EGYPT-POLITICS-UNREST

بقلم حسام مطيمط

كلنا نتذكر ما أعقب سقوط نظام بن علي في تونس، حيث هبت الشعوب العربية مطالبة بحريات سلبت منها منذ زمان، و زائرة بتنحية الطغاة الذين جثموا على صدور هذه الأمة عقود و امتصوا خيراتها، و من عجيب الصدف أن أزلام النظام في مصر، أول بلد هب و أجاب دعاء الكرامة من تونس الخضراء، رددوا و أعادوا: مصر ليست تونس، ثم سقط الفرعون و لكن الكهنة بقوا و اذكوا نار الفتنة بين فرقاء الوطن و عاشت مصر في تذبذب لمدة سنتين أنتخب فيهما رئيس و مجلس شعب و مجلس شورى و صودق على دستور ارتضاه الشعب المصري في إستفتاء شعبي، و لكن الفلول أبوا إلا الفرقة و وافقو هوى لدى القوى العلمانية و الليبرالية ليخرج المارد من قمقمه و يعود أهم لاعب في التاريخ المصري المعاصر إلى ممارسة لعبته المفضلة و القذرة في آن، و يعود العسكر ليحكم بشكل مباشر بعد 60 عام حكم فيها مصر بالحديد و النار و قتل و شرد أبناء الوطن و انحنى مرارا أمام العدو الصهيوني.

جاهل من ينكر الدور الأمريكي البارز إن لم نقل الرئيسي في مسرحية الانقلاب، الذي لم يكن إنقلاب عسكري بالأساس بل إنقلاب إعلامي بإمتياز سلاحه التعتيم و التشويه و الإشاعات، ذكر أكثر من مصدر دور السفيرة الأمريكية في القاهرة في تدبير الانقلاب بل حتى في مفاوضة مرسي على التنحي، و رأينا أيضا الموقف الغريب لاذناب الولايات المتحدة في المنطقة دولة آل سعود و عربان الإمارات و توفيرهم الغطاء المالي للإنقلابيين و ووعودهم المتكررة بدعم إقتصاد مصر لتجاوز المرحلة الانتقالية و تهنئتهم للرئيس الانقلابي بمنصبه و للشعب المصري بثورته المزعومة و هذه الدول نفسها لم تهنئ الشعب المصري بثورة 25 يناير.

نذكر أخيرا و ليس آخرا علاقات قيادة الجيش المصري بالبنتاغون خاصة و أنهم و على غرار معظم قادة جيوش المنطقة قد أمضوا أعواما من الدراسة و التدريب و أقول ربما الانتداب و العمالة، و أضحوا عند عودتهم إلى بلادهم مع رتب عسكرية عالية أدوات رئيسية في تنفيذ سياسة واشنطن في المنطقة.

هذه كلها كانت مقدمات و إرهاصات لما سأتناوله الآن و هو المسكوت عنه رغم علم بعض الطبقة المثقفة و السياسية به منذ سنوات، إذ أن الولايات المتحدة و إثر فشلها في احتواء الصحوة الإسلامية، التي إنطلقت أواخر الستينات و أول السبعينات من القرن الماضي بعض إعدام سيد قطب و نكسة 67 لتبلغ أوجها في حرب أفغانستان و حرب الشيشان، قامت بإطلاق الحرب على الإرهاب الإسلامي على حسب قادتها للقضاء على شبح الإسلام الإسلام الذي أضحى يهدد سياسة العولمة الليبرالية التي تقودها أمريكا.

و لكن على إثر فشل سيناريو الحرب على الإرهاب في إنهاء الخطر الإسلامي، بل و أدى إلى نشأة جيل جديد أكثر تطرفا و أكثر رفضا للغرب و أمريكا، شرعت غرف التخطيط الاستراتيجي في البنتاغون و السي أي إي في تدبير مخطط لعله ينجح هذه المرة، و كانت تتركز الخطة الجديدة على عدة مراحل:

أولها: ثورات شعبية لإسقاط الطغاه في العالم العربي إذ أن درجة الاحتقان إذاك في الشارع العربي قد بلغت درجة الخطر و ما كانت أمريكا ممن يغفلون عن ملاحضة هذه التغيرات، فكانت الداعم الأكبر لحركات التحرر الوطنية، و إحقاقا للحقيقة فقد فاجأها البوعزيزي بالنار الملتهبة في جسده إلا أنها تداركت أمرها و استعادت توازنها بعض ذلك.

ثانيها: صعود الإسلاميين إلى سودة الحكم و هو ما تم في تونس و في مصر.

ثالثها: العمل على سعود قيادات عميلة أو في أدنى الحالات موالية لها، تعمل على إفشال مسار التنمية و تعطيل عجلة الانتقال، و دور الإعلام المضاد للثورة رئيسي في هذه المرحلة، و من هذه القيادات في تونس محسن مرزوق ابن فريدوم هاوس و ياسين إبراهيم و في مصر يبقى البرادعي العميل المفضل لأمريكا هناك خاصة بعض نجاحه في ما أوكل إليه في العراق.

رابعها: تجييش الجماهير الرافضة لسياسات الحكومات الإسلامية و المضللين عبر العملاء المبثوثن في قطاعي السياسة و الإعلام مع الاستعانة ببعض مأجوري علماء القانون و الخبراء الاقتصاديين.

خامسها: توحيد الجهود للانقلاب على حكم المنتخبين و تصوير الانقلابات كثورات شعبية ضد التوجه الإسلامي و وسمه بتجارة الدين و بالإرهاب و غيرها من التهم، مع الاستعانة طبعا في هذه المرحلة بعملاء أمريكا في المؤسسات العسكرية لضمان القوة و الفاعلية.

و عند نجاح هذه المراحل الخمس، يمكن لصناع القرار الأمريكيين أن يناموا هانئين بعد أن قصموا ظهر أقوى عقبات العولمة و السيطرة على نمط الاستهلاك العالمي.

و مصر الآن في خضم المرحلة الخامسة من المشروع و تونس في الرابعة و تستعد أيضا لدخول الخامسة قريبا، و لكن بعد هذه الجرعة المفرطة الحقائق المسكوت عنها و الغير المكشوفة لعموم الشعوب العربية، أريد أن أبعث رسالة تفاؤل بالنصر على المخطط الأمريكي و إفشاله كما كان حال سابقه و ليكون إن شاء الله وبالا عليهم و ينقلب عليهم ما دبروا، أقول هذا و أنا أشاهد قوافل الشهداء تزف في ميادين النضال في مصر لتحمي أمتنا الإسلامية و أوطاننا مما دبر الخونة و العملاء.

هؤلاء الذين يلقون صدورهم العارية لرصاص العسكر يصفون سدا منيعا أمام كل ما يحاك لهذه الأمة من مكائد و دسائس.

أدعو الله أن يثبتهم و ينصرهم على من ظلمهم، و يداوي جرحاهم و يتقبل شهدائهم في جنات الخلد عنده.

تونس ليست مصر و لكن ما يحاك لهما سواء…

و السلام