femmes-rurales

“طالما أنّ هنالك من يملأ رأسك بالحديث عن الحرية والحقوق فأعلم أنّك لست حرّا وأنّ حقوقك منهوبة ومستباحة .. انّهم لا يحدّثونك الّا على الأشياء التي تَعُوزك .. فالحرّ لا يحتاج من يُخبره بأنّه حرّ”.

استعرت هذا الاقتباس بتصرّف للتطرّق الى الاحتفال السنوي بعيد المرأة الذّي دخل خلال هذا العام في معترك “حرب” سياسية طاحنة تدور رحاها بين شقّ حداثي و شقّ محافظ ، يسعى كلاهما الى “استغلال” العنصر النسائي لترجيح كفّته وملء الشوارع بهدف جني نقاط اضافية في معركة “الرحيل” و “الشرعية” التي تكاد تستنزف كل المحطات الوطنية دون أن يلوح لها انفراج واضح المعالم في الأفق عدى بعض مؤشّرات “التدافع الاجتماعي” الذي نظّر له وبشّر به رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي.

و في الوقت الذّي يرفع فيه الحداثيون شعار المساواة التامة بين المرأة و الرجل لمواجهة ما بدا في سلوك الاسلاميين، على اختلاف فصائلهم، من نكوص وانقلاب على مربّعات الحرية التي انتزعتها المرأة على مدى العقود الخمسة المنقضية، تلُوح احتفالات هذا العام طوباوية و غارقة في هموم المرأة المتمدّنة والمثقّفة أو فلنقل “البرجوازية” حيث احتلّت شعارات الحريّة و مناهضة استعباد المرأة باسم الدين حيّزا كبيرا في لائحة المطالب المتجدّدة لحرائر تونس في حين غابت مطالب المرأة الريفية (أو تمّ تغييبها) عن حراك 13 أوت لأنّها ببساطة ليست قوّة ضغط في معركة “التقدّمية” و “الرجعية” و لا تتجاوز مطالبها (ونحن في أواخر 2013) سقف تحسين شروط العمل في السواني و الفيرمات والمعامل و بيوت البرجوازيات حيث لا تغطية اجتماعية و لا حقوق مادية و لا عطلة سنوية خالصة الأجر أو عطلة مرضية أو عطلة أمومة و لا يتجاوز الأجر الشهري عتبة الثلاثمائة دينار في أحسن الأحوال.

ولئن مثّل 13 أوت تظاهرة سنوية لاستعراض ما تحقّق من مكاسب حداثية للمرأة التونسية ومناسبة متجدّدة للتمسّك بهذه المكاسب والعمل على مزيد اقتلاع مربعات أخرى فانّ المتأمّل في حصيلة أكثر من 100 سنة من النضال (50 سنة منها تحت مظلّة دولة الاستقلال) يسهُل عليه الاهتداء الى خلاصتين :

الأولى : معركة التحرّر أفضت الى تحديث المجتمع بشكل عام و أتاحت للمرأة التونسية جني مكاسب غير مسبوقة لم تتجاوز عتبة حق التعليم و المساواة في الوظيفة العمومية اضافة الى الحقوق الأخرى المتعلّقة بالمؤسسة الزوجية على غرار حق النفقة والطلاق والحضانة مع تغييب تام للحقوق الاجتماعية و الاقتصادية التي ما تزال شوكة في خاصرة المرأة التونسية “الكادحة”.

الثانية : الحقوق المادية و المعنوية التي راكمتها المرأة التونسية حيكت على مقاس المرأة المتمدّنة والمتحضّرة والمثقفة ما جعل من المرأة الريفية والمرأة “الكادحة” (المنظّفات، المرأة الفلاّحة، عاملات المصانع، المرأة العاطلة عن العمل …) خارج دائرة هذه المكاسب التي مسّت طبقة المرأة “البرجوازية” و تجاهلت طبقة المرأة “الكادحة” ما جعل معركة التحرّر تُضيع البوصلة و تتمادى في ترديد “كليشي” المساواة التامّة مع الرجل بدل العمل على ردم الهوّة بين المرأة الريفية و المرأة المدنية وضمان المساواة التامة في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية بين طبقتي المرأة “البرجوازية” والمرأة “الكادحة” التي ما تزال تعيش حالة من الاستعباد من قبل الرجل (زوجا و أبا و ابنا) و المشغّل و المجتمع الذي ما يزال ينظر اليها (أي المرأة “الكادحة” سواء في الريف أو في المدينة) على أساس أنّها قوّة عمل و طاقة انتاج يجب استغلالها أقصى ما يمكن من أجل ضمان مردودية اقتصادية اكبر للمشغّل.

تحتفل المرأة التونسية، اذن، بعيدها السنوي بشكل نمطي حيث تتمتّع طبقة أولى بيوم عطلة خالص الأجر تخصّصه للاحتفال و ممارسة حقوقها السياسية و المطالبة باسقاط النظام في حين ترابط طبقة ثانية في السواني و الورشات و مرائيب المصانع غير المرخّص لها تشتغل في صمت و تنفّذ تعليمات “المادام” التي تزيّنت وتعطّرت وارتدت علم الوطن الذي خاطته في شكل فستان وامتطت سيارتها الفاخرة خرجت على عجل لتناضل من أجل حق المرأة في المساواة مع الرجل.

ملاحظة قبل أن أختم : تعمّدت عدم الحديث عن المرأة النهضاوية التي زجّ بها أولياء أمرها، الذين يعتبرونها عورة وناقصة عقل ودين، في مسيرة جماهيرية – تحت عنوان عيد المرأة – من أجل الدفاع عن شرعية جلّاديها في البقاء في الحكم. فالمرأة النهضاوية، حسب النظام الذكوري، ليست سوى رقما لتضخيم الحشود الداعمة لبقاء النظام، عدى ذلك فهي في نظرهم عورة الى حين صدور فتوى أخرى.