مؤقتة

بقلم عبد الرزاق قيراط،

رئيس الدولة المؤقّت، و رئيس الحكومة المؤقّت و وزراؤه المؤقّتون، يتعرّضون في هذا التوقيت إلى حملة إعلاميّة غير مؤقّتة تقوم على تذكيرهم في كلّ إشارة من قريب أو بعيد و في كلّ تغطية لنشاطهم بأنّهم مؤقّتون و لن يكونوا إلاّ مؤقّتين أحبّوا أم كرهوا.

لم تنفع احترازات بعض الوزراء و في مقدّمتهم الناطق باسم الحكومة حين فضّل توصيف الحكومة “بالشرعيّة أو المنتخبة”، فحتّى هذه المسألة مشكوك فيها لدى المنهزمين في الانتخابات و لدى الإعلاميّين الذين تبنّوا منطقهم، إمّا لأنّ الشعب غبيّ كما قال بن بريك، و إمّا لأنّ آلاف الأصوات التي ذهبت إلى اليسار تشتّتت فكانت هباء منثورا و هي تفوق ما ذهب إلى حركة النهضة كما يعتقدون مصرّين على أنّ الفائز الحقيقيّ هو ما يسمّى اليوم بالأقلّيّة المعارضة.

و لذلك فإنّ هذه الشرعيّة التي تتّصف بها الحكومة هي أشبه بالخطأ الذي وقع فيه الشعب أو من أعدّ قانون الانتخابات ولا بدّ من التدارك في أقرب وقت، فلن يُسمح للوزراء “المؤقّتين” بالبقاء طويلا في مواقع السلطة رغم حصولهم على تزكية المجلس التأسيسيّ المنتخب من طرف الشعب. لنقل إذن إنّها شرعيّة مؤقّتة. و لاحظوا أنّ التكتّل – الحزب الحليف الذي يشارك في السلطة- عبّر دون تردّد عن معارضته للتعيينات التي شملت المؤسّسات الإعلاميّة و هدّد بالانسحاب من الائتلاف الحاكم ليقدّم بانسحابه إن حدث فعلا الدليل على أنّه ائتلاف مؤقّت. و لعلّه يدعو وزراءه إلى الاستقالة من الحكومة المؤقّتة فيكونوا أوّل الوزراء المؤقّتين الذين أثبتوا أنّهم كانوا في وضع مؤقّت.

من جهة أخرى، نلاحظ أنّ الحكومة بدأت تقتنع أنّها مؤقّتة من خلال تبريرها لتلك للتعيينات الأخيرة بالقول إنّها مجرّد سدّ لشغورات بعد استقالات مفاجئة، فطمأنت الغاضبين بالقول “إنّ التعيينات موقّتة” في انتظار قيام الهياكل المعنيّة بالتشاور و الانتخاب لمن تراهم صالحين لتلك التسيير المؤسّسات الإعلاميّة.

و لكنّ الإعلاميّين لا يحبّون الأوضاع المؤقّتة لذلك مازالوا غاضبين. و الغاضبون كثر هذه الأيّام، و في جميع القطاعات. العاطلون غاضبون و العاملون مستاءون، و رجال الإعلام لم تعجبهم تسمية، و رجال الأمن ثائرون بسبب إقالة. و كلّ ما سيفعله الوزراء المؤقّتون سيلقى معارضة دائمة الأمر الذي أوحى لنا بالسؤال: و إذا الحكومة سُئِلتْ بأيّ ذنب أُقِّتتْ؟ و إذا القرارات عُطِّلتْ، و إذا الطرقات أُغلقتْ، و إذا المعامل أُفرغتْ، و إذا الصحف نُشرتْ و إذا الأخبار صُدّقتْ علم الشعب أنّ الحكومةَ وُئدتْ.

و لقد تنبّأ فرحات الراجحي قبل أشهر بانقلاب سيطيح بالإسلاميّين إن فازوا في الانتخابات و وصلوا إلى السلطة، فغضب البعض من الرجل و عاقبوه، و لكنّنا نرى اليوم ما يثبت زعمه فنرى أوضاعا انقلابيّة عديدة و حالات من العصيان التي لا تخبو في مكان حتّى تنشأ في آخر، و لا تخمد في قطاع حتّى تشتعل في غيره، ما ينذر بتعطيل مستمرّ لعجلة الاقتصاد و لعمل الحكومة و مخطّطاتها.

و بذلك سيستعجل معارضوها خروجها من السلطة لتُسلِّمَ الحكم لمن هم أجدر منها و أكثر تجربة، و المعركة حامية الوطيس انقسم فيها الشعب إلى فِرَقٍ متعادية فشقّ يهاجم الوزراء بسلاح “المؤقّت” و شقّ يدافع عنهم رافعا راية “الشرعيّة” و شقّ ثالث يعطّل القرارات و ينظّم الاحتجاجات. و قد يكون من الأفضل للحكومة أن تستسلم و تعترف بأنّها مؤقّتة حقّا، فتكتفي بتسيير الأعمال و لا تتورّط في وضع المشاريع الكبرى التي تحتاج إلى سنوات. السِلْمُ أفضل من الحرب أو هذا ما فهمناه من الضيف الذي استنجد به إلياس الغربي في حديث ساعته يوم الثلاثاء، و هو طبيب نفسانيّ طُلِب منه تشخيص الوضع الذي تعيشه تونس منذ قيام الثورة، فتحدّث عن الذين أحرقوا أنفسهم و عن الذين أصبحوا فجأة تحت الأضواء الكاشفة أو الحارقة من النخبة المثقّفة و الصفوة الحاكمة ليلخّص المشهد كلّه باعتباره إنجازا تونسيّا رائعا و فريدا من نوعه، فدعا إلى إنجاحه بالحوار و الطمأنة.

و بهذا أنهي مقاربتي مكتفيا بما قاله الطبيب خاتمةً، فليس أفضل من الحوار و الوفاق الذي نرجو أن يكون دائما غير مؤقّت. و ما عدا ذلك فهو زائل متغيّر لا يستثنى منه أحد. المهمّ أن يبقى الشعب هو صاحب الخيار و مالك القرار، هذا إن بقي للشعب قدرة على التفكير و البقاء، فقد يُجنّ جنونه ممّا يرى و يسمع فيختار الفرار أو الاحتراق بالنّار!