يكفي ان نستعرض عناوين الاخبار خلال الاسبوعين الاخيرين لشهر ماي  حتى نقرأ كف تونس ونستقرأ المستقبل:صيف ساخن يتحدى فاعلية الحكومةلم يكد الشعب وجانب من طهاة السياسة يستبشرون بظهور بوادر المسؤولية المشتركة التي ظهرت خلال احتفالات غرة ماي كعلامات للتفهم ووحدة الصف حتى انطلقت احتجاجات متشعبة الاطوار والادوار في ولايات تطاوين ومدنين والقصرين وقبلي وقفصة وغيرها.. كلماتها المفتاح “اضراب عام” و “عصيان مدني” مرصعة باقتحام مكاتب الولاة وطردهم و”تهنتيلهم”.. ولم تكن المطالب الاجتماعية غير شرعية او مجرد شعارات بل حاجة اساسية مستعجلة وملحة, ولكن الاخراج والتوقيت والتوظيف بات امرا بديهيا؟ عموما كان الامر درجة في التصعيد البليغ بعد بروز بوادر حوار وتوافق بين اتحاد الشغل والحكومة..

اقصاء رموز التجمع تحدي حقيقي ومصيري

ظهر على السطح عزم التأسيسي عبر الترويكا اقصاء القيادات التجمعية من الترشح للانتخابات القادمة مقابل تهديد صريح من رموز التجمع ووعيد ضمني باعلان سياسة الارض المحروقة بعد اعلان الحكومة رسميا عن اعفاء عديد المسؤولين المشبوهين من مهامهم من ضمنهم 80 قاضيا ومديرعام للديوانة  و كوادر بالبنك المركزي..

وقاحة مكثفة وممنهجة لعديد التجمعيين عبر وسائل الاعلام يدافعون عن التجمع وعن بن علي صراحة, حيث نقلت وسائل الاعلام جهرا بيانات مدسوسة ومتكررة “رجعولنا بن علي احسن .. لبلاد ضاعت”. و نقلت التلفزة “الوطنية” عديد المرات بلاغات الحنين و كذا شأن اغلب وسائل الاعلام السمعية والبصرية وبعض الصحف المكتوبة, “بكل حياد “ولم تخل الساحات العامة من اصوات ارتفعت لكسر حاجز “الصمت” لتهتف ضمنيا بحياة بنعلي.

تواترت الاضرابات والاعتصامات بشكل مكثف.. ومتشابه مستندة الى شرعية المطالب وكان ذلك جوابا مباشرا على برنامج الحكومة التكميلي وربما دون الاطلاع على تفاصيله..

السلفية شماعة الجميع

تجمع استعراضي هو الاكبر من نوعه للسلفية الجهادية تجاهل السياسيون والاعلاميون ما ورد فيه من بلاغات صدرت لاول مرة صريحة على لسان زعيمها ابو عياض حول عدم تبني التكفير وعدم اعلان الجهاد على الشعب الذي حررهم من السجون  والاعتراف بضرورة حماية الاقتصاد الوطني والسياحة ورفض الربا وسياحة الدعارة.. ولكن الاعلام والساسة نقلوه للرأي العام على انه استعراض عسكري جهادي وبرزت صور ركحية رياضية تتندر بالموازي الخلافي واقتصر نقل الحدث على شعارات “خيبر يا يهود.. اوباما.. كلنا اسامة” مع العلم انه في اروبا وامريكا لا يجرم من يدافع على بن لادن بل يجرم من يمارس العنف والارهاب..

اطلاق سراح قيس بن علي والحكومة بلغها الخبر عبر الفايس بوك؟ وتحرير آخرين من رموز الفساد..

انطلق التكثيف الاعلامي” لغزوة” بوزيد ومعركة الخمر والعنف المتبادل ومن ثمة الانطلاق في ملحمة فوبيا الجهادية والعنف.. و بالموازاة نقل مباشر وميداني لمعركة جندوبة  الخمرية.. وتعميق مظاهر الحريق وتحويل متتالي للاختلاف نحو العنف وتغييب اي مظهر من مظاهر الحوار او معالجة قضائية رصينة للانفلاتات المتراكمة.

حمادي الجبالي “يحمّر” عينيه في وجه مسؤول ديواني في اتجاه محاسبة سريعة لمنع مرر سلع وحاويات ضخمة على ملك الطرابلسية بعد 14 جانفي وتواصل شبكات التهريب عبر الديوانة لسلع العصابة الطرابلسية..

حريق ضخم لسوق النصف باي الذي تغذيه عصابات التهريب الخاضعة للفاسدين والطرابلسية..

هيئة اقتصادية عالمية معتمدة تخفض الرصيد الائتماني لتونس وتؤشر على عدم تعافي الاقتصاد التونسي  رغم تصاعد المؤشرات الاقتصادية الايجابية وبروز مؤشرات على تجاوز الازمات بتدرج وقد حدا هذا الامر بالمحللين لاعتبار أن تخفيض الدرجة الائتمانية انّما يستند الى مؤشرات امنية نتيجة تصاعد العنف والاحتجاجات..

صمت متعمد لاحزاب المعارضة الرادكلية اليسارية عبر وسائل الاعلام رغم الدور الفعال لشباب المعطلين اليساريين بالجهات وتحركاتها التي لم يغب عن واجهتها وجوه تجمعية ومليشيات بن علي وعديد المنحرفين.. وهذا التصنيف لا يلغي شرعية المطالب وضرورتها ولا يلغي مصداقية عديد الناضلين الصادقين المساهمين في هذه التحركات التي اختلط فيها الحابل بالنابل..

تردد الحكومة وضعفها هل يوقف الثورة المضادة؟

ان المتأمل في هذه الاحداث المتتالية وغيرها خلال النصف  الثاني لشهر ماي وباعتبار عديد الزوايا غير الظاهرة وعديد التجاذبات التي اغفلها المقال, يستتنتج بوضوح:

– عزم التجمعيون اتباع سياسة الارض المحروقة وقد تمتعوا بامهال من الحكومة مكنهم من استعادة الثقة والتنظم وحبك الخطط المتتالية وهم يعتقدون ان كل ما يربك او يدمر الحكومة في صالحهم ولو كان الامر يخص اغراق البلاد في العنف الموصوف.. لا يختلف اليسار الراديكالي في سعيه للوصول الى نفس النتيجة والبحث عن مداخل لحكومة انقاذ وطني وان اختلفت الاهداف والاساليب ودرجة الاصرار.
– ضعف الحكومة البائن لا فقط في الاستجابة للمطالب الاجتماعية العاجلة –وهذا امر منتظر- ولكن وبالخصوص بغض الطرف عن مواجهة العنف وخرق القانون حيث لم تحرك ساكنا تجاه تعنيف ولاّتها واحتلال مراكز سيادية.. ولم توجه بلاغات واضحة للشعب.
– التدخل الجراحي امر محتوم.
– ان موقف الحكومة تجاه هذه الازمة محدد لمصير البلاد وهي على مسؤولية بليغة وتتقاسم تلك المسؤولية مع كل القوى الوطنية الصادقة.
– ان مصير البلاد بات متوقفا على كيفية عبور هذه القنطرة لان من اعدوا عدتهم لصيف ساخن ليس لديهم ما يخسرونه ما داموا يحسبون ان خسارة البلاد لا تعنيهم بل يعتقدون ان خسارة البلاد لا تكون الا في خسارتهم  وفي زوال مصالحهم.. وما اكثر اصحاب المصالح التي تتعارض ومصالح البلاد.
– لم تعد تكفي المسكنات والمضادات الحيوية فقد فشلت مشاريع الصفقات التكتيكية ولعبة المراهنة على الزمن  لقد تحتم امر العمليات الجراحية وفق الشروط الطبية السليمة التي لا يمكن-طبعا- توفر ضمان كلي لنجاحها ولكنها ضرورة قائمة بسبب تواصل النزيف.