الى المدافعين عن حرية التعبير …الى الديمقراطيين…الى المدافعين الشرسين عن الحق في الاختلاف …اما بعد

ليس هناك بيننا من هو معصوم من الخطا و الخطا جائز و انساني,اريد في البداية ان اتفاعل مع الانتقادات التي وجهت الى فحوى ما جاء على لساني من لوم للفتاة التي وقع اغتصابها بناءا على الحوار الذي اجراه معها موقع جدل و هنا مربط الفرس فقد بالغت في قراءة ما جاء على لسانها بانه استسلام و خنوع بما اني شخصيا كنت و لازلت و سازال مع المقاومة و الدفاع عن النفس بكل الاساليب و الطرق المتاحة …لكن اعترف ايضا بانه صدق مثلنا الشعبي القائل بانه : ما يحس الجمرة كان اللي يعفص عليها….فلست على دراية بالظروف التي رافقت هذه الحادثة الشنيعة و لكني على يقين و ساناضل من اجل ان يقوم المواطن بما في وسعه لحماية حرمته الجسدية في بلد تنتهك فيه الحرمات على اختلاف الحكومات,فالبنسبة لي التصرفات المقززة لبعض عناصر الامن التونسي لا اربطها بالظروف السياسية فهذه الانتهاكات و الاعتداءات الصارخة على الذات الانسانية خبرناها و عهدناها من امثال هؤلاء منذ زمن طويل,والتنديد بها و التعامل معها عاطفيا في صورة وقوعها لن يكفينا و لن يجنبنا مغبة حصولها مرات و مرات في المستقبل.

من العادات و التقاليد و الاعراف المجتمعية التي غرسها في بعضنا القمع و كرستها في معظمنا الديكتاتورية هي ما اسميه بثقافة الخوف ,و الخوف ممن يمثلون سلطة القانون ليس عيبا في الديمقراطيات العتيدة و المجتمعات المتحضرة…الا انه و في مثل مجتمعنا اي في المجتمعات المتخلفة يصبح وسيلة لتسهيل قذارات القذرين من بعض اولئك الذين يمثلون سلطة القانون.

و عليه فانه على مجتمعنا ان يتقن من هنا فصاعدا التصدي لكل من يتجاوز سلطته و يستغلها لاغراض قذرة بكل الوسائل و الاساليب المتاحة و هذه هي الفكرة مع اعتذاري للفتاة الطرف في هذه الحادثة فقد اكون قد حملتها ما لا طاقة لها به في موقف مقزز و قذر كالذي وصفت اطواره و مجرياته.

ثانيا اود ان ابين لمجتمعنا المدني و لساستنا باننا نعاني من بقايا نظام متعفن و ان اغلب الادارات التونسية و الجهات الحكومية و مفاصل السلطة التنفيذية و القضائية لا يزالون يعانون تبعاته الى اليوم …و عليه فانه علينا جميعا حكومة و معارضة و مجتمعا مدنيا ان نحارب هذه الظواهر المشينة و ان نواصل محاربتها بما انها خارجة عن مسؤوليتنا و موجودة منذ امد طويل ,الا ان السكوت عنها و تبريرها و محاولة طمسها من اي جهة كانت هي بمثابة المشاركة فيها و مباركتها.

و هنا الرسالة موجهة الى القائمين على شان البلاد على اثر اول انتخابات حقيقية و دون ان ننسى على اثر ثورة اتت للقطع مع النظام البائد.

ثالثا اذا كنتم جميعكم تناضلون من اجل ديمقراطية يكون فيها القضاء مستقل فعليكم ان تتركوا القضاء و شانه…فاستقلالية القضاء يجب ان تكون عن الحكومة و عن اجهزة الدولة من جهة و عن سلطة الشارع من جهة اخرى. فالضغط تحت يافطة التعامل العاطفي مع القضايا من شانه ان يدخلنا في منعرج خطير فافكارنا و ملاحظاتنا و تحاليلنا ليست و لن تكون متجانسة.

كما وجب التذكير بان معظم الحقوقيين و المدافعين عن حقوق الانسان وممثلو المجتمع المدني سقطوا في نفس الفخ الذي سقطت فيه وزارة الداخلية في قضية الفتاة التي وقع اغتصابها على حسب ادعائها من طرف اعوان دورية امن ,و تم ربط قضيتين منفصلتين في قضية واحدة.

فالنيابة العمومية تحركت بناء على ما يفيد تواجد الفتاة في وضع مخل بالاخلاق الحميدة على اثر ايقاف اعوان الامن المتهمين باغتصابهاو لم يقع اثبات هذه التهمة و لا اثبات تهمة الاغتصاب .و في صورة اعتراف الفتاة بما نسب اليها و اذا ما تحدثنا بلغة القانون دون الاحاسيس و التعاليق المنمقة ,فان الاعتراف بالمداعبة الفمية او ايتاء حركات من شانها المس بالاخلاق الحميدة في الطريق العام يبرر تحرك النيابة العمومية و احالة الفتاة على القضاء. وهنا قضية مستقلة بنفسها لا يجب في اي حال من الاحوال ربطها بقضية الاغتصاب لا للتبرئة او للتجريم.

هذا لا يعني ان هذا القانون ليس جائرا فمناقشة مثل هذه القوانين المعمول بها موضوع اخر و ليس بمحله و انما يعود الى السلطة التشريعية و هي السلطة التاسيسية حاليا المتمثلة في المجلس التاسيسي, و لست هنا في موضع تقييمي للقانون لكن اتحدث بمنطق علوية القانون الموجود و القائم الذات و المعمول به سواء كان جائرا ام لا.

فيما يتعلق بقضية الاغتصاب فهي قضية ثانية مستقلة بذاتها والتي يجب ان تتوفر اركان الادانة فيها فالمتهم بريء حتى تثبت ادانته…

و في المادة الجنائية القاضي يستند الى مجموعة وقائع يجب ان يثبت حصولها كي تتم الادانة. و هنا يجب الاشارة الى انه فتح تحقيق في الغرض و الاعوان المتهمين في حالة ايقاف و نحن بانتظار ما ستؤول اليه التحقيقات.

ورغم ايماني بعدم استقلالية القضاء التونسي و بالتداخل الصارخ بين السلطة التنفيذية و القضائية الا انني لا استطيع التعامل مع قضية من هذا النوع بالاستباق و التوقع و لا يسعني الا الانتظار و في نفس السياق اوجه رسالة للقضاء التونسي بان يكون حذرا هذه المرة فتونس قبل الثورة ليست تونس الان و القضية اصبحت قضية راي عام و ليس للقاضي سوى ان يحكم ضميره و يطبق القانون دون سواه بمعزل عن الضغط سواء كان ماتاه جهات حكومية او من المجتمع المدني.