إضافة إلى الخطر المقيت بعودة الدساترة وحربائية حلفائهم الجدد، يجد المجتمع الأهلي نفسه اليوم بين مطرقة السلفية بشقيها العلماني والخليجي وسندان الفقر والشرّ والبطالة وكل مخلفات منظومة الاستبداد والفساد والتي أفسدت وتفسد على الناس حياتهم ودينهم.

ما هو اليمين الذي يهدّد المجتمع الأهلي ؟ هل هو اليمين الليبرالي أم اليمين الإسلامي أم اليمين الحداثي ؟ الثورة هي فرض تغيير في هيكلة النظام اجتماعيا واقتصاديا وعملية إعادة توزيع الثروة والقوة، فبأيّ شيء تعدنا الأحزاب اليمينية في معارك التحرر من الاستبداد في سلوكياتنا اليومية وفي معارك التنمية ضدّ سياسات النهب والشرّ ؟ ومتى تتحرّر الأحزاب اليسارية من الأوهام الإيديولوجية والمراهقة السياسية لتعمل على التفعيل الثقافي للمساواة والعدالة في توزيع الخيرات بين البشر وتحريرهم من الشرّ والقيام بمصالحة تاريخية مع التوحيد ومع إرادة هذا الشعب في حبّه لدينه ؟

تقول أم الزين بنشيخة المسكيني والتاريخ لا يرحم الفاشلين : “القوى اليسارية لعلى خطأ فظيع لو واصلت استهتارها بمقدّسات شعوبها وهي أيضا على خطأ فظيع لو استأنفت اعتقادها الشوفيني في الايديولوجيات دون تفكير بإرادة الشعوب العربية… علينا التنبيه على ضرورة أن يبحث اليسار العربي عن طرق مغايرة للتعامل مع الأحزاب الإسلامية، فالصدام مع الإسلاميين… استراتجية غير ناجعة في التصالح مع الشعوب العربية… أحبّوا شعوبكم بأحلامهم وإيمانهم وصلواتهم وأعيادهم وببؤسهم وطيبتهم وعودوا إلى دياركم ولتتدرّبوا على الاقامة جيّدا في جلودكم…” عودوا الى أريافكم الحزينة والانتماء الصحي للشعب بدلا من ضجيج المنابر ونفاق الحداثة والوسطية، فواقع التشرذم والتشتت الذي تعيشه قوى اليسار العربي والذي يعود في غالب الحالات إلى حذلقة عقيمة وضجيج مقاهي ومنابر، يمثل عائقا جوهريا أمام النجاح في مقاربة الشأن العام واكتساب الجماهير. فلنعِد رسم خرائطنا السياسية والفكرية قبل فوات الأوان !

في ظلّ ما يحدث للثورة من تحت أيادي السلفيين العلمانيين والخليجيين من جهة ومن تآمر ثالوث السعودية وإسرائيل والشركات المتعددة الجنسية عليها من جهة أخرى، ينبغي على اليسار الإسلامي أن يتحمل مسؤوليته التاريخية في العمل على تحقيق مصالحة تاريخية بين إرادة الشعب في تمسّكه بدينه واليسار العربي، واستكمال أهداف الثورة في ثقافة المواطنة والمجتمع المدني ومبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية ورفض القمع والهيمنة والاعتداء على الحرمات، ودعم الجمعيات الأهلية والمنظمات النقابية للدفاع عن الكادحين والكادحات والفقراء والمهمّشين في كل مكان… والدفاع عن قضايا المرأة وحقوقها وترسيخ قيم حقوق الإنسان، وهجرة الثقافة العربية إلى أفق العقل الكوني برسالة الإسلام التي تقوم على التوحيد والرحمة والعدالة والعمران وتقاسم السلطة.

اليسار الإسلامي أساسا هو التأكيد بعد ” لا إله إلا الله محمد رسول الله ” على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنة والتي لها علاقة بحد أدنى للأجور ومظلة تأمين صحي واجتماعي ومواجهة الاحتكارات الرأسمالية أو الجهوية وإعادة توزيع الثروة، أي استكمال تحقيق أهداف الثورة في جوانبها الاقتصادية والمدنية والاجتماعية، ووحدة الوحي والواقع المعاصر، ونهاية الأسبقية الغربية، وتفعيل قراءة القرآن، واستثمار المخزون النفسي للجماهير بعد صحوة الناس وإرادة الشعب.

السياسة هي الربط بين الحراك السياسي والاجتماعي وتحركات العمال والفلاحين والطلبة، بين الجوانب الاجرائية للتحول الديموقراطي المتمثلة في الاستفتاء والانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية وبين الجوانب الاجتماعية والمدنية لهذا التحول والتي تشكل القلب منه. اليسار الإسلامي هو الجواب على السؤال الذي يطرح دائما وهو كيف لليسار أن يلتقي مع الفكر الإسلامي لحلّ معضلة التنوير والتنمية، الحقيقة والتقدم… في واقع من الأمية والفقر؟ لكي لا يجد الناس أنفسهم يعيشون في مستوى اقتصادي منحط يتقاتلون فيه على الخبز بالمعنى الحرفي كما رأينا خلال حكم النظام المخلوع.

الثالوث السعودى ــ الإسرائيلى ــ الشركات المتعددة الجنسية، يدعم قوى الثورة المضادة بأشكال مختلفة مباشرة وغير مباشرة فى كل بلد عربى، ويسعى إلى هزيمة الثورات أو على أقل تقدير تحجيمها حتى لا تحدث تغيرات جذرية فى هذه البلاد بشكل يهدد مصالحهم الفاسدة، نحن إذا فى حالة حرب مشتركة بين القوى الثورية فى البلاد العربية من جهة، وقوى الثورة المضادة المدعومة بهذا الثالوث من جهة أخرى، وكأي حرب فإن عدم الالتفات إلى اتساع الجبهة وعمقها داخليا وخارجيا هو أول خطوات الهزيمة…

هناك فئة في بلادنا مستعدة لتنفيذ ما يُطلب منها، خصوصا إذا كانت ثروة النفط هى التى تطلب… وكان النفوذ الدولى هو الذى يسند !! وهناك الدول الكبرى التي تحاول فرض مصالحها الدائمة فى ظروف متغيرة وتغطية فعلها العدواني بغطاء الثقافة والحضارة وحتى الدين !! فأيّ مبدئية ونضالية هذه التى تستكبر وتستقوى على شركاء الوطن وترضخ أمام سلطة رأس المال؟

ماذا ستكون سياسات “نظام ما بعد الثورة” تحت ضغط الأزمة الاقتصادية والمطالبات الملحة لوكالات الإقراض الدولية كذريعة للمزيد من الرأسمالية ولإطلاق العنان لقوى السوق ؟! خاصة أنّ ما يسمى بتوافق واشنطن ينصّ على: (1) الإدارة المالية وخفض نفقات الدولة، (2) تراجع دور الدولة كفاعل اقتصادي ومورد اجتماعي (أي خصخصة الأصول العامة والخدمات)، (3) أسواق عمل مرنة، (4) التجارة الحرة، (5) التحرير المالي، (7) حماية حقوق الملكية، (8) الضرائب التنازلية. والنموذج واضح وصريح حول تعزيز تراكم الثروة على حساب التوزيع أو العدالة الاقتصادية، وتأثير ذلك على العلاقة بين الدولة والفئات المختلفة الذي تلخصه مقولة الليبرالية الجديدة “لا يوجد شيء يسمى المجتمع، لا يوجد سوى الأفراد”.

دولة المنافسة الوطنية، مثلما يبدو من توجهات الترويكا، يعنى دولة تتم فيها صياغة السياسات بأكملها (الاقتصادية والسياسية والاجتماعية) بهدف اجتذاب أكبر استثمار رأسمالي ممكن، وأهمية دور الدولة كمحفز للنمو وليس للعدالة أو للتوزيع، ويتبع ذلك أهمية علاقاتها مع قطاع الأعمال، بالمقارنة بعلاقتها بالفئات أو الشرائح الاجتماعية الأخرى. فهل سيركز “نظام ما بعد الثورة” إنجازاته في جذب الاستثمارات الأجنبية وتيسير مناخ الاستثمار، بغض النظر عن حقيقة أن مثل هذه الإنجازات المزعومة لن تترجم إلى ظروف معيشية أفضل للأغلبية من أبناء البلد، ولكن بارتفاع مستويات الفقر… وتخريب البيئة والمجتمع ؟!

تقول رباب المهدي “إنّ مشروع الليبرالية الجديدة يستهدف إخضاع كلّ من المجتمع والدولة لديناميات السوق في ثلاث مجالات رئيسية: 1) تهميش دور الدولة من خلال خفض إيراداتها ومهامها، 2) تغيير أنظمة الإنتاج بطريقة تزيد من تهميش الأغلبية حتى في ظل ظروف الديمقراطية الإجرائية، وأخيرا 3) إعادة تشكيل النخبة الحاكمة من ائتلاف من البيروقراطيين الحكوميين (بما في ذلك الأمن والجيش) والطبقة المتوسطة وإلى حد ما دوائر الأعمال، إلى ائتلاف يتضمن حصريا فئتي التكنوقراطيين وممثلي الشركات الكبيرة (سواء كانت محلية أو دولية). وفي جميع هذه المجالات المعركة التي طرحها دعاة الليبرالية الجديدة هي أيديولوجية بقدر ما هي مادية”. على سبيل المثال، اعتبار أن القطاع الخاص أقل فسادا وأكثر كفاءة من القطاع العام، وعدم وجود صيانة للمصانع المملوكة للدولة بحيث تخسر، أو العمل على تخفيض الإعانات أو التوظيف المضمون وذلك لوضع الجماهير تحت ضغط مخاطر متزايدة، فيكون دور الدولة الداخلي إما “تقييدي” أو “تمكيني” للأفراد الذين يتنافسون في سوق مفتوح. وعلى الصعيد الدولي، يكون دورها هو التنافس في إطار الاقتصاد العالمي، لتوفير ظروف أرخص للعمل وجذب المستثمرين، بغض النظر عن الكيفية التي تؤثر بها هذه الظروف على العمال أو البيئة {“المصانع كثيفة الاستغلال”، تركيز الصناعات الصحية الخطرة في بلدان الجنوب…} وتقلص القدرة الاقتصادية للدولة لا يؤدي فقط إلى إضعاف المستوى المعيشي للغالبية، ولكن يحد أيضا من قدرة الدولة على الاضطلاع بدور سياسي أكثر توازنا لمصلحة هذه الأغلبية، ومع خصخصة الأصول المملوكة للدولة، وانسحاب الدولة من الإنتاج، والضريبة التنازلية، تنخفض إلى حد كبير عائدات الدولة وبالتالي نفوذها الاقتصادي، وتكون النتيجة فقدان الحكومات الوسائل والرغبة في السعي إلى تطبيق سياسات فعالة لمكافحة الفقر، أو سياسات اجتماعية واسعة النطاق وجذرية.

الأساس الأيديولوجي لليبرالية الجديدة لا يقتصر فقط على فرضية اختزالية ترى أن البشر كائنات اقتصادية تحركها رغبتها في تعظيم مكاسب ولكنها تمثل أيضا فهما خاصا يرفع شعار “الاهتمام والاحترام المتساوي لجميع المواطنين”، ودور الدولة في ضمان “استقلالية” المواطنين في اختيار ومواصلة مشاريع حياتهم. هذين المبدئين فُهما على أنهما يعنيان حيادية الدولة، وأن العدالة الاجتماعية والاقتصادية هي نتيجة وليست هدفا من أهداف السياسات الاقتصادية الكلية والتشكيل السياسي للدولة، خاصة أن “مبدأ المساواة في الاهتمام والاحترام” لا يذكر شيئا فيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والتوزيع والضمان الاجتماعي.

التركيز على الاستقلالية الفردية والاحترام المتساوي في ظل هذا النموذج يعني أن كل فرد يجب أن يكون مسئولا عن سلامته ويتحمل المسؤولية، مهما كانت النتائج التي تأتي من المنافسة في السوق المفتوح، أو كما نقول بالعامية “عندك فرنك، تسوى فرنك”.
في الليبرالية الجديدة تحرم غالبية السكان من حقوق المواطنة الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يعني التحول من المواطن إلى الزبون… فـأولئك الذين يمكنهم شراء السلع والخدمات (بما في ذلك التعليم، والرعاية الطبية، والمسكن… الخ) هم “أحرار ومتساوون” في أن يختاروا من بين ما يقدمه السوق، بينما هؤلاء الذي لا يمكنهم، نظرا لفقرهم، شراء حقوقهم من السوق، فهم أيضا “أحرار” حتى وإن كانت حريتهم تعني الخروج من الحياة أو البقاء في نكد هامشها ودفع الناس للبحث عن البقاء على أساس فردي… بالهجرة أو التحايل، والضرب بيد من حديد على التحركات العمالية المطالبة بالحقوق. المستثمرون لهم مطلق الحرية في التعيين والفصل وشراء وبيع ما يريدونه، لكن الجماهير ليست حرة ولا مستقلة للبحث والحصول على مصالحها بصورة جماعية. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن العمال في تعريفنا ليس فقط ذوو الياقات الزرقاء أو العاملين في المصانع، بل كل من يبيع جهده مقابل حد أدنى من الأجر. وإسكات الأغلبية الاجتماعية تضاعف بسبب الخطاب الثقافي الذي تتبناه الليبرالية والذي يؤكد على أنّ الإنجاز المادي هو نتيجة جهود ونجاحات فردية مستقلة عن أية أوضاع بنيوية.

التغيير في النخبة الحاكمة، ليس فقط من خلال انحيازها الذي لم يسبق له مثيل إلى جانب الرأسماليين، بل التحول إلى ما يسمى مبدأ تقديس التكنوقراطية والتكنوقراطيين. إن طريقة عمل المنظور التكنوقراطي الليبرالي هو عزل صنع القرار، حيث تصبح عملية صنع السياسات تخص فقط التكنوقراطيين والخبراء، مع إبعادها أكثر فأكثر عن مختلف قطاعات المجتمع، باعتبارهم ممثلين لمصالح “جزئية” ! هذا المنهج يؤدي بالتعريف إلى استبعاد الفئات الأقل قوة من توجيه السياسة العامة لصالحها. الليبراليون الجدد… يشكّون في الديمقراطية إلى حد بعيد… فالحكم بواسطة الأغلبية يعد تهديدا محتملا لحقوق الفرد.

يقتصر التغيير عندهم إلى الانتقال من بيروقراطيي الدولة إلى التكنوقراطين كواجهة أساسية لصنع السياسة، والأهم من ذلك أن قضايا مثل الفقر والتعليم والسياسة الاجتماعية والاستراتيجية الاقتصادية تصبح مجرد مسائل فنية تتطلب تغييرات/إصلاحات إدارية أو تقنية محدودة، ولا تعتبر قضايا سياسية عميقة تتطلب إجراء تغييرات جذرية وهيكلية. منطق الليبرالية الجديدة هو إلغاء تسييس الأمور التي هي بالتعريف مسائل تتعلق بالسلطة وبتوزيع الموارد في المجتمع، واختزالها إلى مشاكل فنية.

هذه الفئة التكنوقراطية الشريرة ما هي المؤهلات والخبرة السياسية التي تمتلكها ؟ كل شخص من “الكبار” يحيط نفسه بمجموعة من المستشارين والمساعدين الذين هم أساسا تكنوقراطيين صغار، معظمهم ذوو تعليم هشّ وغير مسيّسين، أو تعليم أجنبي غالبا ما يكون في جامعات أقصى اليمين، ولديهم خبرة في مجال فني محدود جدا، ومنفصلون تماما عن الجماهير/غالبية المجتمع نتيجة اختلاف التعليم والمكانة الاجتماعية ونمط الحياة والرواتب الخيالية، وتلقيهم تدريبا أيديولوجيا تكنوقراطيا محدودا يميلون إلى اعتباره قمة التعليم الأكاديمي!

المدافعون عن النموذج الليبرالي الجديد طرحوا التغييرات التي أتوا بها كعقيدة دينية وليس كأيديولوجيا كما هو الأمر في الحقيقة، وبشّروا بها أيضا باعتبارها تغييرات “محايدة طبقيا”، بيد أن التوجهات الاقتصادية الليبرالية وأسسها الفلسفية والسياسية، لم تثبت أبدا أنها محايدة طبقيا (والحياد الطبقي في السياسات الاجتماعية أصلا فكرة وهمية)، بل الحقيقة أنّ تغييراتهم أكثر انحيازا لمصالح الرأسماليين.

هل يمكن بعد الثورة إصلاح النموذج الليبرالي من الداخل ؟ الجواب هو لا. الليبرالية الجديدة وما تنطوي عليه من تحيز طبقي وفهم مختزل للإنسان وظروفه ولدور الدولة، وما يترتب على ذلك من آثار على كل جانب من جوانب حياتنا، لا يمكن إصلاحها لتصبح “أكثر إنسانية”… وسقوط الليبرالية الجديدة لن يكون تلقائيا، برغم الأزمات المالية والبنيوية المتلاحقة، أو أنها ستستبدل بنموذج ليبرالي ـ ديني يكون أقل قسوة، بل بالجهاد الأهلي من الذين تضرروا ويتضرّرون بسببها، أي من جانب غالبية السكان وشوارعهم الغاضبة.

لنبدأ بفضح الليبرالية الجديدة / الاختزالية التكنوقراطية وإعادة تسييس السياسة، أي تفسير المظاهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على حقيقتها، أي كانعكاسات لتوزيع السلطة وعلاقات القوة في المجتمع، فالمطلوب هو إعادة التأكيد على العلاقات السببية الهيكلية المشتملة على إنتاج وقسمة واستخدام الموارد وتركيز أو توزيع السلطة.

وثانيا إذا كنا جادين بشأن استبدال الليبرالية الجديدة، يجب علينا أن نكون قادرين على توفير رؤية بديلة وفهم آخر للنظام العالمي، والرؤية لا ينبغي أن تقوم على قراءة إيديولوجية لتراثنا أو لتراث غيرنا، ولكن على فهم حي للقرآن ولعالمنا المعاصر.
وثالثا تفهّم بعد استنفاذ نموذج الدولة التنموية، أنّ الرأسمالية التي أنتجت النموذج “الكينزي” الأكثر اعتدالا أو نموذج الليبرالية الجديدة الأكثر قسوة، عرضة للأزمات بطبيعتها… ورؤية أنّ وراء صورة الكينزية (اليسارية!) للرأسمالية أو الليبرالية الجديدة (اليمينية) تكمن حقيقة أنّ الرأسمالية ذاتها معطوبة ولا تحقق مصالح الناس، وأن النضال ضدها، سعيا إلى عالم أكثر إنسانية هو حقّ وواجب إسلامي، والبحث الإنساني المشروع عن تنظيم اجتماعي يقوم على أساس التعاون الاختياري الحر بين أفراد المجتمع لتلبية احتياجاتهم المشتركة. إنّ الانتصارات والهزائم، التقدم والتراجع، التجارب والأفكار، هو ما يلخص جوهر الحياة الإنسانية. وشعبنا اليوم بعد ثورته العظيمة لإعلاء قيمة الحرية الانسانية ورفضه للسلطة القمعية كمصدر لأكثر الشرور، وخروجه للشوارع ضدّ قهر الإنسان واستغلاله وإفساده وتشويهه، مطالب أوّلا بالعمل على توفير احتياجاته المختلفة عبر الإنتاج وتطوير قدراته الإنتاجية، وثانيا بتحرّر الإعلام وترشيده فاحتكار النخب الحاكمة للمعلومات من أهمّ الوسائل التي تتيح لها الاستمرار في احتكار السلطة لصالح الإقطاعيين والرأسماليين والتكنوقراط والذين هم في جوهرهم مجموعات من قطّاع الطرق.

المجتمع المنقسم على نفسه نتيجة احتكار الأقلية للسلطة ومصادرها، والتكالب على الثروة والخوف عليها والرغبة فى زيادتها من جانب، والحرمان منها حدّ القهر من جانب آخر، يشوّه كلا الطرفين المالك والمحروم، ويطلق كل الشرور والجرائم الإنسانية والآثام التى تدور فى غالبها بهدف الحصول على الثروة، والحقيقـة العارية تقول بأنّ أبناء آدم وحواء وبعد حوالي ثمانية ألف عام من الخروج من الغابة، ومن ثم التمدن والتحضر، ما زالوا يعيشون وفق قوانين الغابة، وإن وقع تهذيبها شكلا بالديمقراطية الليبرالية، وما زالت العلاقات البشرية هى بين وحوش تملك القوة وفرائس لا تملك، إلا مَن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا وسعى إلى العدل والموفون بعهدهم إذا عاهدوا.

تقول هبة رؤوف عزت ” أتجول بين القارات.. وأقابل بشرًا من ألوان وثقافات شتى، لكني أرى وراء أستار الثقافة وجدران التمايز الإنسانية المشتركة، وأستشعرها.. وأحسها. في تركيا قابلت ناشطًا يساريًّا في مؤتمر الشرق.. اجتمع فيه إسلاميون وقوميون ويساريون، جلس بيننا أخ تركي يتحدث العربية وأخذ يترجم، فهمت الكلام لكن ما لفتني هي العاطفة.. كانت تتدفق لتعبر حاجز اللغة بسلاسة حتى شعرت أنني فهمت بدون أحرف أو كلمات صدقه ومناصرته لأهل العراق.. وفلسطين. وفي لقاء آخر جمع أصحاب الأديان من ثقافات شتى ألقى فيه كل واحد كلمة أو ردد أمام الجمع صلاة ودعاء كان أكثر ما هزني صلاة زعيم من الهنود الحمر، كان ضخم الحجم لافت الملامح، كأنما الوجه منحوت، وقف وبدأ في الصلاة، بدأ يناجي، ثم أخذ يسبح الله بصوت جهوري كأنما يقف فوق جبل يريد أن يصل صوته للأرجاء ويهز الحجر. هذا نداء الإنسان لربه.. وتلك حكمة الله في التنوع “.

الانخراط في نضالات مشروعة من أجل الحق والعدل لا يجب أن ينسينا قيم العفو والبناء والعطاء… والصراع الذي نخوضه بشجاعة لا يجب أن ينسينا أن غايتنا هي السلام، واختلاف الرأي والمذهب لا يجب أن ينسينا مكارم الأخلاق وأدب الكلمة الطيبة وفن القول الليّن، ومهارات “التي هي أحسن”.