن البذور المهجنة: “فزيادة على كون هذه التقنيلت تولّد النموذج الوراثي بعينه -أو تقترب منه قدر المستطاع- فإنها تعطي الذرة تلك الخاصية الرائعة (بالنسبة لبائعي البذور) بعدم التوالد وفقدان الخصوبة في الجيل الثاني. ومن هذا المنطلق، أصبح المزارع غير قادر على زرع منتج محصوله وأضحى في وضع تبعية تامة لبائع البذور” (القضية المشتركة، 2007 المجلس الوطني للثقافة قطر، ص. 83)

[2] المصدر السابق، ص. 103

[3] بيرم التونسي، مذكرات بيرم التونسي وديوانه الأول ص. 41. ذكره محمد لطفي اليوسفي في مؤلفه الرائع: فتنة المتخيّل (الجزء الثالث، ص. 18) المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2002

[4] انظر بالإنكليزية مدونة مكتب الترجمة الاحترافية. المقال بعنوان: Multilingual Content Management now free and easy

[5] انظر مواد ترخيص الإبداعات المشاعية على الموقع الدولي: وقد اعتمدت العديد من المؤسسات العلمية المرموقة وكبريات الجامعات في العالم رخصة الإبداعات المشاعية التي تسمح بتقاسم المعارف.

[6] انظر موقع المكتبة على الشبكة: حيث يتمّ تعريف المكتبة كما يلي: المكتبة العمومية للعلوم منظمة غير ربحية من العلماء والأطباء الملتزمين بجعل الأدبيات العلمية والطبية العالمية موردًا عموميًا حرّا مفتوحّا ومتاحًا مجانًا للجميع. PLoS is a nonprofit organization of scientists and physicians committed to making the world’s scientific and medical literature a freely available public resource.

[7] انظر موقع المشروع على الشبكة

[8] انظر البوابة على الشبكة حيث يمكن تنزيل وتحميل الملفات

[9] انظر بوابة المكتبة الوطنية الفرنسية على الشبكة

[10] انظر موقع المشروع على الشبكة

[11] انظر الموقع التالي حيث يمكن تنزيل نسخة مجانية غير تجارية من الكتاب