france-Afrique

بقلم كريم السليتي،

يوما بعد يوم يتكشف للعالم حجم الجرائم ضد الإنسانية و جرائم الحرب التي يقترفها الجيش المالي و القوات الفرنسية في شمال مالي. و كعادة فرنسا في حروبها الاستعمارية، فهي تقوم بعملية مناولة (Out sourcing) الجانب القاتم من الحرب للمرتزقة من أبناء البلد، حتى تتجنب المساءلة الإنسانية و القانونية عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فيما تشرف هي على جانب التخطيط و الدعم و التغطية الإعلامية و بث الفتنة العرقية بين القبائل و قصف التجمعات المناهضة لها لتتخلص منها بالجملة.

فرنسا كلفت الجيش المالي و المرتزقة بالإعدامات على الهوية، و بالتطهير العرقي للعرب و الطوارق في وسط مالي و بعض مدن الشمال، فيما قامت هي و بعد أن تباكت طويلا على هدم بعض القبور و الأضرحة بقصف مساجد تاريخية على رؤوس المصلين بدعوى تحصن مسلحين بها.

لقد كشفت لنا أشرطة الفيديو المسربة على اليوتيوب و تقارير بعض منظمات حقوق الإنسان على غرار العفو الدولية و هيومن رايتس واتش، حجم المأساة الإنسانية هناك. صور عن قصف بالطائرات لتجمعات بدوية و قصف لبيوت طينية يسكن فيها قرويين من الطوارق و العرب، و صور أخرى لاعتقالات لشيوخ طاعنين في السن ومعاملتهم بطرق لاإنسانية مهينة ، و تجريد شباب الطوارق من ملابسهم و الإلقاء بهم في شاحنات كالأغنام. هذا ناهيك عن أعمال النهب و التخريب و الحرق التي طالت ممتلكات العرب و الطوارق، كل ذلك تحت أنظار و إشراف قوات المستعمر الجديد.

ضحايا الإبادة الجماعية في مالي ذنبهم الوحيد هو مطالبتهم بالانفصال على غرار جنوب السودان و تيمور الشرقية و أريتيريا أو بحكم ذاتي مثل كردستان العراق و غيرها من المناطق التي دعمت فرنسا انفصالها عن دول عربية أو إسلامية. ولكن عندما يكون عدو الطوارق فرنسا بتاريخها الاستعماري و الدموي المعروف فإنهم يصبحون في نظر وسائل الإعلام متمردين و متطرفين و ومهربين و حتى إرهابيين في خلط واضح للمفاهيم و للقضايا المختلفة حتى يتلبس على الرأي العام العالمي حقيقة القضية العادلة لشعب الأزواد المحتل و الذي يبحث كغيره من الشعوب عن الحرية و الاستقلال و تقرير مصيره بنفسه.

في مثل هذه الأزمات، و عند حصول جرائم ضد الإنسانية بالحجم الذي يقع حاليا في مالي، يمكن للمحللين القيام بإختبار حقيقي لمدى حيادية و موضوعية المنظمات الحقوقية و وسائل الإعلام. و بالنسبة لي كانت فرصة لتقييم الإعلام العمومي الفرنسي و مدى تغطيته لجرائم الحرب التي اقترفت في مالي. فوجدتها تركز على سحل رجل مصري عاريا من قبل الشرطة، بل وتتحدث اعتقال شخص في الهونولولو من أجل موقف كتبه على تويتر، أما بخصوص الجرائم التي تتم بأياد فرنسية أو تحت أنظار القوات الفرنسية فهي لا تتطرق لها البتة، اللهم الحديث باحتشام عن وعود رئيس مالي (المنصب من فرنسا) “بتجنب الأعمال الانتقامية”. و قارنوا جيدا بين مصطلحات “جرائم الحرب” و “جرائم ضد الإنسانية” و بين “أعمال انتقامية”.

لقد أثبت الإعلام الفرنسي من فرنسا 24 إلى إذاعة مونتي كارلو إلى تلفزات فرنسا 2و 3 و TV5 أنها لا تختلف كثيرا عن وسائل الإعلام الرسمية في بعض البلدان العربية و أن أجندتها تملى مباشرة من قصر الإليزيه أو من الدوائر العسكرية و الاستخبارية الفرنسية. لم نر صحفيين يقولون لا لقتل الأبرياء لأسباب عرقية، لم نرهم ينددون بقصف المساجد التاريخية في تونبوكتو و كيدال، لم نرهم يرسلون مبعوثهم الخاص للتحقيق في جرائم الإبادة و التعذيب التي تتم تحت أنظار قواتهم، بل كل ما رأيناه هو ممارسة التضليل الإعلامي بوصف جميع الأزواديين بالإرهاب و التطرف وممارسة التهريب و تهديد أمن المنطقة. وهذا في حد ذاته تبرير لتلك الجرائم لا بل إن عدم فضحها هو شراكة فعلية في اقترافها.

الغريب في الأمر أنه حتى الإعلام العمومي التونسي صار يدور في فلك الإعلام الفرنسي، فلم نرهم يبثون المقاطع التي توثق الجرائم ضد الإنسانية، و لا حتى ينتقدون التدخل الاستعماري في هذا البلد، لا بل رأيناهم يجترون ما تلقي به وسائل الإعلام الفرنسية من مصطلحات مضللة للحقيقة، في عالم لم يعد فيه بالإمكان إخفاء الحقيقة. كما لم نر مرتزقة حقوق الإنسان في تونس ينددون بجرائم الإعدام و النهب و التطهير العرقي في مالي، فهل أن الإعلام الفرنسي غسل عقولهم بماء الجهل، أم أنهم صاروا ينظرون بعيون فرنسية فيرون الحق باطلا و الباطل حقا، أم أن التمويل قد يشح عليهم إن هم نددوا بتلك الجرائم. لكن الشيء الوحيد الذي تأكد اليوم، هو بأن فلسفة التنوير الفرنسية ليست الآن من الأولويات الفرنسية.