العقيد الشّهيد الطاهر العيّاري

بعيد الذكرى الأولى لاستشهاد العقيد الطاهر العياري فيما يعرف بأحداث الرّوحية, تفاجأنا بتصريحات للناطق الرّسمي باسم وزارة الدّفاع السيد العميد مختار بن نصر يؤكّد فيها أنّ عائلة الشّهيد قد تحصّلت على كل مستحقّاتها و أن المؤسّسة العسكريّة أوفت بكل التزاماتها و أدّت الواجب كاملا في حق العقيد الشّهيد.
التّصريحات التي أدلى بها الناطق الرّسمي باسم وزارة الدفاع جاءت بلهجة حادّة و اشارات الى أنّ العائلة (عائلة العقيد الشّهيد) كانت لها مطالب ماديّة و ذهب الى حد اتّهام أرملة الشّهيد بالابتزاز و بنكران الجميل و بتسويق معطيات مغلوطة عن حقيقة الظلم الذي قالت السيدة العياري أن زوجها كان تعرّض له طيلة سنوات انتمائه الاربعين للجيش التونسي.
رد فعل وزارة الدّفاع جاء بعد تصريح كانت أرملة الشّهيد أدلت به لاذاعة موزاييك و اتّهمت فيه المؤسّسة العسكريّة بالتّقصير في ايلاء ذكراى استشهاد العقيد المكانة و التكريم الذي يستحق.
غرابة القضيّة دفعتنا للاتّصال بعائلة الشّهيد التي عبّرت لنا, على لسان أرملة العقيد (السيدة العيّاري) و ابنه (مطيع العيّاري), عن استيائها الشّديد من تصريحات الناطق الرسمي باسم وزارة الدّفاع و عن غضبها و استنكارها من مواقف الوزارة التي اعتبرت أنّها لا تليق بمؤسّسة سياديّة بحجم وزارة الدفاع (فيما يلي تصريح السيد مختار بن نصر في مؤتمر صحفي بالوزارة الأولى و تصريح السيد مختار بن نصر على اذاعة شمس آف آم).

هل طلبت عائلة الشّهيد تعويضات؟

السيدة العياري و صفت تصريحات الوزارة بحملة التشويه الموجّهة ضدّها مؤكّدة أنّها و العائلة لم تتقدّم بأي مطالب ماديّة أو تعويض بل ما طالبت به على موجات اذاعة موزاييك هو تكريم زوجها في الذّكرى الأولى لاستشهاده هذا و وصفت تصريحات السيد مختار بن نصر بالمهينة و المغالطة حيث حاول هذا الأخير تمييع قضيّة التكريم و ايهام الرّأي العام بأنّ المقصود هو تعويضات ماديّة على حد تعبيرها.
السيدة العياري وضّحت لنا أنّها توجهت لعدد من المؤسّسات الرّسمية و في كل مرّة كان المطلب هو التكريم و احياء ذكرى استشهاد العقيد.
السيدة العياري توجّهت ل:
– المجلس الوطني التأسيسي حيث قابلت النائبة يامينة الزغلامي و عدد هام من النّواب و على رأسهم السيدة محرزيّة لعبيدي نائبة رئيس المجلس و تقدّمت لهم بطلب تكريم زوجها و احياء ذكراه بدقيقة صمت في الجلسة العامة للمجلس.
– الوزارة الأولى.
رئاسة الجمهوريّة.
– وزارة حقوق الانسان و العدالة الانتقاليّة.
وزارة التربية و التعليم.
– بلدية حلق الواد.
كل المطالب الموجّهة تتلخّص بالفعل في التّكريم و احياء الذّكرى الأولى لاستشهاد العقيد الطاهر العيّاري.
السيدة العياري اغتنمت فرصة لقائنا بها لتنوّه باستجابة رئاسة الجمهوريّة لمطلبها حيث شارك الرّئيس المنصف الورزوقي العائلة مراسم احياء ذكرى الشّهيد ووضع اكليل ورود على ضريحه.
كما عبّرت السيدة عن امتنانها لحضور الشّيخ راشد الغنّوشي ممثّلا لحزب حركة النّهضة.

المنصف المرزوقي في الذكرى الأولى لاستشهاد الطاهر العيّاري

الشيخ راشد الغنّوشي في الذّكرى الأولى لاستشهاد الطاهر العيّاري

السيدة استنكرت غياب وزارة الدفاع الكامل و أكدت أن تعلّة عدم علمها بترتيبات المراسم باطلة حيث قام عدد من النّواب أثناء مقابلتها لهم بالاتّصال مباشرة بالوزارة للتّأكيد على ضرورة ترتيب مراسم تليق بذكرى الشّهيد.


هل أدلى النّاطق الرّسمي باسم وزارة الدّفاع بتصريحات غير دقيقة (أو مغلوطة)؟

عبّرت السيدة العياري على استيائها مؤكّدة أن جرايتها ليست 3850د كما صرّح السيد مختار بن نصر بل 1191د تتحصّل عليها من الصندوق الوطني للحيطة و الضمان الاجتماعي.

الحوالات التي تتلقّاها أرملة الشّهيد شهريّا كجراية من الصندوق الوطني للحيطة و الضمان الاجتماعي

وعن مسألة التعويض الذي قال السيد مختار بن نصر أن الأرملة تسلّمته و قيمته 144 ألف دينار أكّدت السيدة العياري أنها لم تستلم شيئا من وزارة الدفاع على عكس ما صرّح به الناطق الرسمي و أن العائلة استلمت التعويض المعمول به بصفة منحة رأس المال عند الوفاة من الصندوق الوطني للحيطة و الضمان الاجتماعي.
مطيع العياري, ابن الشهيد, صرّح لنا أنّه يعتبر تصريحات السيد مختار بن نصر عن عدم حصول العقيد على بعض الشهادات كتفسير لعدم ترقيته بأنّها متضاربة مع أقواله عن والده بأنّه كان ظابطا كفؤا و على درجة كبيرة من الانضباط و أكّد مطيع العيّاري أنّ والده أكمل كل الدّورات التّكوينيّة منذ سنة 1999 و أنّه لم تكن تنقصه أي شهادة معمول بها في الجيش التونسي و رغم ذلك لم تتم ترقيته الّى ثلاث مرات طيلة سنوات مسيرته ال37.

هذا و قد فنّدت العائلة تصريحات الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع حول ترقية الشّهيد مباشرة بعد وفاته و أكدت أن الترقية تمّت فعليا يوم 27 ماي بعد اعلام رئاسة الجمهوريّة بالأمر (السيّد فؤاد المبزّع عند حضوره لتعزية العائلة).

هل قصّرت وزارة الدفاع في حق العقيد الشّهيد الطاهر العياري؟

عائلة الشهيد اتهمت وزارة الدّفاع بالتّقصير في حق العقيد الشهيد في المواضع التالية:
– عدم احترام البروتوكول العسكري في مراسم جنازة الشّهيد حيث يقتضي البروتوكول أن يقوم وزير بتأبين الفقيد و أن يتم وضع جثمانه على مدفع و تغطيته بعلم حريري توضع فوقه قبّعته و الأوسمة التي تحصّل عليها طيلة مسيرته وهو ما تم تجاوزه في مراسم دفن الشّهيد الطاهر العياري.

جثمان الشّهيد محمول على الأكتاف أثناء الجنازة

– سوء استقبال و معاملة الأرملة و ابنها في مقر وزارة الدفاع عند انتقالهم اليها للتثبت من خبر وفاته يوم الواقعة. مطيع العيّاري حدّثنا باسهاب و ألم عن ذكريات ذلك اليوم متوقّفا طويلا عن تفاصيل تعامل الوزارة معهم من عدم قيام الوزارة باعلام العائلة باستشهاد الطاهر العيّاري الى أرسلوا الجثمان بعد 12 ساعة كاملة على الوفاة مرورا بالصندوق المحطّم الذي وصل فيه الجثمان و العلم المهترئ الملفوف به.
– عند وفاته, تتم ترقية الضابط بصفة آليّة و هذا ما لم يحصل مع الشهيد الطاهر العياري حيث تمّت ترقيته رسميا في 27 ماي 2011 و ليست مباشرة بعد استشهاده.
– ارتكاب أخطاء في الصّفحة الخاصّة بالشهيد الطاهر العياري في سجل قدماء الجيش الوطني حيث لم يشارك الفقيد في أي عمليات حفض سلام بالكونغو بل كان ذلك في بورندي. هذا و لم يكن الفقيد مجرّد ضابط مشارك بل كان قائد القوّات هناك و هو ما اعتبره ابنه, مطيع العياري, تنقيصا من شأن والده و تزييفا لتاريخه.
– الغياب الكامل في الذّكرى الأولى لاستشهاد العقيد.

و يبقى السؤال: لماذا؟

كل من واكب مراسم دفن العقيد الشّهيد الطاهر العياري لاحظ غياب الصبغة العسكريّة التشريفيّة الرسميّة في المراسم كما لم تنكر وزارة الدفاع غيابها الكلّي في الذكرى الأولى لسقوط الشّهيد…
يبدو السؤال الوحيد المطروح: لماذا؟
عائلة الشّهيد تحدّثت عن أن الاهمال الذي حصل كان مقصودا و متعمّدا و اتهمت السيد رشيد عمّار بوقوفه وراء ذلك. السيدة العياري وصفت قائد الاركان بأنّه “رمز النّضام السابق في وزارة الدّفاع“.
مطيع العياري اعتبر أنّ “المؤسّسة العسكريّة هي التي حمت الثّورة و لكن الثّورة لم تدخل بعد للمؤسّسة العسكريّة“.


النكران جريمة في حق التاريخ و اعدام لأي أمجاد مستقبليّة

بغض النّضر عن التفاصيل و الحيثيات, تكريم أبطالنا هي مسؤوليّة و طنيّة من أجل الذّكرى و الهاما للأجيال القادمة.
العقيد الشّهيد الطاهر العياري و كل شهداء تونس الأبرار الذين سقطوا في ساحات الوغى أو في مواجهة الطغيان هم مبراز لأمّة بأسرها.
التّقصير في حق العقيد و التقصير و التراخي في محاسبة قتلة شهداء الثّورة و المعاملة المخزية التي لقيها و يلقاها جرحى الثورة عي اشارات سلبيّة و خطيرة عن غياب الارادة الثّوريّة الحقيقيّة للقطع التام و النهائي مع دولة العنف منهجها و النكران ذهنيتها بنائا و تأسيسا لدولة حقوق و كرامة و عقليّة عرفان و تمجيد.

أوّل الخطوات لتونس الجديدة درس و أوّل محاور الدّرس مثال و خلاصة المثال رمز… الدّرس هو أن الأمجاد تصنع بالتّضحيات و نكران الذّات و المثال هو كل من دأب على ذلك ولم يمن على الوطن بدمائه و الرّمز هو اسم منقوش في قلوبنا جميعا مثل “الطاهر العيّاري”.