في حدود الساعة الثامنة و النصف مساءا و نظرا لكوني افتقد لوسيلة نقل تؤمن تنقلاتي لمواكبة اطوار حظر التجوال الذي فرضته وزارة الداخلية في اللبلة الفاصلة بين الثلاثاء 12والاربعاء 13 جوان 2012 , اتجهت في بادئ الامر نحو مركز شرطة العوينة حاملا معداتي و مرتديا ما يميزني كصحفي.

الاعوان وخاصة رئيس المركز استبشروا بمجرد تعبيري عن اعتزامي مرافقتهم كامل الليلة رغم ان الجيش اعترض في بادئ الامر ثم و بمجرد ان بينت له باني لن اقوم بتصويرهم واني ساكون في سيارة الشرطة و ساحاول تغطية تدخل الشرطة مع المواطنين اثناء حظر التجول و تدخلهم في صورة ما حدثت احداث عنف و شغب بالتنسيق مع اعوان الامن,حينها لم يجد مانعا ووافق على تصوير الامن و الجيش لانها دورية مشتركة على حد تعبيره على ان يكون التصوير بالتنسيق مع الطرفان.

رئيس مركز شرطة العوينة راى في مرحلة ثانية ولاعتبارات مهنية وجوب اخذ تصريح من طرف رئيس منطقة البحيرة ,حينها تنقلة برفقة الدورية نحو منطقة البحيرة اين تكثفت الاتصالات الهاتفية وهنا اشكر العديد من الزملاء الصحفيين الذين حاولوا قدر ما استطاعوا تسهيل الامور هاتفيا لاني لا املك بطاقة صحفي.

وبعد قرابة العشرين دقيقة من الاتصالات رجع رئيس المنطقة بخبر مفاده انه يجب الاتصال بالسيد خالد طروش الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية.

قلت له بان يتصل به من جهته بما انه رئيس منطقة خاصة و اني قد اتصلت برقم الهاتف القار لوزارة الداخلية دون نتيجة و لم اتحصل على اي شخص يرفع سماعة الهاتف,فاعتذر قائلا بانه حاول من جهته و لم يستطع التحصل على هذا الاخير.

و هنا السؤال الذي يتبادر الى الذهن كيف لرئيس منطقة في ظروف مماثلة و في حالة حظر تجول ان لا يتمكن من الاتصال بالناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية؟

في هذه الاثناء تمكنت من التحصل على رقم جوال السيد خالد طروش عبر زميلة صحفية ,هذا الرقم الذي ظل مشغولا لمدة طويلة الا ان تمكنت من سماعه يرن لكن دون مجيب ففكرت في ارسال ارسالية قصيرة لهذا الاخير وكانت الارسالية الاولى في حدود الساعة التاسعة و النصف قدمت فيها نفسي و مكنته من بسطة تصف مجريات الموضوع الذي احتجته فيه لكنه لم يكلف نفسه عناء اجابتي لا بالرفض او بالقبول و تواصل تجاهله لاتصالاتي مما جعلني ارسل له ارسالية ثانية ادعوه فيها الى رفع سماعة هاتفه لكن دون نتيجة.

حينها غادرت منطقة البحيرة مشيا على الاقدام في وقت لا توجد فيه سيارات تاكسي بحكم انطلاق حظر التجول منذ قرابة الساعة و اتجهت نحو العوينة و منها الى دار فضال مشيا على الاقدام.

في دار فضال لاحظت من بعيد السنة اللهب تتصاعد فظننت انه حريق لكن تبين لي لاحقا انها اطارات مطاطية وضعها المحتجون في الطريق كما تمكنت من سماع التكبير بين الفينة و الاخرى.

مع وصولي على عين المكان و على بعد ما يقارب الخمسمائة متر استطعت ان ارى مجموعة من المحتجين قرابة المائة شخص او اكثر.
في هذه الاثناء و قرابة الساعة من الزمن منذ انطلاق الاحداث الامن كان غائبا و كان يرى ما يحدث من بعيد دون ان يصل الى المنطقة المذكورة بحكم ان الدورية التي مرت على بعد كيلومتر من هذه المنطقة الساخنة تتبع منطقة البحيرة اي ولاية تونس في حين ان التوتر يحصل على بعد امتار من لافتة مرحبا بكم في ولاية اريانة.

وهنا السؤال : كيف لدورية مشتركة تضم الامن و الجيش ان تمر بجانب موقع توترات و اعمال العنف و لا تتدخل وتبقى تنتظر وصول امن اريانة؟

على كل بعد فترة من الزمن وصل الامن بكثافة و بمجرد وصوله اطلق وابلا من القنابل المسيلة للدموع تجاوز المائة طلقة
ووصل الغاز المسيل للدموع لكافة متساكني اقامة الياس المحاذية للممرات و الانهج التي احتمى بها المحتجون و ادخل حالة من الرعب و الترويع الى جانب حالات اختناق فما بالك بالسكان المحاذيين للمكان الذي تم في اطلاق الغاز مع العلم بانها منطقة سكنية مكتظة.

الجدير بالذكر هنا ان راية “لا الاه الا الله” السوداء تم رفعها على مستوى تقاطع الطريق اين تحترق الاطارات المطاطية,الحضور الامني كان كثيفا,اطلاق الغاز المسيل للدموع كان مكثفا ,فاعلية الامن في مواجهة المحتجين كانت منعدمة و توقفوا على مستوى الطريق دون الدخول الى الانهج.

سكان اقامة الياس لم يكونوا متعاونين معي و لم يتركوني اصور من شرفات منازلهم عدى بعض الشباب الذي تحمس للعمل الذي اقوم به راجين ان انقل الحقيقة كما هي.

كما قام احدهم بمرافقتي الى موقع الاحداث متكفلا بحمايتي,مع وصولنا كان الامن لا يزال بالمكان و بمجرد مغادرته تقدمنا نحو المحتجين الذين امتنعوا عن الحديث الي لكن ما ان عبرت لهم باني في صفهم و اريد نقل تدخل الامن العنيف و الاضرار التي تعرضوا لها انطلق بعضهم في الحديث الي معبرا عن مشاكل المنطقة الاجتماعية من جهة و حساسيتهم للاعتداء الذي يحصل على الدين الاسلامي و المقدسات.

هنا يجب الاشارة الى ان المحتجين كانوا باعداد كبيرة و منهم من يحمل سكاكين و هراوات و كلهم من ابناء المنطقة و من بينهم ما لا يزيد عن العشرة اشخاص ملتحين و يلبسون “قميص” هؤلاء تقدموا نحوي بغاية منعي من التصوير و هددوني و حاولوا ضربي و افتكاك الكاميرا معتبرين ان الصحافة تحارب الاسلام .

هنا تدخل اولاد الحومة و بالاخص الشخص الذي كان يحادثني عن البطالة و التهميش لحمايتي كما حاولت ان ابين لهم اني لم اصورهم بل ركزت على التدخل العنيف لقوات الامن و لم يهدا الا بعد ان عرضت عليه ما كنت بصدد تصويره و طلبوا مني ان كنت متمسكا ببقائي على قيد الحياة ان اغادر المكان دون رجعة.

الجدير بالذكر ان السلفيين ورغم قلة عددهم لهم سيطرة غريبة على اولاد الحومة و تفهم هذه السيطرة حسب ما عاينته و ما استمعت له من شهادات بانهم “عباد يخافو ربي و على حق و ليسوا على باطل” وهنا يجب على الجميع مساندتهم لانهم يمثلون الدين الاسلامي ضد اولئك الذين يستهدفونه.

في طريق العودة و على مستوى حي الطيب المهيري رافقني صديق بسيارته الخاصة في اتجاه الكرم و بالتحديد 5 ديسمبر.
في الطريق اوقفتنا دورية امنية للتثبت من هوياتنا ثم تركونا نواصل التقدم مع التاكيد على ان احداث شغب و عنف خطيرة تحدث في المنطقة التي نتوجه اليها كما نصحونا بالحذر الشديد.

و بالفعل كانت الاجواء مشحونة و شباب الحجارة في الانهج و سيارات الامن تجوب الطريق و تقوم بمداهمات من حين لاخر
نزلنا و حاولت ان اصور ما يحدث الا ان المحتجين منعوني من ذلك في بادئ الامر “ماتصورش” ثم بوابل من الحجارة و في النهاية هبوا هبة واحدة و لاحقوني في احد الانهج و تمكنوا مني .

الجميع كانوا ملثمين و قد ارتدوا قمصانهم على وجوههم ,احدهم مسكني و كان يحمل سكينا كما مسك مرافقي ايضا و اراد ان يفتك الكاميرا ,وهنا استعملت نفس التكتيك الذي يقول باني اصور الامن فقط و تصرفهم الهمجي لكني لم افلح هذه المرة الا بتدخل كهل ذو لحية خفيفة و يحمل نظارات طبية,قام بتهدئتهم و انصاعوا له في الحين و طلب مني ان اعرض عليه ما قمت بتصويره و كان له ما اراد.