ما فتئت الديمقراطية بالجامعة التونسية تعيش من هزيمة إلى هزيمة. فبعد تمرير الأمر عــ386دد المؤرّخ في 09 جوان 2011 والذي غيب قرابة ال-75% من أصوات الجامعيين بإعتماده لمبدأ الإنتخاب غير المباشر ولكن بطريقة مشوهة ذلك أن طريقة الإنتخاب هذه  لم تراع تمثيلية الأساتذة والأدهى من ذلك فإن هذا الأمر الإنتخابي سمح للمشاركين في سياسة التعليم العالي الفاسدة من مسؤولين و فاعلين في لجان فرضت على الجامعيين إجراءات بالقوة ساهمت في إنزال المستوى ولعل أبرز مثال يذكر في هذا الإتجاه هو تطبيق منظومة “امد” بطريقة أقل ما يقال فيها أنها عشوائية لم تراع فيها خصوصيات الواقع اللوجستي بتونس هذا إلى جانب غياب أية إحصائيات دقيقة تهم الجامعة وسوق الشغل وغياب تقييمات موضوعية للمؤسسات الجامعية.وبعد تمرير هذا الأمر الذي خلف مرارة وحسرة لدى الكثير من الجامعيين ذلك أن من ساهم في تمريره هو سكوت الممثل النقابي الوحيد للجامعيين آنذاك وهو الجامعة العامة للتعليم العالي التي لم تحترم توصيات مجلسها القطاعي المؤرخ في 30 أفريل وسارعت بقبول هذا الأمر دون حتى إستشارة قواعدها.

وكانت تبعات هذا الأمر الإنتخابي وخيمة فقد سمح برجوع مناشدين و مهندسين للسياسات البنفسجية الرديئة بالجامعة بل واعطاهم شرعية إنتخابية مزيفة لم يترددوا على التشدق بها أمام الملأ. كما أطلق لهم العنان لمواصلة العمل بنفس الطرق القديمة والمبنية على المحسوبية، القبلية، نشر ثقافة الغنيمة، الإقصاء، التعتيم، خلق المكائد ونشر الأكاذيب حول كل من يتصدى لهم هذا إلى جانب حصول جملة من التجاوزات بعدد من المؤسسات الجامعية.

ولعل الشيء الإيجابي الوحيد أثناء ذلك الوضع المتوتر هو إجتماع مئات من الجامعيين الغاضبين والرافضين لحالة التعفن بالجامعة حول مشروع جريء ساهم في تحقيقه كل من وهب لتونس دمه أو جهده من أجل معركة الديمقراطية. وتمثل هذا المشروع في تأسيس إتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين “إجابة” وهي  نقابة ديمقراطية للجامعيين والباحثين  مستقلة عن أية مركزية نقابية تؤمن بحتمية تكوين هيكل نقابي بعيدا كل البعد عن الاجندات السياسية لهؤلاء وهؤلاك، و يعتمد هذا الهيكل مبدأ الديمقراطية التشاركية تجنبا لخطر القرارات الفوقية و ما يميز هذه النقابة أنها تحمل مشروعا اصلاحيا تجسد في إخراجها لبرنامج متكامل بضعة اشهر بعد تأسيسها وإهتم هذا المشروع بمسائل الديمقراطية بالجامعة ومراجعة القانون الأساسي للجامعيين وإصلاح منظومتي البحث العلمي والتعليم العالي والوضعية الإقتصادية والإجتماعية للجامعيين ولقد شارك في  صياغة هذا المشروع  حوالي ألف جامعي من خلال الرجوع للقواعد الأستاذية وتنظيم ورشات عمل بالحمامات بحضور 120 جامعي. و الهدف البارز من وراء تكوين هذا المولود النقابي الجديد هو ضرورة أن يكون للجامعيين هيكل يمثلهم مستقل عن المركزيات النقابية نظرا لخصوصيات هذا القطاع وتجنبا لتدخل غير الجامعيين في شأنهم ومحافظة على إستقلال قرارهم وقطعاً مع عشرات السنين العجاف التي لم تتحقق للجامعيين فيها أية مكاسب تذكر.

و بعد إنتخاب التونسيين لممثليهم بطريقة شرعية خلنا أن مشاكل الجامعة ربما ستعرف بداية لمناهج عمل أكثر ديمقراطية من أجل القطع مع ممارسات الماضي ولكن للأسف الشديد لم يحصل ذلك إذ بدأت ظواهر الفشل تبرز في تعامل وزارة التعليم العالي مع أول إمتحان للديمقراطية بالجامعة ألا وهو إمتحان التعددية النقابية. إذ وأمام دهشة الكثيرين من الجامعيين لم تتردد وزارة التعليم العالي وفي ظروف غامضة لا تعرف حقيقتها سوى الكواليس إلى تفعيل إتفاق قديم  صيغ في 05 اكتوبر ما بين وزير الحكومة الإنتقالية السيد رفعت الشعبوني الذي خلد مروره السريع بالوزارة من خلال القرار الإنتخابي الآنف ذكره، إتفاق صيغ في 05 أكتوبر ما بين السيد الشعبوني والجامعة العامة للتعليم العالي والذي تقرر بمقتضاه فتح إستشارة وطنية للإصلاح وتكوين لجان مختلفة تكون فيها الجامعة العامة للتعليم العالي الطرف النقابي الوحيد في هذه الإستشارة التي سوف تمتد على 3 سنوات.

وإن كنت أفهم حصول هذا الإتفاق ما بين الطرفين الذين هندسا الأمر عــ386دد المؤرّخ في 09 جوان 2011 فإني لا أفهم تفعيل هذا الإتفاق من طرف وزير إنبثق عن حكومة انتخبت لتجسد إرادة التونسيين في القطع مع سياسات الإقصاء. ذلك وأن هذا الإتفاق الذي تم تفعيله من طرف الوزير الحالي السيد المنصف بن سالم بمقتضى محضر أمضي بين الجامعة العامة للتعليم العالي و سلطة الإشراف بتاريخ 20 أفريل هو حول “إستشارة” وليس حول مفاوضات إجتماعية كان من المفروض وإحتراما لأبسط قواعد الديمقراطية أن تشمل جميع الأطراف النقابية ومكونات المجتمع المدني والإقتصادي.و لكن وبموجب هذا الإتفاق وقع إعتماد طرف نقابي وحيد وتجاهل كل الأطراف الأخرى الفاعلة بالجامعة التونسية. وهذا الإتفاق يدخل في خانة الإقصاء والتهميش من طرف نقابي يبدو وأنه متغافل عن مبدأ التعددية النقابية من خلال اصراره في بياناته على تفعيل إتفاق 05 أكتوبر بكل حذافيره ومن طرف وزارة يبدو وأنها لا تعي بمخاطر  الإرتداد عن أبسط أهداف الثورة ألا وهي التعددية. و العمل بهذا الإتفاق يذكرنا بزمن الفكر الواحد، الصوت الواحد والهيكل الواحد: زمن العهد البائد. والأمر من ذلك هو أن نفس هذا الإتفاق يعتمد تشريك ممثلي هياكل التدريس الذين أنتخبوا بطريقة غير ديمقراطية عبر المنشور عــ29ــدد الذي أتاح لرموز النظام البائد إعادة التموقع تحت غطاء زائف من الشرعية الإنتخابية التي تفتقر للتمثيلية كما سبق وأن أشرت. ولقد تعللت الوزارة بإن تفعيل  هذا الإتفاق كان بعنوان إستمرارية المرفق العام وتفعيل إلتزامات  الدولة السابقة وهذا تعليل فيه مغالطة ذلك أن الإلتزام بما سبق لا يعني إطلاقا إقصاء النقابات ومكونات المجتمع المدني من إستشارة وطنية هدفها الإصلاح. وإن كانت الوزارة فعلا جادة في توسيع الاستشارة وتركيبة لجان إصلاح التعليم العالي فما عليها  إلا أن تعقد جلسات مع كل الأطراف الأخرى التي وقع اقصاؤها لتدارك ما فات.

ولقد قامت نقابة إتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين “إجابة” بوقفة احتجاجية أمام وزارة التعليم العالي في نفس اليوم الذي أمضي فيه هذا الإتفاق  عبرت فيها عن رفضها لهاته الممارسات غير الديمقراطية خاصة وأن هذه النقابة دخلت في مفاوضات امتدت على مدة شهر ونصف مع السيد  شعبان الشافي المكلف بمهمة و المستشار لدى وزير التعليم العالي على أساس تشريكها في هذه الإستشارة و قابلت وزير التعليم العالي مسبقا بخصوص لجان الإصلاح.

إن الديمقراطية مكسب ثوري وليست هدية  فماذا جلب هذا الإتفاق علي أرض الواقع؟ إنه لم يساهم  سوى في تكريس عقلية الإقصاء. إن هذا الإتفاق المبرم  بصيغته الحالية جاء ليعمق من جراح الجامعة التونسية و يهزم الديمقراطية مرة أخرى بعد تمرير المنشور عدد 29 الصادر في جوان الماضي وهو لا يمكن أن يفضي إلي أي إصلاح حقيقي. إن ما تعانيه الجامعة التونسية اليوم بسبب الثقل الفعلي لمن تسببوا في تخريب منظومة التعليم العالي وبداية ظهور بوادر الفشل في سياسة الوزارة الحالية إن لم يقع تدارك الأمر بكل سرعة لهو نذير سيء حول مستقبل البلد فلن يصلح حال البلد ما لم يتم إصلاح الجامعة والتعليم وهذا ما لم ينتبه له إلى حد الآن كل دارسي الشأن التونسي من محللين وسياسيين ومجتمع مدني. ولم انفك عن التنبيه عن مخاطر التغافل عن الحديث عن المشاكل .الحقيقية للجامعة. فلينتبه الجميع قبل فوات الأوان