قبل البدء في عرض  مضمون المقال و جب التنويه ان الامر لا يتعلق بمحاولة دعائية لصالح رئيس الجمهورية رغم ان هذا الخيار مكفول بمقتضى حرية  التعبير, اننا نفرق في هذا المقام بين مؤسسة الرئاسة  وشخص رئيس الجمهورية ومرجعيته وآداؤه.. ومن جهة أخرى وتبعا لارتباط مسألة  صلوحيات الرئيس هذه الايام بحيثيات تسليم البغدادي المحمودي فقد سبق لي ان نشرت مقالا بجريدة “الساعة الالكترونية” تحت عنوان “خطيئة تسليم المحمودي لا تبررها الشرعية القانونية”.. و قد صدّرت مقالي هذا بهذا التنويه بغية تمكين القارئ من فهم وجهة نظري في سياقها الطبيعي و التي تدافغ على هيبة مؤسسة الرئاسة عامة.

لقد باتت صورة رئيس الجمهورية ضمن الخطاب الذي تتداوله المعارضة ووسائل الاعلام, مقترنة بأبشع النعوت مجردة من الاحترام وابسط اداب اللياقة.. ويحدث هذا بفحش متكررحتى اصبح العامة والخاصة و الاطفال يتندرون بكركوز هو رئيس الجمهورية رمز السيادة الوطنية. لم يقف الأمر عند التندّر بالبرنس والمظلة والنظارات فوسائل الاعلام لا تتورع عبر النخبة السياسية والفنون الابداعية من  السخرية الجارحة والفجة, كل ذلك أسوة بالمعارضة الحريصة على هيبة الرئيس.. فليس غريبا اذن ان تحمل قصاصات وكالة الانباء الفرنسية نعتا للرئيس بالطرطور و في ذلك اعتداء على تونس. افلا يمس ذلك من هيبة الرئاسة حاضرا ومستقبلا وحتى بعد رحيل المرزوقي؟ افلا يمس من صورة تونس عامة؟ افلا يخشى الموغلون في ترويج هذا الخطاب ان تهتز صورتهم هم انفسهم وربما تتحسن صورة خصمهم نتيجة اللغو الفاحش؟

تعميم النقاش والنقد حول  ماهية السلط وصلوحيات الرئيس واجب وطني

ان الجدل القائم حول صلاحيات الرئيس يعد طبيعيا في تونس وذلك في ضوء ارهاصات المرحلة الانتقالية وفي خضم ارهاصات مسار صياغة الدستور.. وهذا الجدل مشروع حتى بعد صياغة الدستور باعتباره مظهر من مظاهر ممارسة حرية التعبير ومن متطلبات الحراك السياسي البناء.. و لنضرب في ذلك مثلا يحيلنا على فرنسا فرغم عراقة نظامها السياسي ورصيدها المؤسساتي العتيد فان الجدل يبقى متواصلا حول صلوحيات الرئيس  وصلوحيات الوزير الاول وهذا الجدل يتخذ منحى فقهيا قانونيا في مستوى اكاديمي ولكنه كذلك يبرز للسطح ارتباطا باحداث الحياة السياسية وتجاذباتها وهي عادة تخص السياسة الخارجية الفرنسية او العلاقة بالجمعية الوطنية في حالة عدم توفر حزب الرئيس على اغلبية برلامنية..

ويمكن الاحالة مثلا الى فحوى حوار اكاديمي فقهي جرى في السبعينات حول طبيعة النظام الفرنسي قد جرى بين فاليري جكار دستانو و فرانسوا متران وهو معتمد ضمن مقررات مدرسي القانون  والعلوم السياسية كوثيقة مرجعية تبرهن على اضطراب هوية  النظام السياسي الفرنسي واقترانه بالجدل المتجدد.
و لعل الفرص النادرة المتوفرة في دعم هذا الحوار و تفعيل المشاركة الموسعة في نقاش ونقد صلاحيات الرئيس انطلاقا من وضعية الحال متمثلة في تجربة ماهية الرئاسة ضمن التنظيم المؤقت للسلطات وبعيدا عن التهريج والتنابز بالالقاب والحسابات الحزبية الضيقة.

من المسؤول عن تدني الحوار حول صلوحية الرئيس وتحوله لغو فاحش؟

لقد بدأ جلد الدكتور منصف المرزوقي ومؤسّسة الرئاسة خاصة بعد ظهور نتائج الانتخابات وتشكّل الترويكا. و يمكن تفهّم جانب من هذه الحملات في اطار الحراك والصراع الحزبي. و لكن الامر اتخذ شكلا تصاعديا جرده من اللياقة السياسية والضوابط الاخلاقية بشكل اصبح يهدد صورة مؤسسة الرئاسة وهيبة الدولة حاضرا ومستقبلا وسنعرض في ما يلي عينات من هذا الخطاب وتداعياته السلبية:

لقد أقرّ الشعب والاطراف السياسية شرعية الانتخابات واعتبر المجلس التأسيسي مجسما لارادة الشعب في هذه المرحلة الانتقالية وهو من الناحية العملية المنفذ الوحيد الضامن لتحقيق اهداف الثورة من خلال تأسس اركان الجمهورية وادارة تسيير البلاد من خلال سلطة تنفيذية تحكم تحت رقابة المجلس وبالتفاعل مع مكونات الواقع التونسي الانتقالي بمختلف مكوناته وضوابطه المتعددة.. ولكن هذا الاجماع على الشرعية لم يمنع جزءا كبيرا من الطبقة السياسية الموجودة خارج الحكم من تكريس مغالطات وخطاب يساهم في تمييع المشهد السياسي وارباك مؤسسات الدولة  وذلك بالايهام ان الرئيس غير منتخب بدعوى محدودية الاصوات التي تحصل عليها في الانتخابات وهذا الامر يتم بسابقية الاضمار وبتجاهل ابجديات الديمقراطية التي تتضمن نوعان من الانتخابات التي تجسد ارادة الشعب اما عبر القتراع المباشر او عبر الاقتراع غير المباشر كما هو الحال في وضعية الرئيس منصف المرزوقي الذي اتخبه ممثلو الشعب مما يجعله رئيسا شرعيا لكل التونسيين بمقتضى الانتخابات وبمقتضى الدستور المعتمد حاليا وهو التنظيم المؤقت للسلطات ودلالة المؤقت تعود على الفترة الزمنية الخاصة بمدة صلوحية هذا الدستور ولا تقلل من فاعليته الكاملة والشاملة الى ان يتم ابطال مفعوله بعد المصادقة على الدستور الجديد, وبدو ن هذه الصلوحية النافذة لا يمكن تحقيق الانتقال المستهدف ولا يمكن صياغة الدستور و لا يمكن ضمان الحد الادنى في سير شؤون البلاد والعباد، وبما ان الدستور الصغير شرعي، وجب على الجميع التقيد به واحترامه، وبما انه وقتي فلا داعي من اكثار الجدل حول مضامينه، حماية للدستور النهائي ورفقا بالبلاد والعباد.
ألم يحصل توافق توافق موسع وتأييد شعبي على هذا المسار الذي بمقتضاه ينتخب المجلس التأسيسي الرئيس وتم استبعاد انتخابه مباشرة في هذه المرحلة التأسيسية فلماذا هذا التشويش والتخبط والجدل العقيم؟ ألم يكن واجبا متحتما المضي قدما نحو استكمال المسار والمحافظة على الوحدة الوطنية والامن والاقتصاد والدفع بآليات الديمقراطية الى تثبيت اجهزة الدولة والاعداد لمرحلة مابعد الانتخابات القادمة؟

لقد حدّد الدّستور الصغير الساري المفعول طبيعة النظام السياسي التونسي المؤقت وهو واضح المعالم مما يجعله نظاما برلمانيا بامتياز وقد اختار المجلس التأسيسي هذا الطابع للحكم وهو سيّد نفسه والوصي الشرعي على ارادة الشعب وسلطة تشريعية شرعية.. و الجلس التأسيسي مطالب بالانفتاح على كافة المكونات لتحقيق التوافق الوطني على القضايا الوطنية المصيرية، و بغض النظر عن خيارات الحكومة الظرفية التي تلزمها وتضعها امام اختبار الجزاء أو العقاب في الانتخابات القادمة، و بالتالي محاسبتها من قبل الشعب.. و النظام البرلماني يعتمد على أسس من بينها ان رئيس الحكومة يستند الى اغلبية في البرلمان مما يضمن الحد الأدنى لاستمرارية برنامج الحكومة وبالتالي عدم تعطيل السلطة التنفيذية أي استمرار سير الشؤون العامة والمرافق العمومية و تنفيذ ميزانية الدولة بمواردها ونفقاتها، و عدم تعطيل الادارة ، وضمان توازن سير السلطات وحفظ الامن والاستقرار و الالتزام بالتعهدات والمصالح الدولية المشتركة…

وباعتبار ان الاختيار قد تم على النظام البرلماني بشكل بات واضحا فان رئيس الحكومة يعيّن الوزراء و يترأس المجالس الوزارية و حكومته تخضع لرقابة البرلمان وهذا النهج ليس بدعة في الديمقراطيات بل لعله النموذج الاقرب لتجسيد الارادة الشعبية باعتبار انه يحد من الكاريزما والزاعاماتيّة الفردية المتضخّمة لمرونة التداول فيه وتقيّده بالاغلبية البرلمانية الدّاعمة كضامن لاستمرار مشروع الحكومة الذي يمكن تقويضه باسقاط الحكومة نفسها اذا ما اكتملت مبررات تشكل اغلبية جديدة تعيد توزيع المواقع كما ان النظام البرلماني يوفّر ادارة مباشرة للسلطة التنفيذية خالية من القداسة او المذهبية باعتبار الحكم عليها مرتبط بمشروعها وانجازاتها وليس بمرجعيتها… بل ان الديمقراطيات الحديثة اتجهت الى ما هو ادق وانجع باعتمادها نظام الحكم المحلي الكامل للأقاليم باستثناء الدفاع والخارجية.
وفي اطار هذا النظام البرلماني الذي تعتمده تونس اليوم لا مجال لان يكون للرئيس صلوحيات واسعة، وقد حسم الامر بصبغته المؤقتة، وهذا لا يقلّل من هيبة الرئيس، بل ان الرئيس في النظام البرلماني له بعد رمزي فهو رمز الأمّة بغض النظر عن شخصه وهو محل اجماع، وفوق الاختلافات، لا لنجاعته وانما لحاجة الشعب الى رمز ببعده المعنوي ولا يحشر في المناحي الاجرائية للدولة ولا يتدخل في يوميات السلطة التنفيذية وقراراتها وهو رمز الوحدة الوطنية يدعمه الجميع ويحترمه لا  لمواصفاته الشخصية ومواقفه أو لسلطاته الواسعة وصلوحياته الحاسمة و انّما لرمزيّته لانّه لو كانت سلطاته موسّعة لانتفت هيبته ما دامت كل القرارات محل نقاش واختلاف وجدل.. فهو فوق الاختلاف, ومن هذا المنطلق تسند له صلوحيات تخص الاوضاع النادرة كالقيادة الرمزية للقوات المسلحة او اعلان الحرب او الجانب البروتوكولي للسياسة الخارجية او تمثيل البلاد في المجامع الدولية الرّمزية او في النداءات والبيانات المصيرية للشعب التي تخص الوحدة الوطنية وسلامة البلاد او في التحكيم بين الفرقاء السياسيين في مسائل مصيرية بلغت انسدادا للافق او في بلوغ العلاقة بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية تضادا لا تحسمه القوانين او التصويت…

رغم هذا الوضوح التام في طبيعة النظام المعتمد  وشرعيته وطبيعة ظرفيّته بما انه قد حدد اجله خلال الربيع القادم و بالرّغم من عديد الصلوحيات الممنوحة للرّئيس و بروز حركيّته ومساهماته الميدانية في السياسة الداخلية والخارجية و تدخلاته اليوميّة في القضايا الساخنة فان صلوحيات الرئيس لا زالت تطرح بحماس مفرط من اجل اهداف لا تبعد عن الصراع الحزبي المبتذل مما يربك الوضع العام ويكرّس المنحى التأزيمي للوضع السياسي ولمسيرة الانتقال الديقراطي الذي تصبغ سمته بالارباك وعرض واجهة العجز وانسداد الافق و انتكاسة الثورة التي يدفع بها البعض كتعبير عن انتكاسة احزاب و اديولوجيات او حتى مصالح ضيقة. هذا الانحدار المنهجي ولّد تردّيا في الخطاب، من بين عناوينه دائمة الاستمرار، ما يلاك بشكل مقرف ومؤذي، لافتة “رئيس بلا صلاحيات” و “هيبة الدولة المهدّدة” حتّى جعلوا من عبارة “الطّرطور” اقرب للرئاسة، وكأنّهم يتجاهلون مخاطر هذا الخطاب في زعزعة حصانة مؤسسات الدولة عامة و انعكاسها على مختلف المسؤوليات بالنظم الادارية كافة حاضرا ومستقبلا..

أريد أن اطرح في هذا المستوى سؤالا مهمّا مفاده مقارنة في مواقف القوى السياسيّة والحزبية من الرئيسين فؤاد المبزع و المنصف المرزوقي. ألم يكن الرئيس المبزع رئيسا كامل الصلوحيات بمقتضى نظام رئاسي و هو الذي يحكم ويصدر المراسيم والأوامر ويعيّن الوزير الاول ويترأس مجلس الوزراء والقائد الأعلى للقوات المسلحة والرئيس المباشر للولاة والمسؤول الاول عن الخارجية و الامن؟ لماذا سكت الجميع عن تجاوزه من قبل الوزير الاول واستفراده بصلوحيات الرئيس؟ ثم أصلا هل عيّن الرئيس وزيره الاول ووزرائه؟ وهل كان له وجود أصلا قياسا بصلاحياته المعتمدة؟
سيميل البعض الى الاجابة بان  فؤاد المبزع كان قضاءا حتّمه الدّستور القديم و مخرجا اجباريّا، و لم يكن اختيارا فكان ملاذا لابد منه، و هذا الامر صحيح ومنطقي ولكنه ساري المفعول الى حين انتهاء ولايته.. و بعدها الم يكن من الممكن, بل من الاجدر، استبداله وفاقيا بمجلس رئاسي يقلّل من استمرار رجال بن علي في تحديد خريطة الطريق وآليات المسار الديمقراطي؟ لماذا لاذت المعارضة بالفرار خلال هذه المرحلة الحاسمة وفسحت الطريق على مصراعيه للسبسي وتشكيلته التجمعية  لتحديد المصير, و الاكتفاء بالتعويل على ممارسة الضغوط للتوجيه؟ ألم يكن ذلك الصمت استحسانا وتأييدا مبطنا لما قدّر انّه تحجيما لفرص الاسلاميين في الانتخابات التي كان الجميع يعلم انها كبيرة؟ ألم يكن هذا الهدف الاقصائي مبررا للرضى برئيس لا وجود له و قد عمّ الرضى بآلة تجمعية تهندس خارطة الطريق وترسم قانون اللعبة لتحديد المستقبل رغم أنّ مسارا آخر كان اجدر بنا ان نتبعه؟ في نفس الوقت, النهضة لم تكن محايدة في هذا المسار فقد رضيت به هي الاخرى ارتباطا بحساباتها الحزبية وتوقعاتها بان ذلك المسار يخدمها اكثر من غيرها..

لم يتحدث احد طيلة تلك الفترة الحاسمة عن الرئيس ولا عن هيبته وممارسته لصلوحياته ولم يهتم احد بعمل الحكومة التي كانت تبرم المعاهدات وتعقد الصفقات وتعين من بيدهم مفاتيح المؤسسات العمومية والادارات..

من يستفيد من تدمير صورة مؤسسة الرئاسة؟

بمجرد التلويح بترشيح الترويكا للدكتور منصف المرزوقي  كرئيس للجمهورية فتح عهد جديد في الخطاب السياسي المعارض تجاه الرئيس وانتهجت وسائل الاعلام نهجا جديدا جزء منه مفهوم يرتبط بمكاسب الثورة  وما جادت به علينا من حرية و لكن هذه الحرية سرعان ما تكثفت الى درجة النشوة التي قادت الى خطاب معربد تجاه الرئيس المنتخب الذي لا يذكر عند النخب السياسية وقادة الاحزاب ووسائل الاعلام الاّ بالسّخرية و التنكيل و التشويه و هذه بعض مظاهر الخطاب المتداول:

لقد تضمّن الخطاب حشوا لا ينسجم ومهمّة المعارضة ومسؤوليتها حيث اتّخذت منحا تهريجيا، فكان البرنس الذي ارتداه الرئيس بمثابة اللاّزمة الممجوحة و الحال انّ البرنس ليس مسألة جوهرية و هو من رموز الهوية الوطنية العريقة ميّز البربر و العرب ولا يحمل البتّة ايّة دلالة سلبية.. وكان هذا الرّمز الأصيل منطلقا لترصيف لغو ركّز على ربطة العنق الغائبة عنوة و على كل ما له صلة بالمظهر في الوقت الذي كان فيه سلوك الرئيس اعلانا صريحا في الاقتداء بمظهر بسيط يقترب من اصالة التونسي وبساطته ويلتزم بعدم الترفّع عن مظهر المناضلين و يحمل اشارات البعد الميداني لعمل الرئيس وتمسّكه بالاتصال المباشر.. وتواصل النقد الساخر لمظهر الرئيس متعدّيا الى التقليل من هيبته و الى الطّعن في أهليته, يتواصل كل ذلك بتركيز مفرط في السخرية والتقزيم ودون الاهتمام المضامين.. و لن تكون حكاية المظلّة التي ارتداها الرئيس آخر الاهتمات الجوهرية, فهل يعقل ان تمثل المظلة التي لا يستنكف اي تونسي من ارتدائها في فصل الصيف وقاية من اشعة الشمس مجرد مدعاة للسخرية وقد قدّت من سعف النخيل الباسقات؟
ألا يعد هذا المظهر الجديد للرئيس وما اقترن به من تعمّد تكسير لقواعد الثّراء والطقوس المبالغ فيها من الاناقة و تكثيف الابتعاد عن مظاهر التعالي والتميز بمثابة اعلان لنهاية الزعيم الأوحد المتخفّي وراء أقنعة البروتوكول المستورد، و في هذا كسر لحواجز تقديس الرئيس فتحا لباب نقده ومعارضته.

لو حاولنا تجميع الأوصاف المتداولة بكثافة واستمرار حول الرئيس سنجد أنفسنا أمام “الطّرطور” و “المغفّل” و “المجرّد من الصلوحيات” و “المتلاعب به” و “التابع” و “الجاهل” و “فاقد الهيبة” و “حقير المظهر” و “فاقد الاهلية” و “الدّمية التي يحرّكها الغير” و في هذا المقام انئى بنفسي عن بعض الكلام البذيئ في وصف الرّئيس و الذي نشر في بعض الصحف المعارضة و الذي يعد اعتداءا يعاقب عليه القانون اذا وصف به شخص عادي اي شخص آخر ولا يستثنى في ذلك الشخصيات العامة..
أمّا عن فحش الفايسبوك فحدث ولا حرج.. و لا شك انّ الفايسبوك هو رجع صدى لما تتداوله الطبقة السياسية حيث تفسح المجال للزيادة في الدرجة والنوع…

ان استعراض المكوّنات التي تشكل صورة رئيس الجمهورية في خطاب المعارضة ووسائل الاعلام لا يكتمل دون التأكيد على مشكل اساسي ولعله الاهم والمتمثّل في جانبه السمعي البصري حيث يعاد صياغة تشكيل صورة الرئيس وتسويقها للرّأي العام عبر التلفزيون والوسائط الرقمية ذائعة الانتشار, و يكفي هنا أن نشير الى طبيعتها الكاريكاتورية الموغلة في السخرية وقدرتها البليغة في تقزيم الشّخصية وتجريدها من كل الصفات الحميدة خاصّة أنّ هذه الصورة كان لها حضور مكثّف في وسائل الاعلام و محل استثمار مالي وفنّي شحذ فيه مجهود المبدعبن باطناب…

لم يقتصر الخطاب المشكّل لصورة الرئيس لدى الرأي العام على المظهر والشكل العارض بل طال المضمون الذي ركز على مستويين على الاقل:
1– المستوى الاول استمر في كل المواقع في التركيز الرافض لمحدودية صلوحيات الرئيس متجاهلا شرعية القانون المؤقت للتنظيم السلطات وهو لا يقل شرعية عن الدستور ويتميز فقط بمحدودية مدته الزمنية , والاصل في الامر ان تدفع ظرفيته وشرعيته الى تجاوز الجدل فيه حماية للانتقال الديمقراطي وادراكا بانه لا محالة متجاوزا بما سيقره الدستور الاصلي وهو مشروع قائم بناؤه وتشكيله.
2– المستوى الثاني يتعلق بممارسة الرئيس لسلطاته ومضامين قراراته وخطاباته و كل ما يصدر عنه.. وهذا مجال يستوجب استمرار التفاعل والنقد والجدل السياسي .. وفي هذا المستوى يلاحظ تركيز المعارضة على سلبية كل ما يصدر عن الرئيس سواء تعلّق الأمر بالشأن الداخلي او بالسياسة الخارجية.. وهذا أمر فيه تنسيب  كثير أي انّه لا يمكن توقّع التأييد التام لكل ما يصدر عن الرئيس و لا مناص من دفع المعارضة و الرفض و الضغط تجسيدا لمقتضيات الديمقراطية.. ومن وجهة نظري الشخصيّة  أرى ان أداء الرئيس كان ضعيفا كما ان هيكلة مؤسسة الرئاسة اتّسمت بالارتباك و التخبط و العشوائية خاصة في ما يتعلق بالتصرّف في المستشارين.. و لعل الجانب الاكثر تعثّرا يبرز في ضعف التنسيق و التكامل بين الرئاسات الثلاثة و هيمنة حزب النّهضة على ادارة المسار بأسلوب لا يخلو من الارتجال وغياب الخبرة و التردد و السقوط في ردة الفعل..

ان الخطاب الخاضع لهيمنة نزعة تقزيم رئيس الجمهورية عبر المبالغة في اساليب السخرية واللغو الفاحش  من شأنه أن يقود الى نتائج سلبية تتعدى شخص الرئيس الحالي لتطال مؤسسة الرئاسة في المستقبل, فهل يعي المدافعون على هيبة الرئاسة عبر تقزيم الرئيس الحالي انهم يهدمون هذه الهيبة بأيديهم و انهم يؤسسون لمستقبل لن تحترم الرئاسة في حدّها الادني المطلوب الاّ بعودة اسلوب القمع و القبضة الامنية؟ ألا يدركون أنّ التسيّب كسلوك متداول تشرّع له الطبقة السياسية و وسائل الاعلام, لا يمكن العدول عنه بانتهاء ولاية المرزوقي فيتحول الى سمة اجتماعية طاغية لا تتقن الا الرفض؟

الا يفتح هذا اللغو  الفاحش القافز على الديمقراطية و أخلاقيات السلوك السياسي  و المتشبّث بهيبة تستند الى الأناقة و التكلف و التعالي المفرط و الامعان في ابراز مظاهر السلطة والزعامة.. الى ما يوحي ببحث عن شبيه ببورقيبة و بن علي؟
و من جهة اخرى, الا يفتح هذا الفحش الباب على تأويلات تسند شروطا غير معلنة للرئيس تعطي الاولوية للون البشرة والمظهر وربما حتى الانتماء الجهوي؟

و ختاما, اؤكد ان محتوى المقال لم يهدف الى الدفاع عن شخص الدكتور المنصف المرزوقي او اداء الترويكا الحاكمة بقدر ما ينبّه الى ضرورة ادراك اهمية المحافظة على صورة مؤسّسة الرئاسة التي ينبغي ان نحافظ على رمزيتها ودورها في تكريس الوحدة الوطنية، وصورة تونس ومكانتها بغض النظر عن الاشخاص و الاحزاب، و هذا المقصد حاجة وطنية ثابتة, كما ان هذا الطرح لا ينبعي ان يمس من مكسب حرية التعبير وحق النقد وحق وسائل الاعلام في حرية التعبير بالاشكال المتعددة دون تمييع لمقتضيات الحرية المتضمنة ادراكا وتقديرا مدروسا لتأثيرات الخطاب المعتمد ونتائجه العاجلة والآجلة.