Crédit photo à la Une : Sarah Mersch

الثابتون على مبادئهم لا يحيدون أولائك هم المناضلون, و المنقلبون على ثوابتهم مغيّرون أولئك هم الانتهازيون, و الكادحون عن حقوقهم لا يتنازلون أولئك هم الأعظمون…

المتأمّل في تبعات كل تحرّك للشّارع يصاحبه قمع يقف على جملة من الحقائق و الاستنتاجات لتعيد نفس الصّورة فرض نفسها. تأبا كل عصا شرطي تنزل على جسد متظاهر في كل مرّة اﻻّ أن تسقط قناعا و تكشف حقيقة: حقيقة الشّقاق و قناع النّفاق.

سياسة المكيالين

عندما نتأمّل الصّرامة المفاجئة و التصعيد في اللّهجة و التعامل الذان أظهرتهما وزارة الدّاخليّة في الأحداث الأخيرة لنا أن نتسائل عن سر هذه الصّحوة المفاجئة. هل كان اعتبار هيبة الدّولة مغيّبا عندما أنزل العلم الوطني المفدّى تحت أنضار الأمن؟ هل كانت كرامة وزارة الدّاخليّة منسيّة من طرف وزيرها يوم حادثة “غزوة المنقالة” لتصحو يوم تضاهرات المعطّلين عن العمل؟

أليس مبدأ ألزاميّة احترام القانون مطلقا يفرض على الكل أم أنّه ورقة تحتفض وزارة الدّاخليّة لنفسها بحق استعمالها متى أرادت شرعنة القمع و تبرير العنف؟

الشيخ راشد الغنّوشي اتّهم المتضاهرين ب”العنف الثوري الستاليني“, عبارة مقيتة مردودة للشّيخ لا أرى لقبحها مثيلا غير عبارة “ديكتاتوريّة الشارع” التي كانت تستعمل لتسفيه مقاصد اعتصامات القصبة و التي كان شيخنا الجليل ينتقدها.

رب عذر أقبح من ذنب

هذا تصريح وزير الدّاخليّة في حوار على الوطنيّة1 ليلة أحداث 9 أفريل أكدته نائبة النّهضة في نفس الحوار السيدة يمينة زغلامي:

هذه المظاهرات لم تكن مطلبيّة بل مسيّسة و ذات خلفيات حزبيّة

هل المقصود أنّه من غير المقبول الخروج في مظاهرات سياسيّة ذات خلفيات حزبيّة؟ هل المقصود أن المظاهرات الحاملة لمطالب اجتماعيّة وحدها الشرعيّة في زمن شرعيّة الترويكا؟

ألا يذكّرنا هذا بذهنيّة فترة بن علي؟ حين كان مسموحا التعبير في كل شئ اﻻّ في السّياسة..

قبح العذر الذي غطّى على دمامة الذّنب لا يمكنه أن يخفي نفاق العقليّة التي استلهمت منها هذه التبريرات السّخيفة:

هل كان المطلب يوم 14 جانفي اقالة المدرّب الوطني لكرة القدم؟ هل اعتصم الشباب القادم من الجهات في القصبة للمطالبة باصلاح مهرجان قرطاج؟

أليست معظم تحرّكات الشارع التونسي سياسيّة؟ أليس هذا الامر طبيعيا في فترة انتقالية ثوريّة شغلت فيها السياسة بال النّاس؟ ألم تكن تظاهرات ما قبل 23 أكتوبر و التي كان شباب النهضة طرفا فيها تبرر شرعيّتها بأنها سياسيّة بمعنى أنّها تستمد نبضها من الثّورة؟

الأدهى و الأمر أن الترويكا و لحد 7 أفريل كانت تشكو من المظاهرات الاجتماعيّة المطلبيّة التي عطّلت مصالح البلاد و جعلت عملها صعبا لتعود يوم 9 أفريل لتندّد بالمظاهرات السياسيّة و تتهمها بأنّها “ليست مطلبيّة”…

هذا دون أن ننسى أن مظاهرة 7 أفريل كان نضّمها المعطلون عن العمل و كانوا طالبوا فيها بحقّهم في التشغيل و مع ذلك قمعت بوحشيّة.

سبحان مغيّر الأحوال

أنا شرعي و الشرعيّة خط أحمر

لا يمكنك أن تعبّر عن معارضتك لحكومة شرعيّة, شكونك انت باش تناقش قرار الملايين الّي اتنخبت

سؤال اليوم: من صاحب هذه المقولات؟


– اجابة 1: زين العابدين بن علي
– اجابة 2: بشّار الأسد
– اجابة 3: معمّر القذافي

آسف عزيزي القارئ, أخطأت الاجابة و لا ألومك. صاحب هذه المقولات هو الدكتور منصف المرزوقي..

نعم المرزوقي مؤسس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان و المعارض التاريخي لبن علي… المنصف الورزوقي الذي لم تتخلّى مواقفه يوما عن نبض الشارع حتّى ليلة 9 أفريل, المنصف المرزوقي الذي كان تعهّد سابقا بأنّه من المستحيل رؤيته في حكومة تمارس انتهاكات لحقوق الانسان.

حقوق الانسان كانت الخط الأحمر حسب الدكتور لكن الأمور تغيّرت لتصبح الشرعية هي الخط الأحمر… فسبحان مغيّر الأحوال.

أشباه الأبطال و الشجاعة المزيّفة

معتصمي القصبة منقلبون عن الديموقراطيّة

الذين لا يحترمون هيبة الدولة يكرّسون ديكتاتوريّة الشّارع

ما حصل اليوم طبيعي (اجهاض القصبة 3) لأن المتضاهرين أصرّوا على التّظاهر في القصبة الممنوعة

أصحاب هذه المواقف هم من يبادرون اليوم و بكل حماس للتّنديد بقمع مظاهرة 9 أفريل.

مقرّبو سلطة الأمس تناسوا مبادئهم حين بررّوا عنفها لينفكّوا مدافعين عن الشّارع ضد سلطة اليوم لأنّهم وجدوا أنفسهم في الطرف الآخر من المعادلة… معادلة الشّقاق التي لا تستقيم الّا بلغة النفاق.

مثال آخر جلي عن سفه نخبنا و زيف شجاعتها ما أقدمت عليه نقابة الصحفيين من مقاطعة نشاط وزير الدّاخليّة في تجاوز صارخ لواجب الاعلاميين في توفير المعلومة مهما كان مصدرها و بكل حيايديّة. في أي قبو كانت هذه الشّجاعة العجيبة مسجونة عندما أعتدى بوليس حبيب الصّيد على 14 صحفي يوم 7 ماي 2011 و في نفس المكان؟

عندما يكون الحق نسبيّا و تكون شرعيّة تظلّم المظلوم رهينة هويّة الظالم

بعد سنوات طوال من النّضال و من الدّفاع غير المشروط عن حقوق الانسان, لا يجد بعض الحقوقيين اليوم في أنفسهم حرجا عندما يبررون قمع عيد الشّهداء… بعضهم, مثل السيّد سمير ديلو (وزير حقوق الانسان و العدالة الانتقاليّة), ذهب الى أبعد من ذلك ليعبّر عن مساندته الكاملة لقرارات وزارة الدّاخليّة.

عندما كان لهؤلاء عدو مشترك انهال ظلمه و عصا بوليسه عليهم جميعا ناضلوا و صابروا و دافعوا عن المظلوم دون أي اعتبار لتوجّهاته الايديولوجيّة أو خلفيّاته الحزبيّة. اليوم عندما أصبح الوصول للسلطة ممكنا, وللبعض واقعا, أصبحت عدم شرعيّة القمع رهينة امتداد الانتماء مع القامع و حق المقموع رهين خلفيّاته و توجّهاته.

 

يا معشر السياسة, يا أهل الشّقاق و النّفاق, أنّي أرى ميعاد رحيلكم قد حان و آن الأوان أن ترفعوا عن هذه البلاد ظلمة ايديولوجياتكم المتخلّفة و أن تريحوها من دناسة صنيعكم ووضاعة مقاصدكم.

أن كان الاسلامي يعتبر اليساري كافرا و اليساري يعتبر الاسلامي رجعيّا فالتّونسي البسيط في واقعه و العظيم في أحلامه يعتبركم جميعا سفهاء بنفاقكم و مفسدين في الأرض بشقاقكم…

 

 

أنّ بقوم ثوابتهم متغيّرة و غيرتهم على مصالحهم ثابتة أن يغيروا شعبا أو يصنعوا ربيعا..

أنّ بقوم أياديهم رحيمة بالظالم قاسية على البريء أن يحلوا عدلا أو يوفروا رخاءا..