“…إنّ الدول الأطراف في هذا النظام الأساسي :…. وإذ تؤكد أن أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره يجب ألا تمر دون عقاب وأنه يجب ضمان مقاضاة مرتكبيها على نحو فعال من خلال تدابير تتخذ على الصعيد الوطني وكذلك من خلال تعزيز التعاون الدولي…وقد عقدت العزم على وضع حد لإفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب وعلى الإسهام بالتالي في منع هذه الجرائم….”
(ديباجة نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، حــُـرّر : في روما في اليوم السابع عشر من تموز / يوليه 1998)

يشير المركز العربي لإستقلال القضاء و المحاماة أنّ “المحكمة الجنائية الدولية أنشأت بموجب ميثاق روما في 17 جويلية سنة 1998 ، ودخل نظامها الأساسي حيز التنفيذ في 1 جويلية 2002 ، وقد بلغ عدد الدول المصادقة على نظام روما الأساسي 121 دولة ، 33 دولة من أفريقيا، 18 دولة من آسيا، 18 دولة من أوروبا الغربية، 27 دولة من أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي، 25 دولة من جنوب أوروبا ودول أخرى.

ويذكر أن 13 دولة عربية وقعت على نظام روما الأساسي و هي: الأردن والإمارات والبحرين والجزائر وجيبوتي والسودان وسوريا وعمان وجزر القمر والكويت ومصر والمغرب واليمن، إلا أن 4 منها فقط صادقت عليه وانضمت للمحكمة وهي (الأردن، جيبوتي، جزر القمر وتونس ) ولم توقع عليه 6 دول عربية هي قطر، لبنان، العراق، السعودية، ليبيا، وموريتانيا .”

في إطار قضايا شهداء و جرحى الثورة بتونس قدّمت مجموعة ال25 محاميا يوم 9 ماي 2012 بحثا حول إمكانيّة إرساء مُجمّع قضائي متخصّص يتعهّد بالقضايا المفصليّة الحالية في تاريخ تونس و ذلك من منطلق معاينة الإخلالات المتراكمة للقضاء العسكري و المدني و تغوّل المؤسسة الأمنية دون رقيب أو حسيب و من منطلق أنّ :

“حجم الإنتهاكات المسجّلة ببلادنا في العهد السابق و خصوصيتها تجعل من المنظومة القضائية الحالية غير قادرة على تكريس آليات العدالة الإنتقالية ممّا يجعلها في حاجة ملحّة إلى المراجعة و التطوير على مختلف المستويات”

إثر ذلك عقدت مجموعة ال25 ندوة تعرّضت فيها لإمكانيات التقاضي الجنائي الدولي فيما يتعلّق بقضايا شهداء و جرحى الثورة التونسية حيث خلُص الناشط الحقوقي الأستاذ عمر الصفراوي المنسق العام لمجموعة ال25 أنّه في ظلّ واقع حال الملفات المُنشورة أمام القضاء العسكري يستحيل الوصول إلى الحقيقة ماعدى رمي الرذاذ على العيون و تقديم أكباش فداء، و أنّ هنالك إرادة واضحة لغلق ملف الشهداء و الجرحى على عِلّاته، و إستنتج الأستاذ الصفراوي أنّ هذه القضيّة يُراد أن تُغلق دون أن تُعرف الحقيقة، بما أنّ عدّة أشخاص متورّطين ليسوا مشمولين بالأبحاث.

من جهة أخرى أكّدت مديرة مكتب هيومن رايتس ووتش في تونس الدكتورة آمنة قلّالي خلال ندوة عقدتها عائلات شهداء الكرم الغربي بالعاصمة يوم السبت 28 جويلية 2012 أنّ هنالك عوائق قانونية و موضوعية تحول دون إمكانيّة اللجوء للقضاء الجنائي الدولي بالنسبة لقضايا شهداء الثورة و تتلخّص حسب رأيها في إشكاليتين و هي أوّلا عدم مُصادقة الحكومة التونسية على الفقرة الثالثة للفصل 12 من نظام روما الأساسي الذي يعطي للمحكمة الجنائية الدولية إختصاصا رجعيّا يشمل الجرائم التي اقترفها النظام أيّام الثورة، أمّا الإشكال الثاني فهو الإختصاص الموضوعي للقضاء الجنائي الدولي و هي ثلاثة جرائم دولية جسيمة : الجرائم ضدّ الإنسانية، الإبادة الجماعية، و جرائم الحرب، بينما ترى الدكتورة قلّالي أنّ إمكانية إثبات أنّ القمع الذي حصل أيّام الثورة يرقى إلى درجة “جرائم ضدّ الإنسانية” مُعقّد و ليس في المُتناول.

قبيل الجلسة الأولى لقضيّة “شهداء تونس الكبرى” يوم الخميس 11 أكتوبر 2012 أمام محكمة الإستئناف العسكرية بتونس إلتقينا بأخ الشهيد منتصر بن محمود أصيل منطقة الكرم الغربي بالعاصمة الذي أشار أنّه إلى الآن لا توجد نيّة معرفة من قتل شهداء الكرم و عبّر عن إحباطه من القضاء العسكري.

على خلفيّة ذلك حاورنا الأستاذ شرف الدين القلّيل عضو مجموعة ال25 فأحاطنا علما بأنّ مجموعة ال25 ستُقدّم دراسة حول الإمكانية الفعلية للجوء إلى القضاء الجنائي الدولي في قضايا شهداء و جرحى الثورة.

منظومة قضائية مُختلّة تُفرز تحقيقات سطحيّة

أشار الأستاذ القلّيل أنّ مجموعة ال25 أثبتت بالأدلّة أنّ المنظومة القضائية العدلية و العسكرية ليس لديها إرادة تعميق البحث التحقيقي الجزائي توصّلا على الأقلّ للهويّات الأوليّة للجهات المنفّذة لتعليمات القتل، للجهات المصدرة لتلك التعليمات و الجهات المُتستّرة على القتلة.

في هذا الإطار أكّد الأستاذ القلّيل أنّ تقييمه يشمل المنظومة القضائية ككلّ، بما فيها القضاء الجالس و النصوص و المؤسسة، و النصوص الهيكلية التي تفرض الخطوط الحمراء على القضاة فضلا عن النصوص التي تسند الإختصاص و التي تفرض شروط بحث و تقصّي و إستقراء.

إعتبر كذلك الأستاذ القلّيل أنّ واقع حال قضايا شهداء و جرحى الثورة مختلّ، حيث أنّ هنالك دائرة مُصغّرة من المتّهمين و عدد من أكباش الفداء مع تمتّع العديد بالإفلات من العقاب، مشيرا أنّ نفس الوضعية تواصلت في ظلّ دولة ما بعد 14 جانفي 2011 و كذلك في ظلّ دولة ما بعد 23 أكتوبر 2011، كما أكّد الأستاذ القلّيل أنّ هدف مجموعة ال25 هو التوصّل للحقيقة، مشيرا أنّه هدف في المتناول لو تمّ إتّباع مناهج بحث علميّة متطوّرة في التقصّي و التحقيق و لو توفّرت بالأخصّ إرادة معرفة الحقائق، مستغربا من التحقيقات السطحية و المختصرة بطريقة مريبة عكس مُقتضيات المجلّة الجزائية و عكس النواميس الدولية الجزائية التي تعتبر أنّ عماد و حجر زاوية أيّ قضيّة هي مرحلة التحقيق.

المرسوم المُلغّم

في ذات السياق ذكّر الأستاذ شرف الدين القلّيل أنّ المرسوم عدد 69 المؤرّخ في 29 جويلية 2011 يحرم محامي عائلات الشهداء و الجرحى من الطّور التحقيقي حيث أنّه لم يدخل حيّز التنفيذ إلّا في 16 أوت 2011 أي بعد إنتهاء المرحلة التحقيقية ممّا عقّد مهمّة المحامين و مهمّة القضاء الجالس، و إستنكر الأستاذ القلّيل ذلك مُعتبرا أنّ المرسوم المذكور لغّم قضايا شهداء و جرحى الثورة.

يرى الأستاذ القلّيل أيضا أنّ الواقع الإستقرائي مريض حيث تتمثّل علّاته في حملة إتلاف الأرشيف و إخفاء الأدلّة في ظلّ قرارات فتح بحث لم تشمل إلّا عيّنة من المتهّمين و كأنّ وكلاء الجمهورية لدى المحاكم العدلية و وكلاء الجمهورية العسكريين تجاهلوا الأمر 287 المؤرّخ في أوت 2007 المتعلّق بهيكلية وزارة الداخلية و تجاهلوا أننّا كنّا في تونس في حضرة دولة بوليسية بإمتياز، دولة تُسخّر إمكانيات مادية و بشرية و تقنية هائلة في إطار السياسة البوليسة للنظام.

جرائم نظام

أوضح الأستاذ القلّيل أنّه لا يشاطر رأي من يصفون عمليّات قتل المتظاهرين أيّام الثورة بأنّها تصرّفات فرديّة و معزولة و الذين يعتبرونها “جرائم جماهير”، إذ يرى الأستاذ القلّيل أنّ ما وقع من قتل ممنهج أيّام الثورة و فق منظومة تلقّي و إصدار التعليمات وفق توزيع جغرافيّ متناسق على إمتداده هي “جرائم نظام”، حيث أفادنا الأستاذ القلّيل أنّ أوّل من إستعمل هذا المصطلح هو قاضي ما سُمّي بمحاكمة طوكيو الجنائية إشارة للنسق المنظّم للجرائم المُقترفة، مؤكّدا أنّ عمليات قتل المتظاهرين أيّام الثورة بتونس نموذج من سلسلة جرائم سياسية منظّمة و ممنهجة و متراكمة للنظام التونسي قبل 14 جانفي.

في هذا السياق إستشهد الأستاذ القلّيل بما قامت به دولة ساحل العاج التي رغم أنّها لم تُصادق على نظام روما الأساسي فقد طلبت من المدّعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية التعهّد بوقائع أحداث أبوجا، و البحث جاري حاليا و الإستقراء بصدد إتيان أكله، إستلهاما من هذه التجربة يرى الأستاذ القلّيل أنّنا في تونس يجب أن ننسج على نفس المنوال فيما يتعلّق بقضايا شهداء و جرحى الثورة.

من هذا المنطلق أشار الأستاذ القلّيل أنّه منذ 14 جانفي 2011 غابت إرادة سياسية حقيقية تعتقد في وجوب محاسبة القتلة و في وجوب القطع مع الماضي و محاسبة رموز الفساد و الإستبداد، و إعتبر الأستاذ القلّيل أنّ حكومات “ما بعد الثورة” منخرطة في التستّر على المجرمين و في الإعتقاد بوجوب الإفلات من العقاب في إطار معادلة تقايض المواطنين بالأمن مقابل الإفلات من العقاب.

يرى الأستاذ القلّيل في هذا الإطار أنّ اللجوء للمحكمة الجنائية الدولية ضرورة ممكنة إجرائيّا عن طريق تقديم تصريح يودع لدى مكتب المدّعية العامّة للمحكمة الجنائية الدولية على غرار تجربة دولة ساحل العاج.

جرائم ضدّ الإنسانية : الحوض المنجمي أعاد نفسه في تالة

إضافة إلى ذلك أبلغنا الأستاذ شرف الدين القلّيل أنّ مجموعة ال25 إنتهت من صياغة كافّة ما يُثبت أنّ أحداث الثورة ينطبق عليها توصيف “جرائم ضدّ الإنسانية”، إذ يرى الأستاذ القلّيل أنّ التزامن في إقتراف جرائم القتل دليل على ذلك، حيث قُتل أكثر من 80 شهيد بين 8 و 14 جانفي 2011 و اعتبر أنّ الحوض المنجمي أعاد نفسه في تالة من ناحية القيادات الأمنية و الخطط لقمع المتظاهرين.

إضافة إلى ذلك إعتبر الأستاذ القلّيل أنّ الأساس اللوجيستي في التعامل مع المتظاهرين كان القصد منه القتل، حيث أنّ التدرّج في تفريق المتظاهرين كما ينصّ على ذلك القانون لم يتمّ تطبيقه ممّا يُثبت أنّ الحلول السياسية غابت لتُفسح المجال للحلول الأمنية الراديكالية بإستعمال أسلحة قاتلة، بالنسبة للغاز المسيل للدّموع الذي استُهدف به المتظاهرون فقد أكّد الأستاذ القلّيل أنّه في الغالب غاز منتهي الصلوحية يُستعمل لترويض الخنازير و أنّه قد يتسبّب في تدمير الجهاز العصبي عند إلقائه في مكان مُغلق.


“شهيد آخر مُزعج”

في ذات السياق أحاطنا المحامي الحقوقي علما بتفاصيل مقتل الشهيد سهيّل الرياحي يوم 14 جانفي 2011 ليلا في حيّ البالاصات،رادس، ولاية بن عروس بالضاحية الجنوبية للعاصمة، علما أنّ إسمه لم يرد في تقرير لجنة تقصي الحقائق، حيث إستهدفه أعوان أمن بالغاز المُسيّل للدموع داخل عمارة ثمّ صعد عون أمن و رماه من الطابق الخامس ليلقى حتفه على الفور و عندما حاول الأهالي إلقاء القبض على عون الأمن المسؤول عن عمليّة القتل تمكّن زملائه من حمايته و إنسحبوا، و قد أفادت والدة الشهيد أنّها عندما إتّصلت بقاضي تحقيق عسكري أعلمها أنّه عليها القيام بقضيّة إداريّة ممّا أثار إستغراب الأستاذ القلّيل.