،بقلم أنيس العاشق

قرأت اليوم في مدونة “ناشط و محلل سياسي” تونسي أن حملةً إعلامية ستنطلق هذه الأيام وستشارك فيها  وجوه سياسية وإعلامية وحتى رياضية للمطالبة برفع الحصار على غزة. وطبعاً إعتبرت هذه الخطوة مشكورةً كما اتوقع أن يكون موقف معظم التونسيين والعرب والمسلمين منها. لكن هذا الخبر زاد من حيرتي وحزني تجاه موقف النخبة وعامة الناس من الأحداث المأساوية في سوريا. فإن كانت المأساة التي يواجهها اخواتنا و اخواننا في غزة حقيقية وواضحةً للعيان، فإن الكارثة المتجددة في سوريا يومياً وعشرات القتلى والفظاعات التي لا تتوقف لا يبدو أنها تجد مكاناً حقيقياً في وعينا الجماعي. إنني اليوم أتساءل: هل أن الثورة خطت بوعينا  خطوةً إلى الأمام أم اعادتنا إلى وهم “مصلحة الأمة” البالي؟

وللتدليل على ما أقول سأستعرض كمثال مواقف أحد أشهر المحللين السياسيين العرب: محمد حسنين هيكل. الكثير من المتابعين للشؤون العربية والإسلامية يكنون لهيكل إحتراماً كبيراً لبعد نظره وسلامات تحاليله. إلا انني وغيري فوجئنا أولاً بموقفه المعادي للثورة الليبية وهي في أكلح مراحلها عندما كانت كتائب القذافي تحاصر بنغازي وتقصفها موقعةً أكثر من مئتي قتيل مدني في أقل من أربع ساعات (قبل أن تتدخل قوة الناتو بغطاء أممي و توقف حمام الدم). كانت المجزرة التي بدأت في بنغازي تعد بأن تكون من أفضع المجازر في تاريخ العرب وربما الإنسانية. محمد حسنين هيكل الذي لم يفتأ يدافع على مبدأ الموضوعية في التحليل الجيوسياسي وفسر لنا مراراً وتكراراً أن تفوق إسرائيل على العرب قام على حسن استغلالها لجميع الأطراف الدولية لخدمة مصالحها، خلص إلى أن خير المواقف آن ذاك هو التشكيك في زعامات الثورة الليبية ومعاداة أي تدخل أممي لإنقاذ المدنيين في بنغازي وذلك دون حتى الدعوة إلى تدخل عربي عوضه.

وبعد ذلك جاء دور سوريا وجاء موقف هيكل (وغيره في الحقيقة كثيرون) لرفض حق الشعب السوري في الحرية. الشعب السوري تحصد أرواح ابنائه وبناته بالعشرات ويعذب أطفاله وتقطع أوصالهم حتى الموت كالشهيد حمزة الخطيب دون أن نرى عديد “المحللين السياسيين” كهيكل ينبسون ببنت شفة بل أدهى من ذلك تراهم بكل برودة يحللون الأمر على أنه مؤامرة ضد “الأمة” تحركها قوة الشر الإمبريالية.

إن ثورةً كالثورة الفرنسية التي بقيت منارةً في التاريخ جعلت من فرنسا أمةً مدافعةً على حقوق الإنسان و دفعتها لنشر قيمها في أوروبا وشتى أرباع العالم (رغم استغلالها السياسي في عديد الأحيان) بينما تتجاهل الشعوب العربية المكبلة منها و المتحررة كفاح الشعب السوري الشقيق الذي تربطنا به أقوى روابط الهوية  بل لا يتوانى العديد عن تشويهه والتشكيك فيه وحتى الدفاع على النظام السوري “حامل لواء العرب الممانعين”. وعندما سيأتي التدخل الأجنبي في سوريا (وهو آتٍ لا محالة) سيتعالى الصراخ والعويل كما كان الحال مع الثورة الليبية  أمام “التدخل الأجنبي السافر الهادف إلى نهب خيرات الأمة”.

إن كان لهذه الأمة خيرات فهي أرواح شاباتها وشبابها التي تقطف كل يوم. إن كل إنتهاك لحقوق إنسان عربي هو طعنةٌ للأمة العربية و إن كل نفيٍ لإنسانية مواطن عربي هو جرعة سم لعروبتنا ولإنسانيتنا.

وسأختم كلامي بخاتمة مقالي الذي لم ينشر: “هذه الثورة اعطتنا اليوم الفرصة لنعيد البناء ولكن هذا البناء الجديد مآله التصدع و الإندثار إذا لم ندرك أن جوهر بناءنا هو الإنسان، أن لا عزة للإسلام إذا لم نحرص على عزة وكرامة كل مسلم دون إستثناء وأن لا عزة للعروبة إذا لم نحرص على عزة وكرامة كل عربي دون إستثناء وأن امتنا وكما قال الحديث الشريف كجسد الإنسان، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد.”

ادعوكم إلى أن تتذكروا أن الله لا يغير بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الشعوب تؤتى الأنظمة التي تستحقها. وإن لم نتعلم من ماضينا البائس أن لا مبرر لسفح دم متظاهر سوري أو بحريني أو إنتهاك كرامته حقوقه كإنسان، لا بعبع العروبة أو الإسلام أو غيره, إذا لم نفقه ذلك فعلى “ثورة الكرامة” السلام ومآلنا الدكتاتورية من جديد لا محالة.