Microsoft-prism

كشفت صحيفة الغاردين مساء أمس، وفقا لوثائق في غاية السرية تحصلت عليها، كيف تعاونت شركة مايكروسوفت بشكل وثيق مع أجهزة الإستخبارات الأمريكية سامحة لها باعتراض مراسلات المستخدمين لخدماتها مثل البريد الإلكتروني “هوتمايل” و خدمة الدردشة “آوت لوك” و خدمة التخزين السحابيسكاي درايف“. بل قد ساعدت مايكروسوفت أيضا وكالة الأمن القومي الأمريكي على فكّ التشفير الذاتية للشركة و على التجسس على مكالمات سكايب بالصوت و الفيديو.

وتظهر الوثائق التي تحصلت عليها الغاردين من إدوارد سنودن كيف ساعدت شركة مايكروسوفت وكالة الأمن القومي لتعدي التشفير الذاتية المستعملة في خدمة الدردشة “آوت لوك” ممكنة الوكالة من اعتراض دردشات المستخدمين الذين يفوق عددهم 400 مليون مستخدم. هذا مع العلم أن الوكالة كان لديها نفاذ فعلي إلى البريد الإلكتروني قبل عملية التشفير على خدمات البريد الإلكتروني آوت لوك و هوتميل. كما عملت شركة مايكروسوفت مع مكتب التحقيقات الفدرالي خلال هذه السنة لتسهيل عملية نفوذ وكالة الأمن القومي عبر البرنامج السري بريسم لخدمة التخزين السحابي لمايكروسوفت “سكاي درايف”، والتي يستخدمها الآن أكثر من 250 مليون مستخدم في جميع أنحاء العالم.

و تقول أحد المراسلات المسربة من وكالة الأمن القومي لصحيفة الغاردين أن “مايكروسوفت تعاونت مع وحدة اعتراض البيانات التابعة لمكتب التحقيقات الفدرالي على حل المشاكل المترتبة عن ميزة توفرها خدمة البريد الإلكتروني آوت لوك و التي تتيح للمستخدمين إنشاء ما يعرف بالإيميلات الفرعية E-mail Alias أو الأسماء المستعارة للبريد الإلكتروني التي كانت تؤثر على مهامنا.”

و بعد تسعة أشهر من صفقة اشتراء شركة مايكروسوفت لخدمة سكايب تمنكت وكالة الأمن القومي بفضل تقنية جديدة وفرتها لها شركة مايكروسوفت من مضاعفة حجم مكالمات الفيديو سكايب التي تقوم بتجميعها بثلاث مرات عبر برنامج بريسم السري. و تفيد وثيقة مسربة من وكالة الأمن القومي أن المواد التي يتم جمعها عبر برنامج بريسم يتم تبادلها بصورة روتينية مع مكتب التحقيقات الفيدرالي و وكالة الاستخبارات المركزية.

تظهر الملفات المسربة كيف تذمرت وكالة الأمن القومي من مصاعب اعتراض المراسلات المشفرة على بوابة آوت لوك لمايكروسوفت منذ أن بدأت الشركة باختبار الخدمة في شهر جويلية من العام الماضي. إلا أن التنسيق بين مايكروسوفت و مكتب التحقيقات الفدرالي على مدى خمسة أشهر مكّن وكالة الأمن القومي من تعدي العائق الذي كانت تمثله عملية التشفير لإرساليات خدمة الآوت لوك. و تظهر مراسلة داخلية بتاريخ 26 ديسمبر 2012 أن “شركة مايكروسوفت، بتنسيق مع مكتب التحقيقات الفيدرالي، طورت قدرة لمراقبة الإرساليات المشفرة و أنه قد تم اختبار هذه القدرة بنجاح و تم اعتمادها رسميا منذ 12 ديسمبر 2012.” وبعد شهرين فقط من تاريخ تطوير هذه الحلول، أي في فيفري 2013، أطلقت مايكروسوفت رسميا موقع آوت لوك.

وذكرت نفس المراسلة أن وكالة الأمن القومي لها نفاذ مسبق لكل المراسلات على بوابة آوت لوك للبريد الإلكتروني قبل عملية التشفير إذ تقول المراسلة “إن جمع برنامج بريسم لبيانات هوتميل، لايف، ورسائل البريد الإلكتروني آوت لوك لن تتأثر لأن بريسم يجمع هذه البيانات قبل عملية التشفير.”

و لا يقتصر تعاون شركت مايكروسوفت على خدمة البريد الإلكتروني آوت لوك إذ تظهر مراسلة أخرى بتاريخ 8 أفريل 2013 كيف أن الشركة عملت “لعدة شهور” مع مكتب التحقيقات الفيدرالي للسماح لبرنامج بريسم، دون ترخيص خاص، للنفاذ لخدمة للتخزين السحابية التابعة لمايكروسوفت سكاي درايف.

وأوضحت وكالة الامن القومي في مراسلتها المسربة أن “هذه القدرة الجديدة سوف تؤدي إلى جمع كم أكبر من البيانات و في وقت قصير”. و تابعت: “هذا النجاح هو نتيجة تنسيق دام عدة أشهر بين مكتب التحقيقات الفيديرالي و مايكروسوفت من أجل تطوير حل للقيام بمهام جمع البيانات.”

و قد بذلت وكالة الأمن القومي جهودا ضخمة خلال العامين الماضيين من أجل التنسيق مع شركة مايكروسوفت لضمان زيادة فرص النفاذ لبيانات خدمة سكايب التي لديها ما يقدر بنحو 663 مليون مستخدما من جميع أنحاء العالم. إذ تفتخر أحد الوثائق المسربة من وكلة الأمن القومي أن رصد برنامج بريسم لفيديو سكايب قد تضاعف منذ 14 جويلية 2012 بثلاث أضعاف تقريبا منذ إضافة قدرات جديدة للبرنامج بفضل تعاون شركة مايكروسوفت : “إن تحليل الأجزاء الصوتية من مكالمات سكايب المخزنة كانت تدار بشكل صحيح طوال الوقت، ولكن من دون قطع الفيديو المرافقة لها. أما الآن، فلدى المحللين صورة كاملة”. و تجدر الإشارة هنا أن سكايب كان قد التحق ببرنامج بريسم في شهر فيفري 2011، أي قبل ثمانية أشهر من شرائه من قبل شركة مايكروسوفت.

و منذ أن تم الكشف عن وجود البرنامج السري بريسم، نفت شركة مايكروسوفت و غيرها من الشركات المدرجة في وثائق وكالة الأمن القومي الأمريكي المسربة أن يوكن لوكالات الاستخبارات الأمريكية نفاذا ”للأبواب الخلفية في نظمها”. لكن النشرات الإخبارية الداخلية و الوثائق السرية المسربة بفضل الناشط إدوارد سنودن تشير إلى أن التعاون بين أجهزة الإستخبارات و شركات الإنترنت العملاقة عميقة ومستمرة تهدد خصوصية مستخدميها.

الحملة التسويقية الأخيرة لمايكروسوفت التي أطلقتها الشركة في شهر أفريل المنصرم، بشعارها الفضفاض “خصوصيتك أولويتنا”،لا تصمد أمام حجم الفضيحة المدوية التي كشفت حجم خيانة هذه الشركات لخصوصية مستخدميها و بياناتهم الشخصية و تورطها الممنهج مع وكالات الإستخبارات الأمريكية في أكبر عملية جوسسة منظمة و معقدة تستهدفنا جميعا.

وبالمثل، سياسة الخصوصية لسكايب التي تملكها شركة مايكروسوفت، والتي تعلن صراحة أنها “تلتزم باحترام خصوصيتك و سرية بياناتك الشخصية و بيانات المرور ومحتوى الاتصالات الخاصة بك”، ليست سوى شعارا إستهلاكيا يخفي صفقات بيع بياناتنا الخاصة لمن نصب نفسه رقيبا على العالم: وكالات الإستخبارات الأمريكية و حكومة أوباما الديمقراطية…جدا.

السؤال الذي يطرح نفسه أمام تراكم هذه الفضائح التي تبرز للعيان حجم خضوع هذه الشركات لأجهزة الإستخبارات الأمريكية هو: هل تسهل هذه الفضائح قبولنا بواقع الرقابة و الجوسسة المفروضة علينا؟ و ما هي البدائل المتوفرة كي نتحرر من سجون غوغل و فايسبوك و سكايب و غيرها من الخدمات التي احتكرت الأنترنت و سيطرت على بياناتنا؟