يوم الخميس الماضي 30 أوت 2012 تطرّق برنامج “ملفّ الساعة” على شاشة قناة حنّبعل الفضائيّة إلى ملفّ “القنّاصة” و أعاد بثّ تصريحات رئيس لجنة تقصّي الحقائق السيد توفيق بودربالة التي أدلى بها منذ شهرين و نصف على نفس قناة حنّعل خلال برنامج “فضاء حرّ”.

تحدّث السيّد بودربالة في سياق مداخلته بالتلميح عن واقعة مقتل الشهيد أمين القرامي في مدينة بنزرت و نسَب الفعل الجرمي ل”مجهولين” و اعتبر أنّ الرّصاصة التي أصابت الشهيد القرامي “ضائعة”.

موضوعيّا فإنّ تصريحات السيّد بودربالة مخالفة للحقائق التي وثّقناها خلال بحث أفردنا به قضيّة الشهيد أمين القرامي نظرا لخصوصيّتها، حيث أفرزت القضية في بداية الطور التحقيقي المدني ثمّ خلال التحقيق العسكري بالأدلّة و البراهين عن مسؤوليّة قنّاص من جيش البرّ في قتل الشهيد القرامي.

للتذكير نستعرض جزئيّا بعض أهم نقاط البحث الذي قمنا به، فقد أكّد الطبيب الشرعي في خلاصة تقريره بعد تشريح الجثّة أنّ السلاح الذي استُعمل لقتل القرامي عالي الدقّة و أنّه ليس أوتوماتيكيّا, علما أنّ تقرير الطبّ الشرعي صدر منذ 22 مارس 2011.

كيف إذا للسيّد بودربالة أن يصف الرّصاصة بأنّها “ضائعة” ؟ ألم يطّلع على تقرير الطبّ الشرعي ؟

إضافة إلى ذلك فإنّ قاضي التحقيق المدني ببنزرت السيّد عماد بوخريص قد خَلُص خلال بحثه الدقيق و المُفصّل علميّا إلى الجزم بأنّ الرصاصة أُطلقت من داخل ثكنة جيش البرّ المقابلة للنافذة التي كان يقف حذوها الشهيد أمين القرامي.

كيف إذا لرئيس اللجنة الوطنية ل”تقصّي” الحقائق حول التجاوزات والانتهاكات المسجّلة خلال أحداث الثورة أن يصرّح في الإعلام بأنّ من أطلق النّار على الشهيد أمين القرامي “مجهولون” ؟ لو كان السبب وراء تصريح السيد بودربالة جهلا بالوقائع فلا يُعذَرُ الجاهل بجهله في مثل هذه القضايا المفصليّة في تاريخ تونس، لكنّ قرار تخلّي القاضي المدني عن القضيّة ليتكفّل بها القضاء العسكري وفق النصوص القانونية نظرا لتورّط عسكري في الجريمة صدر يوم 31 مارس 2011، في حين أنّ تقرير لجنة تقصّي الحقائق نُشر خلال شهر أفريل 2012 و أنّه عُرض على رئيس الجمهورية يوم الإربعاء 2 ماي 2012، وفق أحكام المرسوم عدد 8 الصادر بتاريخ 19 فيفري 2011، علما أنّ تقرير الأستاذ بودربالة من المفترض أن يُغطّي الأحداث انطلاقا من 17 ديسمبر 2010 إلى حدود 23 أكتوبر 2011.

إذا تاريخ نشر تقرير لجنة الوطنية لتقصّي الحقائق حول التجاوزات والانتهاكات المسجّلة خلال أحداث الثورة هو أفريل 2012 و تصريحات رئيس اللجنة في قناة حنّبعل حول مقتل أمين القرامي مرّ عليها شهران و نصف، لكن بعد التحقيق المدني حتّى القضاء العسكري أقرّ بأنّ قنّاصا من جيش البرّ مُتّهم بقتل القرامي، و قام باستنطاقه يوم 29 أكتوبر 2011.

فهل الأستاذ بودربالة مُتملّك أكثر من الملك ؟ على كلّ حال أقلّ ما يُمكن أن يُقال في تصريحات رئيس لجنة تقصّي الحقائق أنّه لا علاقة لها لا بالتقصّي و لا بالحقائق و لا تليق بلجنة من المفترض أن يكون تقريرها اللّبنة الأولى لإنجاح مسار العدالة الإنتقالية في تونس.

و كانت الناطقة باسم لجنة تقصّي الحقائق هاجر بالشيخ أحمد قد أعلنت يوم 14 ماي 2012 أنّها إستقالت من منصبها منذ 11 ماي 2012 و أنّ الإستقالة على علاقة بمُحتوى تقرير اللجنة دون الإفصاح عن التفاصيل.

من ناحية أخرى إتّصل بنا والد الشهيد أمين القرامي لنوثّق ردّه على تصريحات رئيس لجنة تقصّي الحقائق حول واقعة واقعة مقتل ابنه يوم 17 جانفي 2011، إذ إتّهم السيد حسن القرامي توفيق بودربالة بإخفاء الحقائق عمدا و التستّر على القنّاصة.