ghannouchi-680px

المتتبع لمواقف الغنوشي وأفكاره في معالجة القضايا المطروحة على الساحة التونسية سواءا الفكرية منها أو السياسية، يلاحظ التقارب الواضح بين فكره وفكر .بورقيبة فيما يتعلق بالمفاهيم ذات العلاقة بالفكر الإسلامي باعتباره الفكر المرجعي للشعب التونسي

طرح الغنوشي على ساحة الفكر الاسلامي في موضوع احداث التغيير الاجتماعي مبدأ العمل ضمن نطاق “الاستطاعة” للخروج من عدة معضلات ومآزق اجتماعية، ثقافية، سياسية وفكرية، ضاربا عرض الحائط بالكم الهائل من الفكر السلفي الأحادي الرؤية، وهو ذات المبدأ الذي نادى به واعتمده بورقيبة تحت شعار “العمل المرحلي”. ولئن اعتمد الغنوشي على الاجتهاد في تفسير وتأويل بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من مثل : “إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ” أو “لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا” أو “رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ”، فقد اهتدى بورقيبة بوعيه وعلمه وثقافته الإسلامية الى هذا المبدأ في احداث التغيير باعتباره مسألة منطقية وبديهية في علم سياسة المجتمعات.

وبهذا يضرب الغنوشي عرض الحائط بترسانة الفكر السلفي الحرفي الذي لا يقرأ الا ظواهر النصوص القرآنية والنبوية ولا يتكلف مشاق بحثها و تأويلها و .تمحيصها وهو ما انجر عنه اعتماد منهج صدامي لا يتميز بالمرونة و التوسط في المواقف و لا يعتمد الحكمة والتعقل

كما لا يتوانى الغنوشي في خضم الصراعات الفكرية و الثقافية و السياسية الى اعتماد مبدأ إعادة تأصيل ثبوتية المفاهيم الإسلامية أو ما كان ينظر اليها على انها كذلك، بحيث لا يرقى اليها التحوير و التعديل و المناداة بإعادة صياغتها في اطرها الكلية دون الحرفية الأحادية الرافضة لنسبية العوامل الزمانية و المكانية و السياقية، و التمييز بين ما هو جوهري وب ين ما هو شكلي و إعادة تقييم فلسفة المحكم و المتشابه في النص القرآني والفكر الإسلامي.

و لعل أبرز ما يشير الى هذا المبدأ تنازل الغنوشي عن إقرار صيغة تطبيق الشريعة الإسلامية في الدستور و الاكتفاء بالتنصيص على إسلامية الدولة التونسية موضحا أن القضية تتجاوز التنصيص الى التفعيل و التمسك بالقوالب الى الحرص على الوحدة الوطنية و عدم احداث الاختلال بين مكونات الشعب التونسي.

و قد تميزت العديد من مواقف بورقيبة في طرح إشكاليات الفكر الإسلامي بتبني المنهج المقاصدي و النأي عن المفاهيم الظاهرية للنصوص و اعتماد فلسفة شاملة و رؤية عقلانية. و قد كانت تلك الطروحات في حينها قفزة نوعية في الفكر الإسلامي الذي لم ينتشر الا في العقد الأخير من القرن الماضي و قد برز من ذلك المنهج اعتماد مجلة الأحوال الشخصية التي كانت في حينها محل سخط الإسلاميين الى ان تم إقرار أغلبها بعد تسلمهم للسلطة.

ان المتتبع لتصريحات الغنوشي الأخيرة يتفاجأ بتبنيه ذات المنهج الذي اعتمده بورقيبة في مواجهاته الفكرية مع الاسلاميين في عهده دون أن يلقى منهم تجاوبا. و مع ان الإسلاميين لا يزالون الى اليوم يعترضون على المنهج البورقيبي في معالجته لقضايا الفكر الإسلامي، الا انهم اضطروا لاعتماده بصفة مكيافيلية! فهل يتكرر وي تواصل الخطأ مرة أخرى في المواجهة بين السلفيين وحزب النهضة كما حصل بين الزيتونيين و بورقيبة؟ هل سيكون مصير تونس التعرض مجددا لاهتزازات عبثية ؟ و هل تعي النهضة و الإسلاميون شذوذ مواقفهم من فكر بورقيبة؟ هل عبء السياسة يمكنهم من مراجعة مواقفهم السابقة و الحالية ويرشد منهجهم ؟؟