unicef

خلال ندوة نظمت حول “أسبوع الورد للتواصل في ظل حقوق الطفل“، التقينا بالسيد حاتم قطران نائب رئيس لجنة حقوق الطفل بالأمم المتحدة، و هو أحد خبراتنا التونسية الدولية، و بالإضافة إلى عمله صلب هذه اللجنة الأممية فهو أيضا أستاذ قانون بكلية العلوم القانونية و السياسية. لقاءنا معه كان فرصة للحديث عن وضعية حقوق الطفل في تونس خصوصا في ظل الوضع الإنتقالي الراهن ليقيم لنا الوضع و هو الخبير الأممي في هذا الشأن.

كيف تقيم وضعية الطفل و حقوق الطفل في تونس بصفتك نائب رئيس لجنة حقوق الطفل بالأمم المتحدة؟

لجنة حقوق الطفل في جوان 2010 لاحظت أن تونس حققت تطورا على المستوى التشريعي بإعتماد عدة قوانين خاصة مجلة حقوق الطفل جعلت المنظومة التشريعية بشكل عام مطابقة للإتفاقية، و لكن اللجنة أعربت عن قلق بشأن التطبيق الفعلي لحقوق الطفل و خاصة في بعض الجهات، و أشارت كذلك إلى الصعوبات التي تعترض الأطفال خارج إطار الزواج، و أيضا الإنقطاع المبكر عن الدراسة و إلى وضعية الأطفال الذين يعيشون في الشوارع و في هذا الخصوص أعربت اللجنة عن قلقها لأن أكثر الحالات التي وقع إشعار مندوبي الطفولة بشأنها هي حالات تشرد و إهمال للأطفال الذين يجدون أنفسهم في الشوارع بسبب عجز الوالدين على الاعتناء بهم، و هذه نتيجة لظاهرة الفقر التي زادت و للصعوبات التي تواجه الاسرة و خاصة في الاعتناء بالأبناء. هناك انتهاك اخر لحقوق الطفل في تونس يتمثل في عمل الاطفال و المشكل هنا يكمن في عدم وجود مؤشرات و دراسات حقيقة تتناول حجم ظاهرة عمل الأطفال لنعرف حجم الظاهرة و كيف يتم استغلالهم اقتصاديا. ما يضر بحقوق الطفل أيضا الإعتداء الجنسي للأطفال فيجب أن لا ننسى أن عدد الاطفال ضحايا الاستغلال الجنسي و غيره من اشكال العنف الجنسي في تزايد حسب الاشعارات التي تصل الى مندوبي الطفولة و هناك حالات أخرى لا يقع الإبلاغ بشأنها. كما أننا نشاهد حالات من التعبئة الايديولوجية و الدينية للأطفال في رياض الاطفال التي تنشأ و تتطور بصفة غير قانونية و دون اشراف من قبل وزارة المرأة و الأسرة، و هي حالات تثير القلق و لا نعرف الحجم الحقيقي لها، هذا يعود برأيي أمر ليس بالعفوي، أنا أعتقد أن هناك مخطط لإضعاف مؤسسات الدولة فعدد رياض الأطفال التابعين للبلديات في تقلص، رغم أنها كانت من أحسن رياض الأطفال، و في المقابل هناك نشأة المدارس القرانية، بالطبع الكتاتيب لها دور في تعليم القران للطفل و لكن ما نخشاه أن تكون الغاية من هذه المدارس التعبئة الايدولوجية و الدينية للأطفال بطريقة دغمائية. الحل لكل هذه المشاكل هو انشاء مؤسسة مستقلة، و وزارة المرأة على وعي بذلك حيث أن هناك مشروع بصدد الانجاز لإنشاء مؤسسة مستقلة ستعاضد دور مندوبي حماية الطفولة و تقوم بالدراسات الميدانية و تلقي الشكاوي بشأن انتهاك حقوق الطفل حتى من قبل المؤسسات الرسمية و تكون المدافع عن حقوق الطفل. و الحل كذلك يكمن في دسترة حقوق الطفل.

أين تكمن أهمية دسترة حقوق الطفل؟

في السنوات الماضية لم تكن مسألة حقوق الطفل في الدستور مسألة ملحة او ذات اولوية، بل الأولوية كانت مدى تطبيق حقوق الطفل على ارض الواقع مثلما اعربت عنه لجنة حقوق الطفل، لكن اليوم مادمنا في مرحلة وضع دستور جديد فلا يمكن ان نتصور الحديث عن كل الحقوق ماعدا حقوق الطفل و هم الذين(الأطفال) يشكلون ثلث سكان البلاد، فمع دسترة كل حقوق الانسان لا بد من ندرج حقوق الطفل. ليس فقط مهما أن نخصص فصل في الدستور لحقوق الطفل، المهم ماذا سيتضمن هذا الفصل؟ علينا أن نعي أن الأطفال ليسوا فقط اشخاص ذوي احتياجات بل هم أشخاص ذوي حقوق، و هذا لم يرد في الصياغة الحالية للفصل 45 من مشروع مسودة الدستور. ثم أثارت كلمة “من غير تمييز” جدلا لأنها لم تكن ذات دلالة واضحة كما أنها قابلة للخرق و التأويل، فبالتالي كان يجب أن نقول “من غير اي نوع من انواع التمييز” أي اننا ننبذ كل اشكال التمييز بما في ذلك التمييز على أساس أصل الولادة لأن هناك أطفال يعانون من التمييز لأنهم ولدوا خارج إطار الزواج. كما أنه في صياغة هذا الفصل يجب أن نأخذ بعين الإعتبار مصلحة الطفل بمعنى أن مصلحة الطفل تتغلب على أي مصلحة أخرى خاصة في قرارات الحضانة و الوصاية على الطفل. و كذلك غاب في صياغة الفصل 45 التأكيد على أن للأطفال الحق في المشاركة في إبداء الرأي بشان كل القرارات التي تهمهم فالطفل قادر عن التعبير عن قلقه و له الحق في التعبير عن رأيه كما يجب أن تأخذ اراءه بعين الإعتبار وجوبا قبل اتخاذ القرارات، و “خذني بعين الاعتبار عند اتخاذ القرار” شعار يرفعه الأطفال يجب أن يقع تجسيده. و كان بالإمكان الاستئناس بمجلة حماية الطفل مثلا و التي أكدت على حق المشاركة و مصلحة الطفل الفضلى، و لكن للأسف لم يتضمن الفصل 45 كل هذا، بل أسوء من ذلك فهو يلقي المسؤولية على الأبوين ثم على الدولة، و هذه مسألة أخرى ذات خطورة لأنه عندما نتحدث عن الدستور نتحدث عن واجبات الدولة قبل كل شيء، يجب أن يقول الفصل 45 أن حقوق الأطفال تتحملها الدولة بالدرجة الاولى، إذا فعلى على الدولة إحترام حقوق الطفل و حمايتها و الحرص على تطبيقها بإتخاذ كل التدابير و التشريعات و الاليات و البرامج و الموارد اللازمة. فلا يمكن ان نتصور المجتمع يرسم مفاهيمه و مصطلحاته الأساسية و يغيب فيها الاطفال و هم مستقبل هذه البلاد، فاليوم نجد الأطفال مغيبون في الحوارات التي تجري في بلادنا منذ الثورة كما أنهم مغيبون عن المشهد الإعلامي ماعدا بعض برامج الألعاب الموجهة للأطفال، و لكن هذا لا يكفي.

كيف يمكن ان نصنف تونس في علاقة بحقوق الطفل و تطبيقها؟

في تونس خطونا خطوات كبيرة و معترف بها، حتى على المستوى الأممي هناك إشادة بما أنجز، و لكن هناك في ذات الوقت هناك نقائص فنحن في هذه الفترة الإنتقالية نتمسك بضرورة الإعتراف بحقوق الطفل في القوانين الجديدة، قبلا لم يكن الطفل معرض لمثل هذه المخاطر التي يعيشها . فرنسا مثلا تتعرض أحيانا لإنتقاد لجنة حقوق الطفل بالأمم المتحدة فهناك في فرنسا إنتهاكات عديدة لحقوق الطفل مثلا هناك أطفال محرومين من حق التعليم و هناك أطفال تنتهك حقوقهم بسبب الفقر أو الظروف الإجتماعية الصعبة أو الهجرة غير الشرعية حيث لا تأمن حقوقهم يعيشون في ظروف سيئة، كما أن هناك أطفال في حالة تنازع مع القوانين التي تتناول الأطفال الجانحين و في هذا الخصوص القانون الفرنسي في تأخر مقارنة بالقانون التونسي. فمن حيث القوانين و الحقوق، تونس ليست أقل درجة من الدول المتقدمة، في الواقع، كما ينظر إليها على انها دولة نموذج في هذا المجال، و لكن في ذات الوقت هناك مشهد تزايد عدد الأطفال الفقراء، و الفقر إنتهاك لجميع حقوق الطفل لأنه يتسبب في إنعدام كل حقوق الطفل: كالحق في الحياة و الحق في النماء، فالدراسات بشكل عام تحدثت عن تأثير الفقر على جملة حقوق الانسان السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية… و طبعا أول من تنتهك حقوقهم جراء الفقر هم الأطفال، و في تونس، مع الأسف ظاهرة الفقر ليست في تراجع و لكن اضحت في تزايد. و رغم تزايد الوعي بمدى أهمية حقوق الطفل نجد بالمقابل ظهور مخاطر جديدة لم يسبق أن تعرض لها الأطفال. الان وسائل الاعلام تنقل بأكثر سهولة حالات سوء المعاملة و الإستغلال، و لكن أيضا يجب أن تتضافر الجهود لوقاية الأطفال و حمايتهم من كافة اشكال العنف و سوء المعاملة و الإستغلال.

هل أنت متفائل بخصوص دسترة حقوق الطفل و هل أنت متفائل بأن الضغط يمكن أن يوصلنا إلى نتيجة ملموسة في هذا الشأن؟

لو تمكنا من تضمين حقوق الطفل في الدستور نكون بذلك قد خطنا خطوة، أنا متفائل و سابقى دائما متفائلا في هذا الشأن لأن الوعي زاد بخصوص الطفل، و الوعي لا يجب أن يكون فقط لدى أجهزة الدولة لكن أيضا لدى مكونات المجتمع المدني، يجب أن يكون الطفل ضمن أولوياتها، و هو أمر لم يتحقق بعد، فقط بعض الجمعيات تهتم بهذا الموضوع مثل المنظمة التونسية للدفاع عن حقوق الطفل و منظمة العفو الدولية بدأت تهتم بالأمر، و هذا شيء إيجابي لأن أمنستي لها ثقلها بين مكونات المجتمع المدني، نتمنى كذلك أن تضع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان هذه المسألة في صدارة أولوياتها. إذا فالتفاؤل يبقى قائما و لكنه غير كاف لا بد من العمل ميدانيا من أجل ان تتم دسترة حقوق الطفل في أفضل صوره لأنه سيكون نقطة إنطلاق، بعد ذلك تأتي مرحلة التفعيل في القوانين و البرامج و السياسات و في ميزانية الدولة كذلك.