بقلم وليد العربي، مساعد في القانون العام بجامعة قرطاج،

1- تشهد تونس منذ 14 جانفي 2011، مخاضا عسيرا حيث طفت على السطح عديد الخلافات و حتى التناقضات بين تيارات فكرية و ثقافية و قانونية متعددة. و عادت الخصومات القديمة بين الحداثيين العلمانيين من جهة و الإسلاميين المحافظين من جهة أخرى لتبرز من جديد. و كالعادة كانت وضعية المرأة و مجلة الأحوال الشخصيّة من أهمّ محاور هذه الخصومة. و قد بلغت النازلة ذروتها يوم 8 مارس 2011 حين دعت الجمعيّة التونسيّة للنساء الديمقراطيات بكل صراحة ووضوح إلى إرساء قاعدة المساواة في الإرث بين الذكر و الأنثى كما طالبت الجمعيّة بإصلاح مجلة الأحوال الشخصيّة و ذلك بإلغاء مؤسسة المهر و بنسخ القاعدة التي مفادها أن الزوج هو ربّ العائلة و لم يتأخر ردّ التيارات الإسلامية المحافظة التي استنكرت هذه المطالب و اعتبرتها مجحفة في حق التراث العربي الإسلامي للبلاد مشدّدة بالخصوص على أن مسألة الإرث قد ترسخت في وجدان كلّ مسلم [2].

2- و في الحقيقة فإن هذه المجادلات ليست بجديدة فقد عرفتها تونس في ثلاثينات القرن العشرين حين أصدر الطاهر الحداد كتابه ” إمرأتنا في الشريعة و المجتمع”[3] فكانت ردة فعل علماء الزيتونة عنيفة معتبرين أقوال الحداد ضلالة. ثم تكرر نفس المشهد سنة 1956 حين تم إصدار مجلة الأحوال الشخصيّة إذ أنكرها عديد العلماء معتبرين إياها خروجا عن الشرع [4].

ثم عاد الخلاف ليبرز من جديد سنة 1988 غداة تقلّد رئيس الدولة السابق مقاليد الأمور حيث أصدرت مجموعة من الإسلاميين و المحافظين بيان 28 فيفري 1988 الذي طالبوا فيه الرئيس الجديد آنذاك بتأصيل البلاد في محيطها العربي الإسلامي و بترسيخ معالم هويّتها. فأجابهم العلمانيون و الحداثيون ببيان مضاد يوم 20 مارس 1988 أعلنوا فيه تمسّكهم بقيم و مبادئ الحداثة [5]. و أخيرا وصلنا إلى المواجهة التي تعرفها الساحة السياسية و الثقافية هذه الأيام. و كلّ هذا يدلّ على أنّ هذه المعارك دوريّة فهي تخفت لفترات طويلة ثم تتأجج كلّما وقع حدث سياسي هام في البلاد: استقلال، تغيير في أعلى هرم السلطة، ثورة…

3- أيام قليلة بعد الثورة طالبت بعض التيارات الإسلامية بتطبيق الشريعة و بإقامة دولة الخلافة. و عرّفت هذه التيارات الديمقراطية بأنها نمط عيش اجتماعي يتداول فيه الشعب حول القوانين ويسّنها. وهو تعريف سليم. كما نسبت هذه التيارات الديمقراطية إلى الفيلسوف روسو وإلى الثورة الفرنسية لسنة 1789. ثمّ قالت إن هدف السياسة هو السهر على مصالح الناس وتحقيق سعادتهم. أما مرجعيّة هذه الحركة فهي الشرع الإسلامي نافية ضمنيّا مفهوم سيادة الشعب وحقّه في اختيار القوانين التي تسود البلاد وذلك مع تأكيدها على أن الناس ليسوا قطعانا تساق لأن ما يميّز الإنسان على حدّ تعبيرها، هو قدرته على التفكير. كما قال بعض ممثلي الحركة إنه من حقهم أن يبرهنوا على فساد المنظومة الديمقراطية وفشلها في تحقيق السعادة المنشودة. وأخيرا عبّرت الحركة عن حقّها في طرح البديل وهو نظام الخلافة.

4- و سنحاول في هذا المقال طرح بعض الإشكاليات المتعلقة بالشرع ثم إبداء بعض الملاحظات المتصلة بمؤسسة الخلافة.

I – إشكاليات متعلقة بالشرع

5- و لدى الإطلاع على ما تفضّلت به هذه الحركة، خامرت ذهني عديد التساؤلات وأوّلها ما المقصود بالشرع الذي يطالبون بتطبيقه؟ فالإسلام متعدّد والشرع الإسلامي هو في الحقيقة شرائع، حيث يوجد شرع الله ويوجد شرع الفقهاء القدامى وتوجد اليوم تأويلات جديدة وحديثة للقرآن والسنّة [6]. سنحاول، في البداية ، تعريف الشريعة في جانبها المتعلّق بالمعاملات أي بما نسميه اليوم قانونا .”إنّ الشريعة أو الفقه ، أي القانون الإسلامي الكلاسيكي عبارة عن مدونة من القواعد القانونية المتعدّدة تعددا يعسر حصره تتصل بجميع مشاكل الحياة في المجتمع . وقد ساهم في بلورة هذا الصرح القانوني مئات المؤلّفين ، فجاء مضمنّا في آلاف الكتب الباحثة في مختلف فروع القانون ، فهناك القانون الجنائي والأحوال الشخصية والقانون العقاري .وهناك أيضا ما يمكن تسميته اليوم بالقانون المدني ( العقود والإلتزامات) والنزاعات الإدارية،(المظالم)…” [7] . فالشريعة ، هي ، إذن، عمل بشري ، هي الفقه ، وإن تمّ إستنباط أحكامها من القرآن والسنّة ، أحيانا في تناقض معهما ، ربما لغموض قواعد القرآن المتصلة بعديد المسائل ذات الطبيعة القانونية .

وهنا أسوق مثالا يتعلق بالحدود أي بالعقوبات البدنية المنصوص عليها بالقرآن. فتطبيقية هذه العقوبات على المخالفين لبعض القواعد، تبدو مسألة صعبة ومعقدة في القرآن نفسه. وهي خاضعة لشروط غير يسيرة لعلّ أهمّها هو شرط عدم التوبة قبل تطبيق العقوبة أو قبل اكتشاف الفعلة أو إثر اكتشاف الفعلة ولكن قبل التمكّن من “الجاني”… وإذا علمنا أن التوبة هي حركة تصدر عن الضمير تتمثل في إقرار الجاني بارتكاب إثم وندمه على ذلك، فإنه يصبح من شبه المستحيل التثبت في توفرهذا الشرط قبل تطبيق العقوبة وهذا يخصّ جرم السرقة [8] وجرم الحرابة [9] وجرم قذف المحصنات [10] وفي كل هذه الحالات فإنّ ما يعاقب هو ليس الفعلة في حدّ ذاتها بل عدم الشعور بإقتراف خطإ أي غياب التوبة. أمّا في جريمة الزنا فإنّ ما يتسلط عليه العقاب هو التجاهر بالفحش دون أن يطال هذا العقاب إتيان الفعلة ذاتها وإن كان القرآن يعدّ الزنا فاحشة وينهى المؤمنين عن الإقتراب منه [11].ثم ماهي قائمة الحدود أو الأفعال المجرّمة؟ فهل سيطبّق مثلا حدّ شرب الخمر؟ في القرآن لا توجد أيّ عقوبة دنيويّة لشارب الخمر أما حدّ شرب الخمر فقد وضعه عمر ابن الخطاب وزاد في تشديد العقوبة علي ابن أبي طالب وتتمثل هذه العقوبة في ثمانين جلدة. وهل قتل النفس يخضع لحد يحمي حق الله؟ من الواضح في القرآن أن قتل النفس يخضع فقط للقصاص الذي يحمي حق العبد ويمكن شراء هذا الحق بواسطة الديّة التي تدفع لوليّ القتيل أي ولي الدم ، ويبدو العفو أفضل من القصاص [12]. ثم ما هو حدّ الزنا؟ في القرآن، العقوبة هي مائة جلدة للزاني ومائة جلدة للزانية. أما الفقهاء فقد استقرّ رأيهم على أن العقوبة هي الرجم حتى الموت [13] وفي ذلك خروج واضح عن نصّ الآية 2 من سورة النور [14].. نلاحظ ،إذن،أن مسألة الحدود مسألة صعبة ودقيقة وأن الفقهاء القدامى حادوا في تأويلهم للقرآن، عن القرآن نفسه. وبإمكاني أن أضرب العديد من الأمثلة، من مختلف المواد الفقهية كالأحوال الشخصية وغيرها، عن الصعوبات التي يطرحها القرآن وعن سوء تأويل الفقهاء له.

ففي مسألة المواريث مثلا اعتبروا أن الآية 180 من سورة البقرة التي تتيح للمؤمن إمكانية ترك وصيّة يوزع بمقتضاها أمواله على أقاربه قد نسخت بمقتضى الآيات الواردة في سورة النساء و الحال انه لا يوجد تعارض واضح بين النصين [15]، فالنسخ الضمني لحكم سابق بواسطة حكم لاحق لايقع إلاّ متى إستحال تطبيق الحكمين في نفس الوقت . وفي هذا الإطار، يمكن إعتبار أحكام المواريث الواردة في سورة النساء من قبيل ما نسمّيه اليوم بالقواعد المتمّمة للإرادة التي لاتنطبق إلاّ في سورة عدم التعبيرعن إرادة مخالفة لما تقتضيه [16] و هي تحديدا الإمكانية التي أتاحتها للمؤمن الآية 180 من سورة البقرة .

6- ثم من جهة أخرى، يمكن التأكيد بأن الآيات القرآنية والأحاديث “ذات الصبغة القانونية” قليلة العدد ولا تسمح بالتالي بإقامة نظام قانوني يحتوي على تفاصيل دقيقة تهمّ الحياة الاجتماعية بأكملها. ففي القرآن لا نجد سوى ثلاثة أو أربعة مبادئ عامة جدا تتعلق بما نسميه اليوم “المادة الدستورية” أي القواعد المتصلة بتنظيم الحكم والتداول عليه وممارسته. وهذه المبادئ هي واجب العدل وواجب الشورى المحمولان على الراعي أو الخليفة أو الحاكم وواجب الطاعة المحمول على الرعيّة [17]. وهي مبادئ عامة جدا وفضفاضة وغامضة أي “حمالة أوجه”، يمكن تأويلها في كل الاتجاهات. ولكن القرآن لا ينصّ على آليات وقواعد دقيقة تتعلق بتنظيم الحكم. ثم ماذا يقول الشرع في خصوص قواعد السير في الطرقات؟ أعلم أنه يوجد حديث يتعلق بآداب الطريق غير أنّ هذا الحديث لا يعدو أن يكون سوى توجيهات ذات طابع أخلاقي ولكنه لا ينظم مثلا مسائل الأولوية والمجاوزة والسرعة… وهو بالخصوص لا ينصّ على العقوبة المستوجبة في صورة مخالفة تلك التوجيهات…

7- وأمام هذا النقص في القواعد القانونية في القرآن وأمام غموض بعضها [18]، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: من سيتولى تأويل القواعد الغامضة ومن سيتولى استنباط الأحكام في المواد التي يسميها الفقهاء “منطقة العفو” أي المنطقة التي لم يضع لها الشارع قواعد ؟ أهم العلماء الذين سيتولّون القيام بهذه المهمّة ؟ إن كان ذلك، فبأي وجه حقّ ؟ لأن “ما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، يقولون آمنّا به كل من عند ربنا” [19]. إذن فدور العلماء ليس تأويل القرآن بل التصديق والإيمان بالتأويل الذي لا يعلمه إلّا الله، والمسألة غامضة كما نرى وحتى الآية التي تقول: “اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” [20]. فإنّها قد لا تفيد قطعا منح العلماء دورا في عملية تأويل القرآن. فقد وردت هذه الآية في سياق ردّ الله “على من أنكر بعثة الرسل من البشر” ومفادها: اِسألوا من يعلم من الأمم والطوائف التي سبقتكم هل أن الرسل كانوا بشرا أم كانوا ملائكة [21]. أمّا إذا أخرجنا هذه الآية من سياقها وتناولناها في معنى كلامها الظاهر فإنها قد تكون آية تؤسس لمبدأ تقسيم العمل داخل المجتمع وتجعل لكل صناعة مختصّين يعلمون دقائقها. أمّا الدين فهو شأن كل المسلمين وبالتالي فإنه لا يخضع لمبدأ التخصّص خاصة أنه “لا رهبانية في الإسلام”. وقد تفيد الآية أيضا أن أهل الذكر هم أهل القرآن أي حفظة القرآن. فالقرآن كلام و كتاب [22] فهو كلام الله وهو كتاب مقدس و هو ذكر وبهذا المعنى الأخير يكون نابعا عن المؤمن لأنه يذكر و في الذكر تذكّر ثمّ ترديد و تلاوة أي أنّ التلاوة مرتبطة أولا بالتذكر أي بالحفظ في الذاكرة. و معنى الآية يكون حينئذ: اسألوا حفظة القرآن إن كنتم لا تعلمون منطوقة لكي لا تخطئوا عند قراءته.

وإذا سلّمنا بأنّ العلماء هم من سيتولى عملية تأويل النصّ المقدس واستنباط الأحكام، فوفق أي منهجيّة سيقومون بذلك؟ أوفقا لمنهج الشرح على المتون أم طبقا لمنهج التأويل الباطني المقاصدي أومنهج التأويل الظاهري ؟ وما الذي يعطي وجاهة لأحد هذه المناهج دون غيرها ؟ وأيّ دور للعقل ولقوانين الطبيعة ؟ هل سيكون العقل مجرد شاهد على الدين [23] كما ذهب إلى ذلك الإمام الغزالي أم سيكون له دور مبدع وخلاق؟

8- كما يحق التساؤل عن أصول الفقه أو الشرع أي ما نسميه اليوم مصادر القانون. فلنسلّم جدلا بأنّ القرآن كتاب تشريع و بأنّ السنّة كأصل تستند إلى القرآن نفسه و لكن ماذا عن الإجماع و القياس المعتمدين كأصلين للفقه في أغلب المذاهب السنيّة؟ فبأيّ وجه حق اعتمدوا إجماع علماء الأمة كأصل للفقه؟و بأي وجه حق أعتبر ” إجماع أهل عصر حجة على من بعدهم”؟ صحيح أن النبي قال ” لا تجتمع أمّتي على ضلالة أبدا” و لكنه لم يقل إنها ستجتمع حتما لا على الحق و لا حتى على الصواب. ثم لماذا اختزلت الأمّة في علمائها؟ [24]

أمّا القياس فانه مصدر قابل للطعن. يقول الله:” اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا ” [25]. فإذا كان الدين أو على الأقل الجانب التشريعي منه قد اكتمل مع نهاية الوحي فهذا يعني انه لا مجال للقياس لاستنباط أحكام جديدة أو لتطبيق الأحكام الموجودة بعد على وقائع مستجدة، وهذا ما قد يؤول إلى تمطيط القاعدة وإلى توسيع النصّ إلى ما لا نهاية على حد تعبير ابن حزم الأندلسي.

9- وقد لعب علم أصول الفقه دورا في إضفاء القداسة على أحكام الفقه وذلك “بربط هذه الأحكام بمصادرها الشرعية” فنزع عنها صفتها البشرية المدنسة. “فقد ساد الاعتقاد بأن الفقه رباعيّ المصدر وهو اِعتقاد مبني على ما أفرزه علم أصول الفقه من ترتيب تفاضلي لمصادر الأحكام الفقهية وهو ما يناسب الدور التبريري الذي لعبه هذا العلم غير أنّ الحقيقة التاريخية تبيّن بجلاء لا سبيل فيه إلى الشك أنّ الفقهاء لم يهتمّوا بربط الأحكام بالأدلّة الشرعية فكان علم الفقه مقتصرا على النظر في الأحكام فحسب، فلقد اقتصر اهتمامهم على البحث في فحوى الأحكام ومضمون القواعد فلقد حدّد الفقهاء أحكام الحلال والحرام والمندوب والمكروه والمباح… ولكنهم حرصوا دائما على اِعتبارها أحكاما شرعية إلاهية لا قوانين وضعية بشرية على أساس أنها مستنبطة من النصوص الدينية وأنه لا مشرّع سوى الله” [26]. وقد نعتبر علم أصول الفقه علما إبداعيا منهجيا [27] إلا أنّ إغراقه في المنحى المنهجي قضى على الإبداع في الفقه.

10- ومع أن “لا رهبانية في الإسلام”، فقد نشأت تاريخيا في المجتمع الإسلامي، طبقة العلماء وهي طبقة من وجوه القوم، تولّت بالخصوص الفقه والقضاء واستأثرت بهما [28] رغم أنها لم تكن رهبانية بأتمّ معنى الكلمة أي أنها لم تنقطع عن الحياة الدنيا. فهل سنشهد، اليوم، في تونس ظهور هذه الطبقة من جديد ؟ وهل ستستبدّ بالحقيقة الدينيّة لاستئثارها بالعلم ؟ إن مسألة التشريع هي ليست مسألة تقنية بحتة بل هي أيضا مسألة اختيارات اجتماعية تكون محل نقاش وحوار وتداول بين الناس.

11- ومن جهة ثالثة، يمكن الإقرار بأن الشرع كما ورثناه عن السلف أو التراث الفقهي لم يعرف أبدا وبالتالي لم يضمن يوما الحريات. ولا أقصد هنا بالحريات، جمع الحرية في معناها الفلسفي. ففي هذا الباب الأخير، قد تكون للإسلام رؤية لمفهوم الحرية. فإسلام الأمر لله وخضوع المؤمن لمشيئته والعبودية له، قد يكون شكلا من أشكال التحرّر. ففي العبودية لله، تحرّر من العبودية للعباد وللحكام. ولكن، في المقابل أقصد بالحريات مجموع الصلاحيات المخولة للفرد وهي الحرية في بعدها السوسيولوجي والسياسي والقانوني والتي نفاها الفقه [29]. فالأصل في الأمور، بالنسبة للعلماء ، ليس الإباحة لأن كل أعمال المؤمن قابلة للإدراج في أحد الأصناف الفقهية وهي الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام [30] ، وبالتالي فإنّ الإباحة هي مجرد صنف فقهي من بين خمسة أصناف ولا تمثل أصل الأمور .وقد أنكر الشرع حرية المعتقد بإقراره، سواء عن صواب أو عن خطأ والأرجح عن خطأ، حدّ الردّة. وقد استند الفقهاء لإقرار حدّ الردة إلى حديث أحاد مخالفين بذلك آية [31] صريحة لا تقرّر عقوبة دنيوية للمرتدّ عن الدين. وهذا ما جعل بعض الفقهاء المعاصرين على غرار الشيخ يوسف القرضاوي يلجؤون إلى مفاهيم حديثة كمفهوم النظام العام ومفهوم الخيانة العظمى لتأسيس حكم حدّ الردة ويقومون بتمييزات صعبة ودقيقة كالتفريق بين الردة الفردية والردة الجماعية التي غايتها الفتنة [32].

كما أنكر الفقه حرية المعتقد بإقراره واجب الجهاد وباعتباره أن الآيات التي تضمن حرية المعتقد قد نسخت بمقتضى الآيات التي تحرّض المؤمنين على الجهاد [33] وذلك مع أنه لا يوجد تعارض صريح بين مجموعتي الآيات فالحرية الدينية يمكن أن تبقى قائمة أمّا الجهاد الذي أمر به الله المؤمنين فهو جهاد دفاعي وبالتالي فإن الغاية منه ليست حمل غير المؤمنين على الخضوع قسرا للإسلام [34] ولكن الفقه رأى خلاف ذلك. وهذا أمر محل نظر. وبنفيه حرية المعتقد وهي أهم الحريات باعتبارها تهمّ الضمير، فإن الفقه لم يعرف بقية الحريات كحرية التعبير والتنظم والاجتماع…

ومن جهة أخرى يمكن القول إنّ بنية القاعدة الفقهية هي بنية وقائعية قائمة على النوازل أي على الحالات الواقعية [35] وهي بالتالي ليست قاعدة مجردة . ومن هذا المنطلق ونظرا لغياب التجريد في الأحكام الفقهية ، فإنه لايمكنها أن تتضمن المساواة بين الأفراد .

وبذلك نفى الفقه المساواة بين المسلمين وغير المسلمين وذلك بإقرار “عقد الذمة” الذي يخصّ أهل الكتاب من نصارى ويهود ويخضعهم لشرائعهم ولمحاكمهم الخاصة بهم ويمنع رجالهم من التزوج من المسلمات ويمنعهم كذلك من الوصول إلى سدّة الحكم في “بلاد المسلمين”. ولم يكن كل هذا وغيره محل تنصيص قرآني صريح بل كان نتيجة توازنات عددية وعسكرية بين المسلمين وغير المسلمين، أي نتاج القوة الخالصة.

وقد أنكر الفقه كذلك المساواة بين البشر بإقراره تقسيمهم إلى أحراروحرائر من جهة وعبيد وإيماء من جهة أخرى وبإعتماده أحكاما منظمة لأحكام الرّقيق وهي أحكام موزعة على كامل مواد الشرع [36]. ويرجع أصل عدم إلغاء الرق من قبل الفقهاء إلى أن القرآن كان قد كرسه وإن شجع على عتق الرقاب ، إلاّ أنّ العلماء لم ينتبهوا إلى مقصد القرآن من ذلك .

كما أنكر الفقه المساواة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة معتبرا أن الرجل أفضل وأرفع منزلة من المرأة.وقد رتّب العلماء على ذلك نظاما قانونيا خاصا يكرس تفوق الرجل سواء في مستوى الشهادة أو المواريث أو واجب الطاعة المحمول على الزوجة … [37] ولم يحدثنا الفقهاء سوى عن واجب إنصاف محمول على الرجل تجاه المرأة… وكل هذه الاعتبارات هي اليوم محل نظر ومساءلة…

يمكن تفسير إنكار الفقه لمفهومي الحرية والمساواة إلى أنّ الفكر الإسلامي التقليدي “لم ينظر(…) إلى مفهوم الحق على أساس المشاهدة والتجربة أو على أساس النظرة التقريرية التي تعتمد الواقع المعيش . كل ما هو معلوم هو التمييز بين حقوق الله وحقوق العباد فالأولى أمره ونهيه والثانية مصالح العبد التي يمنحها له الشارع فالحق هو الحظ أو النصيب (…) فحقوق العباد هي منبات ممنوحة يمكن سحبها من بعد منحها فلا يتمتع بها الفرد بالطبع وإنما تأسيسا على الإرادة وهي هنا الإرادة الإلهية . وهي حقوق خارجة عن ذات الإنسان غير ملاصقة لها ولاهي ملازمة لها بالضرورة “. [38]

12- كثيرا ما يذكر المحافظون والإسلاميون لتبرير وجوب إقامة الشرع ، الآيات 44 و45 و47 من سورة المائدة والتي تتشابه خواتمها، فهي تتمحور حول قاعدة مفادها أنّ من يحكم بغير ما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون أو الظالمون أو الفاسقون . ويبدو تفسير هذه الآيات أمرا عسيرا بعض الشيء . فقد وردت في سياق لجووء اليهود إلى النبيّ محمّد للتحكيم فيما شجر بينهم، فأعطى الله لنبيه في الآية 42 من نفس السورة، إمكان التحكيم بينهم أو الإعراض عن ذلك وهذا يعني أنّ التحكيم أو الحكم ليس أمرا واجبا بل أمر عرضي لا يدخل في أساسيات النبوّة . ثم يقول الله إنه أنزل التوراة على اليهود ويقول إنّ فيها هدى ونورا للمؤمنين وهو جوهر التوراة وأيضا الإنجيل كما جاء في الآية 46 من سورة المائدة ،وكذا الأمر بالنسبة للقرآن . ورغم أن هذه الآيات نزلت في أهل الكتاب وتحديدا في اليهود فقد ذهب شقّ من المفسرين القدامى إلى أنها واجبة على المسلمين [39]، وهذا قياس غير مفهوم وتوسيع غير مبرر، في نطاق القاعدة .

ثم يستعرض الله ، في الآية 45 من نفس السورة محتوى القواعد ذات الصبغة القانونية الواردة في التوراة ، وجوهرها القصاص أي مبدأ “النفس بالنفس والعين بالعين ” أو الكفارة أو إمكانية غرم الضرر. وفي القصاص ، كما رأينا ، حماية لحقوق العباد لا لحقوق الله .

إذن ، يمكن أن نخلص أولا إلى أن هذه الآيات تضع أسس مبدأ شخصية القوانين، وثانيا إلى أنّ التحكيم وما يتضمنه من تطبيق للأحكام الإلهية ليس أمرا واجبا ، وثالثا إلى أن أحكام التوراة التي من لايحكم بها يعدّ كافرا أو ظالما أو فاسقا، تتمحور حول القصاص وما يحتويه من إمكان العفو وهي أحكام وردت كذلك في القرآن كما أسلفنا . وبالتالي لا يمكن أن تشكّل هذه الآيات أساسا لوجوب تطبيق الشرع وهو نفس الإستنتاج الذي يمكن أن نسوقه في خصوص مؤسسة الخلافة.

II – ملاحظات متصلة بمؤسسة الخلافة

13- ينكر الإسلاميون على الديمقراطية فساد أصلها وفشلها في تحقيق السعادة المنشودة وهذا إدعاء مشروع ولكن وكما أنه للحركات الإسلامية الداعية لإقامة الخلافة الحق في البرهنة على صحة قولها والدفاع عن أفكارها، فإنه لمخالفيهم الحق في البرهنة على فساد منظومة الخلافة وتسببها في تأخّر المسلمين عن الزمن بل وخروجهم من التاريخ.

14- وأوّل ما يمكن ملاحظته هو أنّه لم ترد في القرآن نظرية سياسية متكاملة فمبادئ العدل والشورى وواجب الطاعة [40] غير كافية لإقامة دولة بل على العكس من ذلك تماما، يمكن الجزم بأنّ الله لم يأمر المسلمين بإنشاء دولة. كما أنّه لم يثبت بصفة قطعية أن النبيّ قد سعى إلى تأسيس دولة إبّان الهجرة إلى المدينة. فقيامه بأعمال عسكرية سواء كانت غزوات قادها بنفسه أو سريات أرسل فيها أصحابه، أو انتصابه للتحكيم بين الناس…[41]، لا يفيد ضرورة نية تأسيس دولة. وذلك بالإضافة إلى أن الأعمال الحربية التي قام بها النبيّ كانت دفاعية بحتة [42] ولم تكن هجومية لإقامة دولة. وقد لا نكون مخطئين حين نعتبر أنّ القرآن قد قصر مهمة النبيّ أساسا على التبليغ والدعوة والموعظة الحسنة [43] أي أنّه جعله رسولا، لا رئيس دولة. ولعلّ أبلغ ما في القرآن في هذا المعنى هما الآيتان 21 و 22 من سورة الغاشية واللتان يقول الله فيهما: ” فذكّر إنّما أنت مذكّر لست عليهم بمصيطر”ولكنّ عددا من الفقهاء القدامى اِعتبروا هذين الآيتين منسوختين بالآيات الآمرة بالجهاد [44] وهو أمر لا يستقيم كما رأينا أعلاه أو بمقتضى حديث.

ولعلّ من أكثر الآيات التي ذكرت لتأصيل مفهوم الدولة في الإسلام وربما لتأسيس نظرية تيوقراطية قول الله: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم…”[45].فلادولة تفترض الطاعة لأنّ ” حقيقة الملك أنّه الإجتماع الضروري للبشر ومقتضاه التغلّب والقهر” [46] وتفسيرا لهذه الآية، يذكر الفقهاء والمفسّرون عددا من الأحاديث التي تتمحور عموما حول وجوب الطاعة في غير معصية الله وضرورة الصبر على جور الأمير وعلى أنّ خلع الطاعة في وجهه دون حق هو نوع من الجهل. كما يقول المفسّرون بأنّ المقصود بـ”أولي الأمر” هم أهل الفقه وأهل العلم [47] و يمكن مؤاخذة هذا التفسير من عدّة زوايا .

تذكّرنا الأحاديث التي أوردها المفسرون بما تلا الفتنة الكبرى من اِنخراط عديد علماء السنّة في منظومة دولة بني أميّة فقد حثّوا المؤمنين على الطاعة وعلى الصبر على ظلم الأمير حتى أصبح القول الشهير لدى أهل السنّة والجماعة هو: “إمام جائر ولا فتنة دائمة” [48]. ومن المحتمل جدّا أنّ فقهاء السنّة قد نحوا هذا المنحى عن حسن نيّة وذلك درءا لأسباب الفرقة والحرب وسفك الدماء فكرهوا الخروج عن الأمير وإن كان جائرا إلاّ في أقصى الحالات.

أمّا القول بأنّ “أولي الأمر” هم أهل الفقه والعلماء فهو قول لا سند له، فأولوا الأمرهم الذين تولّوا الأمر أي تقلّدوا زمام الأمور بالسيف، أي الأمير أو الحاكم… وأمّا الربط بين طاعة الله وطاعة أولي الأمر فهو أيضا قول لا يسلم من النقد إذ أنه يبدوجليّا أن الآية المذكورة تفصل بين طاعة الله من جهة وطاعة أولي الأمر من جهة ثانية فطاعة هؤلاء ليست من طاعة الله حيث تقول الآية “… أطيعوا الله وأطيعوا(…) أولي الأمر منكم ” فالطاعة بالنسبة للمؤمن إذن مزدوجة: طاعة الله كسلطة دينية وطاعة لأولي الأمر كسلطة دنيوية. وإن لم يكن الأمر كذلك لجاء في الآية: أطيعوا الله وأولي الأمر منكم. بيد أن الأمر يشكل فيما يخص الطاعة الواجبة للرسول فقد ربطته الآية بأولي الأمر ولم تربطه بالله. وهو أمر منطقي ، ففي علاقته بالله ، يكون نبيّا أمّا في علاقته بالمؤمنين فإنه يصبح رسولا. فلو كان الشارع يقصد وجوب الطاعة للرسول بوصفه سلطة دينية لربطه بالله ولقال: أطيعوا الله والنبيّ. أما وأنه قال: “..وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”فإنه قصد الرسول بصفته سلطة دنيوية. وبالفعل فقد كان الرسول إضافة إلى مهمّته الأساسية المتمثلة في تبليغ الرسالة، يمارس مهمّة قيادة جماعة المؤمنين أي الأمّة في الشؤون الدنيوية وهو أمر معقول جدا بالنسبة لنبيّ ورسول.

ثّم إنّ الآية المذكورة تتجه بالخطاب للمؤمنين وليس للناس جميعا. وقد توجّه القرآن في عديد المرّات بالخطاب للناس أجمعين “يا أيها الناس”. أمّا في هذه الآية فإن المؤمنين هم المخاطبون ويبدو أنهم مخاطبون بصفتهم تلك. وهنا يظهر إمكان تأويل ثان للآية: إنّ طاعة الله والرسول وأولي الأمر هي من عناصر الإيمان. وإذ كانت طاعة الله والرسول لا تثير إشكالا فإنّ الربط بين الإيمان وطاعة أولي الأمر هو الذي قد يطرح صعوبة. فالربط بينهما قد يرجعنا إلى التأويل الذي قدّمه المفسّرون والذي بيّنا حدوده فلا يبقى إذن إلاّ سبيل واحد وهو الآتي: إنّه على المؤمن بصفته تلك طاعة أولي الأمر وعليه طاعتهم بصفته مؤمنا قد اِكتمل الإيمان لديه، “يا أيها الذين آمنوا”أي يا من آمنتم بعد عليكم طاعة أولي الأمر منكم وعبارة “منكم” تفيد أن من على المؤمنين طاعتهم يجب أن يكونوا مؤمنين قد اِكتمل الإيمان لديهم لأنّهم من الجماعة المخاطبة وبالتالي فإنّ المؤمن يجب عليه طاعة المؤمن. وإذا تعلق الأمر بمؤمنين فإن ما يجمعهما هو الإيمان وموضوع الطاعة وجوهرها يكون إذن الأمور المتّصلة بالإيمان. ويكون معنى الآية حينئذ: أيها المؤمنون أطيعوا الله والرسول ومن تولىّ منكم أمور الإيمان أي العلماء في شؤون الدين وأمّا في شؤون الدنيا فأنتم أحرار.

ومهما يكن التأويل الأصح لهذه الآية ، سواء كان التأويل الأول أو الثاني الذي اقترحناه، فإنّ المهم هو أنها تؤسّس في نظرنا للفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه آنفا من أن القرآن لا يؤسس لنظرية سياسية أو لنظرية دولة.

إذن لم يؤسّس القرآن لنظرية دولة، بل يمكن أن نذهب إلى أبعد من هذا الاستنتاج لنؤكّد بأنّ الإسلام والدولة ينتميان إلى سجلّين وإلى ميدانين مختلفين، فالإسلام هو مجال القيم والأخلاق والمثل السامية أمّا الدولة فهي مجال الضرورة الطبيعية والحيوانية ووجودها يسبق زمنيا إرتقاء الإنسان إلى الفطرة بفضل ولوجه إلى المنظومة الإسلامية الفضلى عن طريق الوحي الإلهي. وهنا يمكن أن نخلص إلى أنّ عبارة “دولة إسلامية” تحمل تناقضا في ذاتها [49].

ولكن وللأسف، لم تشكّل كل هذه الاعتبارات النظرية حائلا دون ظهور مؤسسة سياسية في الواقع التاريخي الإسلامي وهي مؤسسة حكم اسمها الإمامة أو الخلافة.

15- يتفق العلماء والفقهاء والمؤرخون والقانونيون والباحثون عامة، على تعريف الخلافة بأنها “مؤسسة تسير شؤون الأمة بأكملها وذلك بغاية تحقيق خلاص المؤمنين في الآخرة وفي الدنيا وتسهر على رعاية شؤونهم الدنيوية والدينية وذلك بتطبيق مقتضيات الشرع” [50]. فهي إذن ” خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به ” [51]، وهي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الدنيويّة والأخرويّة الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى إعتبارها مصالح للآخرة ” [52].أمّا ما هو محل خلاف بين الدارسين فيتمثل في تحديد طبيعة الخلافة : هل نيابة عن الله أم عن رسوله [53]؟ ولكن بغضّ النظر عن هذه النقطة الأخيرة موضوع الخلاف، فإن ما هو محل إجماع يطرح عديد الإشكاليات.

16- أولى هذه الإشكاليات يتمثل في أن الهدف الأساسي من وجود مؤسسة الخلافة هو تطبيق الشريعة رغم كل المشاكل التي تطرحها هذه الشريعة والتي سبق أن عرضنا بعضها باقتضاب، وهذا تأكيد للبعد التيوقراطي للخلافة لأنّ الشريعة حسب العلماء والمتكلمين تجد أساسها ومصدرها في الإرادة الإلهية. ففي ضلّ عدم القول بالطبائع في الفكر الإسلامي التقليدي الغالب، لم يتسنّ تأسيس دولة الإسلام على الضرورة الطبيعية التي تعتبر أنّ الإنسان مضطرّ بحكم طبعه إلى العيش داخل مجتمع منتظم في دولة. ولكن في المقابل، أجمع الفلاسفة والعلماء المسلمون على إمكان تأسيس الدولة على الضرورة العقلية. ومقتضى هذا القول أنّ دور الدولة يتمثل في التصدي للظلم وفي منع الجور وفي فرض السلم والأمن الاجتماعيين. أمّا إقامة العدل فلا تتسنّى إلّا بتطبيق أحكام الشرع. وقد اِعتبر العلماء أنّ تطبيق هذه الأحكام والامتثال والخضوع إليها واجب دينيّ. كما قرّروا أنّ الوسيلة الناجعة لتطبيق أحكام الشرع هي دولة الخلافة ولذلك فإنّ أساس هذه المؤسسة يتمثل في ضرورة الامتثال للأمر الإلهي القاضي بتطبيق أحكام الشرع [54] وهكذا إذن، أصبحت مؤسسة الخلافة تستند إلى الأمر الإلهي إقامة الشرع المعبّر عن الإرادة الإلهية. أمّا شخص الخليفة فإنّه لم يحظ بالقداسة ولم يتمّ اعتبار اختياره تعبيرا عن إرادة الله. ولكن بالتثبت في طريقة اختيار الخليفة، يمكن أن نتبيّن أنّ العلماء قد اعتبروا بصفة ضمنية، أنّ انتخابه يعدّ ضرورة تعبيرا عن مشيئة الله.

إتّفق أغلب العلماء على أنّ الطريقة المثلى لارتقاء شخص إلى مرتبة الخليفة، تكمن في مبايعته من قبل الأمّة. والأمّة تختلف اختلافا جوهريا عن المجتمع والشعب فهي مفهوم ديني خالص، نشأت بإرادة الله الذي أخرجها للوجود، حيث يقول الله: “كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله” [55] فالأمّة هي إذن جماعة المؤمنين التي ارتضى لها الله الوجود وبالتالي فإنّها لا توجد بصفة مستقلة عن إرادة الله بل هي تعبير عن إرادته وتجسيد لها وهي مؤتمنة على السلطة الإلهية [56] وإذا كانت الأمة تعبيرا عن مشيئة الله وإذا كان انتخاب الخليفة يتم عن طريق مبايعة الأمة لأحد أعضائها، فإنّه يمكننا في النهاية أن نعتبر أنّ اختيار شخص الخليفة هو تعبير عن إرادة الله ولو تمّ هذا التعبير بصفة غير مباشرة أي بواسطة الأمّة. وهكذا إذن فإن البيعة ليست عملا منشئا بل هي مجرد إعلان وكشف للإرادة الإلهية [57]. وبالتالي يمكن القول إنّ الخليفة أو الإمام يتمتع بتفويض من قبل الله لمماَرسة سلطاته [58] باعتباره معينا منه.

وهذا الفكر الذي قام عليه منطق اختيار شخص الخليفة آل بالتفكير الإسلامي التقليدي الغالب إلى تبني مقولات النظرية التيوقراطية ولكن بصفة ضمنية أي دون التصريح بذلك. وهو منطق قابل للنقد من الناحية الدينية نفسها إذ لا شيء في القرآن يشير إلى أنّ اختيار الخليفة يجب أن يتمّ بواسطة مبايعة الأمّة ففي الآية المذكورة أعلاه، ينحصر دور الأمّة التي يؤمن أعضاؤها بالله، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي وظيفة أخلاقية صرفة.

17- أما الإشكال الثاني الذي تطرحه مؤسسة الخلافة فيتمثل في أنها تبحث عن رعاية الناس. وفيها بالتالي تقسيم للناس إلى راع ورعيّة. والراعي هو من يحدّد مفهوم الخير والشرّ ويطبق محتواه على الرعيّة لأنّها تقريبا في حكم القاصر الذي لا يدرك مصلحته. إذن في مفهوم الخلافة، تحقير للناس وتعال عنهم. وهي بالتالي في قلب المعنى اللغوي لكلمة “سياسة” وهي سياسة الدواب. ففي الخلافة، الناس كالقطعان يساقون ويقتادون.ويبرز ذلك بوضوح من خلال مؤسسة البيعة التي تربط الرّاعي بالرعيّة .فهي “العهد على الطاعة كأنّ المبايع يعاهد أميره على أنّه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين ، لا ينازعه في شيء من ذلك ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر” [59] . ولذا عدّت الطاعة المطلقة من الرعية للراعي واجبا دينيا لأنه خليفة يحكم ضرورة بمقتضى العدل [60]. وبهذا المعنى فإن البيعة ليست سوى عهدا من الرعية للراعي على الطاعة [61] أي على السمع والخضوع. وقد أدّت كل هذه المفاهيم إلى تقسيم المجتمع الإسلامي إلى أسياد ومحكومين وإلى ظهور طبقة سادت المجتمع وحكمته فكانت تولّي وتعزل وتبرم السلم وتعلن الحرب وتقرّر مصائر البشر وهذه الطبقة تتكوّن من “أهل الحلّ والعقد” وهم وجهاء القوم من رؤساء القبائل وأسياد الحرب والعلماء واعيان المجتمع عموما.

أمّا في حقيقتها التاريخية، فقد كانت الخلافة دائما ظلما وقمعا وترهيبا [62] بل وكانت دائما محلّ صراعات وأطماع وحروب وحسابات… وما “حادثة سقيفة بني ساعدة” إبّان وفاة الرسول و “الفتنة الكبرى” أثناء وغداة مقتل عثمان ابن عفان [63]، إلا دليل صارخ على ما أقول. فإبّان وفاة النبي، حصل نوع من الصراع بين المهاجرين والأنصار حول الشخص الذي سيخلفه في قيادة الأمّة. وقــــد فرض أبو بكـــر

فرضا وبالقوة من قبل عمر ابن الخطاب وابي عبيدة ابن الجراح وغيرهما [64]…وذلك طبقا للعرف القبلي القائم على مفاهيم الشرف والبيت والسنّ وكذلك السابقة [65] .ثمّ شنّ أبوبكر حروبا على القبائل التي رفضت مبايعته ، وقد سميت تلك الحروب بحروب الردّة. ولكنّ الأرجح أنّ تلك الردة كانت في جزء منها ” ردّة سياسية ” إذ أنّ عددا من القبائل العربية رفضت تقديم الولاء لأبي بكر مخافة وقوعها تحت سيطرة قريش. وقد هزمت جيوش أبي بكر القبائل المتمردة وأخضعتها لسلطة الدولة التي وضع أركانها الخليفة الأول [66]. أما غداة مقتل عثمان ابن عفان، الخليفة الثالث، فقد اقتتل الصحابة والتابعون عموما حول الحكم، ووقعت حروب ضارية بين المسلمين، قتل خلالها الآلاف منهم. وانتهت تلك الأزمة بمقتل علي ابن أبي طالب واستقرار الحكم لفائدة معاوية ابن أبي سفيان الأموي وانقسام الأمّة إلى سنّة و وشيعة خوارج … ومنذ ذلك الحين، انقلبت الخلافة الراشدة إلى ملك سلطوي [67]، على حد تعبير العلامة عبد الرحمان ابن خلدون.

18- ثم وفي الأخير أي اعتبارا من القرن الثالث عشر ميلادي، آلت مؤسسة الخلافة بالمسلمين إلى التخلف وإلى إجتياح الماغول لبغداد وإلى هجوم ملوك أوروبا الصليبيين على مناطق واسعة من أرض الإسلام وإلى سقوط الأندلس. وسبب تخلف المسلمين لا يعود، كما يشاع إلى انغماسهم في ملذات الدنيا “وابتعادهم عن الدين”، بل على العكس من ذلك تماما، يرجع التخلف والجهل اللذان عمّا العالم الإسلامي، إلى سيطرة الفكر الديني الإسلاموي.

فقد تزامنت بداية عصر الركود مع محنة ابن رشد وتحريم الفلسفة وغلق باب الاجتهاد في الفقه ونفي مفهوم العقل الخلاّق وإنكار مفهوم السببية وقوانين الطبيعة. وقد تزامن ذلك كله مع تغلّب العقيدة الأشعرية التي أصبحت العقيدة “الرسمية ” للدولة وقد نتج ذلك عن تحالف بين السلطة السياسية أي مؤسسة الخلافة والسلطة العلمية أي الفقهاء وسلطة الأعداد أي جمهور المؤمنين [68].

19- هذا ما جنته علينا مؤسسة الخلافة فهل لنا أن نتّعظ ؟ كل هذه الاعتبارات دفعت الشيخ علي عبد الرّازق إلى القول بأن “الإسلام دين لا دولة ورسالة لا حكم” [69].

هذا ما قاله الشيخ علي عبد الرزاق وقاسم أمين وطه حسين والطاهر الحداد… وهذا ما عمقه المرحوم محمد عابد الجابري والمرحوم فؤاد زكرياء والمرحوم محمد أركون والأساتذة محمد الطالبي وعبد المجيد الشرفي و هشام جعيط وعبد الله العروي ورجاء بن سلامة وألفة يوسف وحمادي الرديسي ، وهذا ما قاله أساتذتي المرحوم محمد الشرفي وعلي المزغني وسناء إبن عاشور وسليم اللغماني والعمداء الصادق بلعيد وعياض ابن عاشور وعبد الفتاح عمر… مؤسسين لمنهج عقلاني في الفكر الإسلامي، فهل لنا أن نتعقلن لنتعقّل الأمور؟!

أريانة في 05 أفريل 2011

==== الحواشي ====

1- نشر جزء من هذا المقال في مجلة الأخبار القانونية في العدد 111/110 لشهر أفريل سنة 2011 تحت عنوان ” نظام قانوني مستوحى من الشريعة : من يحق له تأويل النصوص ؟ “، ص 20- 21

2- تراجع جريدة الصباح بتاريخ 10 مارس 2011. ص. 1 و 7.

3- الطاهر الحداد، إمرأتنا بين الشريعة و المجتمع.الدار التونسيّة للطباعة،تونس، 1978.

4- Y. Ben Achour, Politique, religion et droit dans le monde arabe. Céres Productions, Tunis, 1992, pp. 216s.

5- Ibid. p. 226.

6- B. Botiveau et J. Cesari, Géopolitique des islames. Economica, Paris, 1997. Cf voir aussi sur ce point S. Ben Achour : « Etats non sécularisés, laïcité et droits des femmes », R.T.D. 1993, pp. 297 -311. p. 299.

7- محمد الشرفي ، الإسلام والحرية. الإلتباس التاريخي . دار الجنوب للنشر، تونس ،2002 . ص 51

8- – يراجع القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 38 وخاصة الآية 39.

9- – يراجع القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 33 وخاصة الآية 34.

10- – يراجع القرآن الكريم، سورة النور، الآية 4.

11- – يراجع القرآن الكريم ، سورة الإسراء ، الآية 32.

12- يراجع القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 178

13- يراجع حول هذه المسائل محمد سعيد العشماوي: “عقوبة الإعدام في الديانة الإسلامية” ، عقوبة الإعدام في القانون الدولي و في التشريعات العربية ،أعمال الملتقى المنظم من قبل المعهد العربي لحقوق الإنسان و الرابطة الدولية للمواطنين و البرلمانيين من أجل الغاء عقوبة الاعدام،تونس ،1995،ص. 23-27.
Cf S. Belaïd, Islam et droit une nouvelle lecture des versets prescriptif du Coran. C.P.U., Tunis, 2000, pp. 105ss.

14- – يراجع مثلا، عماد الدين إسماعيل ابن كثير، تفسير القرآن العظيم. الطبعة الأولى، مكتبة العلم، دار الدعوة الإسلامية، القاهرة، 2004، المجلد الثالث . ص 348 وما بعدها.

15- يراجع حول هذه المسالة بالخصوص مؤلف محمد الشرفي. الإسلام و الحرية الاقتباس التاريخي. دار الجنوب للنشر، تونس، 2002، ص. 112 و ما بعدها.

16- نفس المرجع

17- Y. Ben Achour, op. cit., pp. 55ss.

18- Cf, sur les versets coraniques ambigüs et les problems d’interprétation qu’ils posent, M. Ch. Ferjani, Laïcité et droits de l’Homme dans la pensée politique arabe. Thèse de doctorat, Université Lumière , Lyon 2, 1989.p 365

19- – قرآن كريم، سورة آل عمران، الآية 7.

20- – قرآن كريم، سورة الأنبياء، الآية 7.

21- – عماد الدين ابن كثير، المرجع المذكور آنفا، المجلد الثالث. ص 250 وما بعدها.

22- هشام جعيّط، في السيرة النبوية: الوحي و القران و النبوة، دار الطليعة للطباعة و النشر بيروت، 2007. ص. 17 و ما يليها و ص. 112 الهامش 4.

23- – جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، الطبعة الثالثة. الشركة العالمية للكتاب، بيروت، 1995 .ص 346 وما بعدها.

24- Cf, sur le statut du consensus unanim Ijma’ en droit musulman et dans la pensée musulmane en general, M.Camille, L’autorité dans la pensée musulmane: le concept d’Ijma’. Librairie philosophique I. Vrin, Paris, 1975.

25- – قرآن كريم، سورة المائدة، الآية 3.

26- – علي المزغني: “القانون والدين”: المزج المورث والتمييز المعقول” مقالات في الحداثة والقانون. دار الجنوب للنشر، تونس، 1994، ص 77 – 146. ص 127.

27- – محمد عابد الجابري ، نقد العقل العربي: تكوين العقل العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،2009. ص 110.

28- A. Mezghani, Lieux et Non- lieu de l’identité, Sud Editions, Tunis, 1998, pp. 94ss. Et pp. 106ss. Cf. sur les circonstances historiques de l’apparition de l’institution ecclésiastique en Islam, S.A. Al-Assiouty, Théorie des sources : Evangiles et Coran. Société Nouvelle des Editions, Paris, 1987, pp. 20s.

29- A. Laroui, Islam et Modernité, Editions La Découverte, , Paris, 1987, pp. 24s.

30- J.Schacht, Introduction au droit musulman, traduction Kempf et Turki, Edition Maisonneuve et Larose,Paris, 1983.p101.

31- – قرآن كريم،سورة المائدة، الآية 54.

32- – يراجع فوزي البدوي: “ملاحظات حول حدّ الردة”.

33- – يراجع، على سبيل المثال، عماد الدين إبن كثير، المرجع المذكور آنفا. المجد الأول، ص 374. يعتبر هذا المفسر أن الآية 253 من سورة البقرة ” لا إكراه في الدين” قد نسخت بمقتضى الآيات الآمرة بالجهاد.

34- – المرحوم محمد الشرفي، المرجع المذكور آنفا. ص 163.

35- R.David et C. Jauffret- Spinosi , Les grands systems de droit contemporain. 11ème édition. Dalloz, Paris, 2002, p357.

36- يراجع مؤلف محمد الشرفي، المرجع المذكور آنفا، ص 53

37- Y.Ben Achour, op cit, p 238

38- محمد الشرفي وعلي المزغنّي ، أحكام الحقوق . دار الجنوب للنشر، تونس،1995. ص 22

39- يراجع في هذا الإتجاه، مؤلف عماد الدين إبن كثير ، المرجع المذكور آنفا ،المجلد الثاني .ص 75

40- – يراجع، حول هذه المبادئ، عبد الفتاح عمر ، الوجيز في القانون الدستوري. مركز الدراسات والبحوث والنشر، تونس، 1987. ص 132 وما بعدها.

41- H.Redissi : « L’obéissance en Islam : devoir et pouvoir » in Mélanges en l’honneur de Habib Ayadi. CPU, Tunis, 2000, pp 759-776. p 772.

42- – المرحوم محمد الشرفي، المرجع المذكور آنفا، ص 159 وما بعدها.

43- – يراجع القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 80 والأنعام، الآية 107 وهود، الآية 86 وق، الآية 45 ويونس، الآية 99 والمجادلة، الآية 48.

44- – يراجع مثلا عماد الدين اِبن كثير، المرجع المذكور آنفا، المجلد الرابع. ص 638. يذكر المفسر حديث: “أمرت أن أقاتل الناس…” ويشير ضمنيا إلى انه قد نسخ الآيتين المذكورتين من سورة الغاشية.

45- – قرآن كريم، سورة النساء، الآية 59.

46- عبد الرحمان إبن خلدون المقدمة الدار الذهبية للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة . ص 212

47- – عماد الدين اِبن كثير، المرجع المذكور آنفا، المجلّد الأول. ص 636 وما بعدها وخاصة ص 638.

48- حسين عطوان، الفقهاء والخلافة في العصر الأموي. دار الجيل ، بيروت، 1991. ص 14 وما بعدها

49- A.Laroui , op cit,pp32 et s

50- عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، دار الجيل، بيروت، ص. 212 .

51- عبد الرّحمان إبن خلدون، المقدّمة .الدار الذهبية للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة . ص213

52- نفس المرجع

53- A. Abderraziq, L’Islam et les fondements du pouvoir , Editions La Découverte, Paris, 1996, p. 6.

54- H.Redissi, loc cit, p 773.

55- – قرآن كريم، سورة آل عمران، الآية 109.

56- M.Camille, op cit, p90.

57- Ibid

58- Ibid, p88.

59- عبد الرّحمان إبن خلدون المرجع المذكور آنفا ص 232

60- Y. Ben Achour : «Structures de la pensée politique islamique classique » Pouvoirs n°12, p24

61- – عبد الرحمان ابن خلدون، المرجع المذكور آنفا، ص 237.

62- A. Filali- Ansary, L’Islam est –il hostile à la laïcité, Editions le Fennec, Casablanca, 1997, p. 12.

63- H. Djait, La Grande Discorde, Gallimard, Paris, 1999.

64- H.Djaït, op cit, p 51.

65- Ibid

66- محمد الشرفي، المرجع المذكور آنفا، ص 164 وما يليها

67- عبد الرحمان إبن خلدون ،المرجع المذكور آنف ص 225 وما بعدها

68- Y. Ben Achour, op. cit., pp. 182ss.

69- A. Abderraziq, op. cit.