عندما تشتد حرارة الطقس وتتغير الحياة اليومية للتونسي, وينطلق موسم الخلاعة وسهرات السمر والبحث عن فرص الاستجمام اليومية , تشتد مغالبة وزر طلبات المصروف المتزايدة , ويشتد العرق والأرق الناجم عن الضجيج . يهجر التونسي بيوت الجلوس وبيوت النوم , ملازما فسحة الهواء الطلق…ولو فوق السطوح..في هذه الاجواء الصيفية كانت الفرص مناسبة جدا للزيادة في الاسعار , ما دام الصيف موسما لهجرة الشأن العام , امعانا في الانشغال بالشؤون الخاصة , وما فيها من التزامات اجتماعية واعباء التصييف وواجبات الاعراس وتهاني النجاحات المدرسية , وهناك من يجد في الصيف سبيلا للمتعة ومطية للتسكع حتى مطلع الفجر…

لعل الصيف يترك بصمته في كل المجالات فاذا كانت الانتاجية في المؤسسات العمومية متدوهرة عند التونسي طيلة السنة حيث لا يتجاوز معدل العمل الفعلي لدى الكثير 40 بالمائة من ساعات العمل المبرمجة.. ولما يأتي الصيف يصبح العمل الفعلي اقل بكثير من المعدل العادي ، ولو ان عددا مهما من الموظفين يقدمون انتاجية محترمة ويعملون ساعات اضافية بدون مقابل..وفي الصيف تزدهر انشطة استراتيجية وتحقق اسهمها ارتفاعا قياسيا كمجال كراء الكراسي والطاولات و” الكنستروات” وتحقق الشيشة والجعة والمضخمات الصوتية ذروتها.. كما ان المستهلك يقبل بلا هوادة على الوان من الشطائر والمقليات والمثلجات ، وبذلك يحقق انتعاشة كبيرة للمواد غير الصحية..

ولو نظرنا من زاوية اخرى نجد هذه الاجواء الصيفية مثالية كذلك لاجراء المحاكمات السياسية , وفرصة سانحة لعقد الصفقات القذرة ..وحتى التعيينات والنقل في المناصب الادارية السامية , التي كانت عادة ما تحدث في الصيف .

كأني بالجميع هذه الايام , لا يدخر جهدا في تكريس عدم الاهتمام بالاولويات , اللهم اولويات الاستعداد لرمضان المعظم , التي لا تقبل النزاع , خاصة ما تعلق منها بلزوميات المصروف الزائدة , والسهريات عديمة الفائدة , واما وقد اقترن رمضان بالصيف فحدث ولا حرج…

الثورة والحكومة والصيف… من الضيف ؟

بعد الثورة , ياتي الصيف والوضع مغمور باستمرار بطوفان اهتمام الجميع بالسياسة وما جاورها… ولعل كثرة الاحدات المتعاقبة , المرفقة في غالب الامر بالعنف اللفظي والمادي والتجاذبات المتشنجة التي لا حد لها., والتي يتبعها لغو فايسبوكي فاحش , وسرعان ما ينتقل الى المجالس الشعبية والنخبوية بمختلف سياقاتها.

خلال الموسم الصيفي , لا احد يستطيع ان ينكر ان نسبة مشاهدة نشرات الاخبار ومشاهدة التلفزة تتقهقر تماما , كما تتقهقر نسبة الخصوبة لدى الازواج القدامى ولكن التراجع الحقيقي والحاسم يمس المصروف ونسبة الائتمان المستوجبة “للمرمة” اللازمة والمتأكدة كدهن لابد منه لجزء من المنزل خاصة بمناسبة ختان طفل في الحي … وصيانة السيارة ان وجدت وشراء ملابس تليق بحضور عرس ابن الجيران او احد الاقرباء العابرين, ولا منقذ من مطبات معركة التوفير المستعصي .. لمواجهة الصيف ولمواجهة الحيف…فهل يجوز والحال تلك ان نهتم باخبار مبادرة السبسي..

مع تواتر اخبار الارتفاع غير المسبوق للحرارة , او هكذا يقولون ,..تخترق السياسة بمعية الدرجة الخامسة والاربعون جدار الصهد , مستفيدة من تراجع العلاقة مع الميديا المجنونة … وهذا ما يجعل حكايات المحمودي ومصير النابلي والمرزوقي والجبالي والباجي غير ذات بال ولا تحظى بالاهتمام..

يشتد الحر ويستمر السهر وعلى وقعهما .تتناقض الوضعيات بين البحر والخلاعة والشراب والدلاعة.. ولاهل الدخل المحدود شأن آخر مستتر عذابات..ومعاناة وخطر ولكن الامر يستمر…

صديقنا الصيف يدعي انه متعال عن السياسة ببساطته وشعبيته ومرحه … حتى انه يجعل من السياسيين مجرد مصطافين..او ضيوف عاديين في حفلة عرس..

الصيف يجعل ضمن واجهاته الاستعراضية المتعددة ضيوفا يصنفون سوبر صيافة . انهم بلا ريب المهاجرين العائدون الى ارض الوطن حاملين معهم لكنة الغرب وفوضى العرب.
ولدى النهضاويين والمهتمين بهم لا حديث الا على المؤتمر..ومؤتمر النهضة هذه المرة يتم في الصيف , فبعد المهجر وسطوة السيف , هبت نسمة الحرية , وانقلب المشهد فتغيرت الوان الطيف , واصبح السجين حاكما والحاكم ضيفا.. فهل هي نزهة المشتاق , ام سحابة صيف ؟