femmes-tunisiennes2

بقلم محمد سميح الباجي عكاز،

لنا أن نتساءل اليوم عن مغزى زجّ المرأة في الصراع السياسيّ واستخدامها ورقة للضغط والمزايدة، فهل حصرت القوى السياسيّة و مكوّنات المجتمع المدنيّ جلّ مشاكلنا في المرأة لا غير؟ و هل انتصرت في “معاركها” الاقتصاديّة و السياسيّة و الثقافيّة لتبقى هذه “المعركة فقط” حتّى تتجنّد لها وسائل الإعلام و ماكينات الدعاية الحزبيّة ؟؟ وهل تمتلك المرأة اليوم استقلالية قرارها وحريّة الاختيار في مجتمع ما يزال يصادر سرّا وعلنا اختلاف الاختيارات؟

في الوقت الذّي يخوض فيه جزء كبير من الشعب في سيدي بوزيد وقفصة وجندوبة وغيرها من المناطق المهمّشة و أحزمة الفقر في مختلف المدن التونسيّة صراعا يوميّا مريرا من أجل ضمان حدّ أدنى من العيش الكريم، علينا هنا أن نمعن النظر في ماهيّة الصراع و أوليّات النضال، فالمزايدات التي تكون محورها المرأة لا تخرج عن كونها لعبة ليّ أذرع بين يمين “ليبراليّ” و يمين دينيّ يحاول أن يحصر مستقبل البلاد و ساحة الصراع بين قطبين لا غير، و ستكون المرأة هذه المرّة هي عنوان المسرحيّة … مسرحيّة لن تكون نتيجتها سوى إبدال السلاسل لا تحطيمها.

إنّ اليمين الليبراليّ الذّي يتشدّق اليوم بالدفاع عن حقوق المرأة و ينسب إلى نفسه ما حقّقته من مكاسب هو أوّل من اضطهد المرأة و حطّ من مكانتها باسم تحرير المرأة …. فروّج لثقافة العريّ و تسليع الجسد بدل فكرة احترام الجسد كوسيلة إنتاج و اعتباره قيمة لا غاية … نفس ذلك الفكر هو الذّي يسعى إلى تفريع المجتمع من القيم و ضرب الوعي الجماعي ووأد أيّ نهضة ثقافيّة تحرّر الإنسان من عبوديّته لرأس المال ولثقافة الاستهلاك.

إنّ المرأة بالنسبة لتلك التيّارات ليست سوى وسيلة لمتعة حسيّة استطاعوا أن يخلقوا لها سوقا و يجعلوا مننها تجارة أو أداة لترويج منتوجاته عبر مسّ المستهلك في غريزته و تشجيع النزعة الاستهلاكيّة في المجتمع على حساب الأولويّات والضروريّات …

إذ بدعوى الحريّة تمّ استغلال المرأة في المجال الاقتصاديّ و ذلك بتحويل الكثيرات إلى واجهات اشهاريّة أو إلى سلعة … و تحوّل جسد المرأة إلى عامل للاستقطاب و الإشهار و زيادة الاستهلاك و تضخيم الأرباح … و انتقلت المرأة من مرحلة الأسر خلف الجدران إلى سجن أرحب جعلها مجرّد سلعة لا روح لها و لا عقل و تحوّلت فيه إلى سبيّة في عالم المال…

نفس تلك التيّارات السياسيّة هي من تتاجر بحقوق المرأة و تجعل منها مجرّد ورقة سياسيّة انتخابيّة لا مبدأ حقيقيّا للصراع و نقطة مفصليّة لا تفاوض حولها مع خصومها … فليس غريبا إذا أن تتحوّل مشاركة المرأة في الحياة السياسيّة مدعاة للفخر و للمزايدة و يصير مفهوم حريّة المرأة مجرّد خطاب انتخابيّ يتشدّق به بعض السياسيّين و يناقضونه خلف الأبواب المغلقة …

أمّا الطرف الآخر من الصراع فهو ما فتئ يحاول دغدغة قواعده الذكوريّة و إشباع رغبتها في إقصاء المرأة و تكريس النظرة الدونيّة لها باسم الدين و هو براء منها …. فما يروّجونه من مفاهيم مغلوطة حول أنّ المرأة فتنة و هي سبب كلّ ما تصل إليه المجتمعات من فساد و انحطاط هو أبعد ما يكون عن حقيقة ما يعتبرونه مرجعيّة … فالدّين لم يدع يوما لاستعباد البشر و الدين لم يختزل الإنسان يوما في غريزة أو شهوة … الأديان بلا استثناء كانت دعوة للرقيّ بالإنسان و السموّ بتفكيره و انتشاله من عبوديّة الجسد و الغريزة والتاريخ زاخر بنساء كنّ في مقدّمة المسيرة الدعويّة و لنا كمثال أمّ ياسر أوّل شهيدة في سبيل اللّه …

إذن فمسألة التفسّخ الأخلاقيّ ليست نتاجا لتراجع الالتزام الدينيّ كما يحاول البعض الترويج لذلك .. و حلّها ليس دينيّا بحتا و الأخلاق لا ينبغي حصرها ضمن قاموس الجنس و الجسد و المرأة… بل ينبغي دراستها و تحليلها بشكل أشمل و ربطها بإطار تاريخيّ و اقتصاديّ معيّن …

إنّنا نُحاول أن نسلّط الضوء على ماهيّة الصراع الحقيقيّ … حريّة الإنسان ككلّ و تحريره من سطوة رأس المال السافر حينا و المُلتحي حينا آخر …

على المرأة التّي تتحمّل و منذ قرون وزر أخطاءنا و عُقدنا أن تسعى إلى التحرّر الكامل و خوض معركتها كاملة بجوانبها الاقتصاديّة و الثقافيّة و السياسيّة كي تكون حريّتها في النهاية كاملة

فلا معنى لحريّة صوريّة تتوقّف عند ملبس أو قانون هنا و منشور هناك … تحرّرها مرتبط بتغيّر ثقافة مجتمع ذكوريّ يتصدّى بوعي و دون وعيّ لأيّ مكسب قد يناله الجنس الآخر و مرتبط بتغيير ماكينة اقتصاديّة تحصر دورها كواجهة للإشهار و الترويج و تُلغي قدرتها الانتجايّة و ذاتها الإنسانية … مرتبط أكثر بوطن لا زال يتلمّس خطاه و تشدّه إلى الظلام سلاسل دجّالي الداخل و محترفي التجارة بالأوطان …

في النهاية … لا نملك سيّدتي إلا أن نحيّيك دوما و نشدّ على يدك في خضمّ هذا الصراع المرير و تعدّد الجبهات لنقول لك دمت بخير و أنفة و دامت مقاومتك منذ الأمس البعيد حتّى يوم النصر …