في الأسبوع الفارط, إلتقيت أحد أصدقائي الذي كنت قد تعرفت عليه في فرنسا في مرحلة الدراسة, هو جامعي و أصيل مدينة صفاقس. كنا نتحدث عن الشأن في تونس والإنتقال الديمقراطي و الحكومة الحالية و عن التجاوزات التي حصلت أخيرا من حيث وفاة أحد الموقوفين تحت التعذيب و حادثة إغتصاب الفتاة في عين زغوان,,, و كنت أستغرب لظهورمثل هذه التجاوزات في زمن ما بعد الثورة و كنت أتصور أن هناك بعض التضخيم و التهويل لبعض الوقائع من طرف صفحات التواصل الإجتماعي ولكن صديقي كان مختلفا معي في هذه النظرة معتبرا أن التعاطي الأمني مع الموقوفين في تونس هو جزء من منظومة ترسخت منذ فترة حكم بن علي ثم إستشهد بواقعة غريبة حصلت له في شهر أوت 2010 أي ثلاثة أشهر قبل الثورة في إحدى مراكز أمن مدينة صفاقس.

يقول محدثي كانت الساعة حوالي الواحدة ظهرا و كنت أتجادل مع إمرأة في إحدى طرق مدينة صفاقس دون أن يصدر مني أي تبادل للعنف أوهتك للأعراض (وكل هذا موثق), ثم فجأة إقترب مني شخص طوله في حدود المتر و ثمانين صنتمترا يرتدي سروال دجينس وقبعة على الرأس و يلبس شلاكة, و طلب مني إصطحابه إلى مركز الأمن. و لكنني شككت في أمر الرجل الذي لم يكن يوحي البتة بأنه من رجال الأمن, وطلبت منه الكشف عن هويته, فأردف الرجل بأنه شرطي ورفض إظهار بطاقته المهنية, و أصريت منه على إثبات ذلك إلا أن الرجل مسكني بكلتا يديه من عنقي محاولا جري بالعنف قائلا لي:

تو نوريك,تو إنـــــــــــ…………..أمك القـــــــ… يا مــــــــــــــــــ….

و بعد دقائق وصلت سيارة رباعية الدفع فيها عدد من الأشخاص تبين فيما بعد أنهم من رجال الأمن حيث قاموا بتكبيل يدي و أخذوني بالقوة إلى مركز الشرطة. ثم قام أحد الأعوان بغلق باب المركز و قام كل من هب و دب بضربي على الوجه و القفا والحزام و الظهر. كان الضرب بالأقدام و باللكم و الصفع, حتى فقدت البصر وقتيا للعين اليسرى, و تواصل الضرب و الإهانة و كنت ملقى على الأرض حتى كدت أفقد الوعي لأنني لم أعد قادرا على التنفس من شدة الضرب. و كان الرجل الذي مسكني في البداية من عنقي, قبل إدخالي لمركز الأمن, هو الذي يقود العملية. لقد كان يدعى نور الدين وكان يقول لي: سأفتح سروالي و أجبرك على مـــــ….. ثم يردف بعد ذلك: لحم جسمك ناعم و أشتهيك, سأفاحشك,… ثم لم يجرأ على فعل أي شيئ لأن معنوياتي كانت قوية وردودي كانت متحدية. و لكن الرجل كان يواصل سب الرب و ناعتا إياي بالمــــ……. و سيفاحش أمي القـ…..

أش عملتلكم,,,, شبيكم تعذبو فيا…ما نيش خوانجي باش تضربوني هكا…. رددت عليهم.

لقد كان الدم ينزف من أنفي و من عديد الأماكن من بدني جراء الضرب الحيواني الذي تعرضت له من أعوان مركز الأمن وأخرها العون المكلف بالبحث و التحقيق الذي كان يدعسني برجله اليمنى و محاولا ضربي بعصا كان يخفيها في الخزانة. و قال لي : تو ندخلك الحبس يا مــــ… يا ولد القـــــ… ومواصلا ضربي و لكمي في كل مكان من وجهي. كان كل ذلك الضرب و التنكيل و التعذيب مجانيا لأنني لم أمتثل لكلام الرجل الذي رفض إظهار هويته الأمنية فما بالك بموقوفي الحق العام و الموقوفين السياسيين.

ثم بعد ساعة خرجت من مركز الأمن و كان رئيس المركز ل.ع. يظن أن الموضوع قد إنتهى, لكني تقدمت بشكوى إلى وكيل جمهورية صفاقس مدعما شكواي بصور للأضرار التي لحقت بجسمي و بالتقرير الطبي المصاحب. ثم قدمت شكوى إلى رئيس إقليم مدينة صفاقس ب خ و تم إستدعاء المتهمين الثلاثة بما فيهم رئيس مركز الأمن وحصلت المكافحة بيني و بين رجال الشرطة الذين كذبوا كل ما حصل و جلبوا شخص مسكين (عامل يومي) وهو من شهود الزور الذين يعتمدون على شهاداتهم كل مرة وهو من سكان الحي القريب من مركز الأمن ليشهد أن الشرطي لم يقم بضربي في الشارع.

ثم سافر محدثي بحكم إلتزاماته المهنية إلى الخارج و بعد عدة أشهر علم عن طريق محاميه أن القضية التي تقدم بها تجاه أعوان الأمن, قد حفظت لغياب الأدلة, في حين تم تلفيق قضية تبادل عنف لمحدثي في نفس اليوم الذي تعرض فيه للضرب و التعذيب وحكم عليه غيابيا بستة أشهر سجن مع تأجيل التنفيذ لا لشيئ إلا لأنه تجرأ على تقديم شكوى ضد رجال الأمن. لقد قام محدثي بإستئناف الحكم و تم إلغاء الحكم بالسجن من طرف المحكمة إبان الثورة. لقد تقدم محدثي بشكوى إلى وزير الداخلية في وقتها رفيق بلحاج قاسم و إلى المتفقد العام لقوات الأمن الداخلي و لكن بعد أخذ أقوال محدثي فإن الموضوع تم حفظه مرة أخرى بعد الثورة في فترة الحبيب الصيد لغياب الأدلة حسب قولهم, و كأن كل عملية تعذيب أو تنكيل يجب أن يحضر فيها شهود داخل مراكز الأمن لإثبات ما يحصل. يهدف هذا المقال إلى كشف بعض ممارسات البعض من أعوان الأمن المحلفين و لكنهم يستغلون ذلك للكذب و قلب الحقائق و التلفيق و كل ذلك بغطاء من الكوادر الأمنية و ممثلي وزارة العدل.