tunis-murals-and-zoo-project

،بقلم خلدون العلوي

ارتبط ظهور سؤال النهضة العربية الإسلامية “لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا ؟” مع احتلال نابليون لمصر حيث تعرف العرب للمرة الأولى بعد الحملات الصليبية على أوروبا جديدة قوية ومتحضرة مما أسقط وهم التفوق الزائف الذي رافق وعيهم بالآخر طيلة قرون. في هذا السياق نشأ مشروع النهضة العربية الإسلامية كرد فعل على التحدي الأوروبي الحداثي في محاولة لإيجاد أسباب التخلف العربي الإسلامي ومعالجته ومن أبرز مفكري عصر النهضة الأولى : محمد عبده، الأفغاني، عبد العزيز الثعالبي … والذين افتتحوا بدايات التفكير في حملة التساؤلات حول تأخر الأمة العربية الإسلامية مقابل تقدم الأوروبيين محاولين إيجاد حلول توفيقية بين الأصالة والتجديد الحداثي. غير أن طبيعة المحيط الاجتماعي ومميزات الوعي الحضاري في تلك الفترة (جود فكري، استعمار، إطار سلفي…) ساهمت في بناء مفهوم مغلوط حول الحداثة مما برر لظهور أشكال من الوعي الزائف أساسه القول بأن تحقيق النهضة مشروط بالعودة إلى الماضي دون معالجته وأخذ مسافة منه (تحقق القطيعة الابستمولوجية) ولعل هذا من أهم أسباب انتكاسة المشروع الليبرالي الذي مثل تواصلا لحركة الفكر النهضوي أوائل القرن الفارط (طه حسين، علي عبد الرازق) فأحرقت كتب طه حسين واتهم بالزندقة وسحبت شهادة علي عبد الرازق من الأزهر لكتابه “الإسلام وأصول الحكم”. كما أن هناك عقولا تواصل اليوم هذا الجهد التنويري ضمن شروط في غاية العسر لكن هذه الاجتهادات لم تتمكن من التبلور في حركة اجتماعية قوية لأن التيار الاجتماعي والفكري السائد على المستوى الجماهيري والنخبة التقليدية والسلطة السياسية ما كانوا ليقبلوا بها وهذا ما عكس مأزق الحداثة لدينا ودليلا على أن المشروع العربي لم يولد بعد رغم إرهاصات الفكر النهضوي فهي لم تخترق فكر المجتمع الوثوقي اليقيني الذي نحياه والذي عانى لعقود من :

– أنظمة شمولية فاسدة وعاجزة عن تحقيق الحد الأدنى من برامج التنمية بل أكثر من ذلك عاجزة عن آداء دورها الطبيعي في الدفاع عن الوطن.
– هيمنة واجتياح عسكري أمريكي.
– حالات إحباط مسيطرة على الشعوب بشكل يجعلها عاجزة عن الإمساك بزمام أمورها وتعبئة قواها لمواجهة هذا الواقع المزري بكل أثقاله وأزماته.
– مشاريع تغيير اجتماعي وسياسي تطرح حلول حدية وما يترتب عنها من عنف وتطرف.

أمام هذا المشهد واجهت الحركات السياسية التغييرية في الوطن العربي أوضاعا معقدة لم تتعاط معها بالوعي والمسؤولية الكافيتين وعجزت بذلك عن تغيير هذا المشهد القاتم فهي لم تُسقط أوهامها وطوباويتها وتنخرط في نضال ثقافي يستهدف إخراج العرب من سلبيتهم وتحقيق نهضتهم بل تورطت في خطاب إما تمجيدي افتخاري للموروث وفق مقولة ليس بالإمكان أبدع مما كان أو خطاب منكر لهذا الموروث الذي يعتبره سبب الداء وينادي بتصفيته وخطاب آخر متعصب وشوفيني يمجد العرق والعنصر ويقصي الآخر. وقد حكمت هذه المسارات المنحرفة المشهد السياسي طيلة عقود وبددت بذلك فرص قيام نهضة حقيقية تقوم على رؤية أكثر واقعية وتفتح لتاريخنا وحضارتنا.

الآن وقد ابتعدنا شيئا ما عن بدايات الانتفاضة أقول أن الشباب الذي خلخل أركان أعتى الديكتاتوريات سيكون لزاما عليه أن يستحضر كل الفخاخ المنهجية والمضمونية التي وقعت فيها حركات التغيير بالوطن العربي، يستحضر أيضا التجارب الناصعة والتي ساهمت في صناعة واقع مختلف نسبيا وأهمها المشروع الليبرالي لطه حسين وحركة الشباب التونسي (على باش حامبة) منذ قرن خلى حيث واجهت هذه التجارب أصولية المؤسسات الدينية (الزيتونة والأزهر) محاولة نشر ثقافة وطنية تجمع بين الأصالة والحداثة. وهذا ما يضع على عاتقنا نحن الشباب مسألة انتهاج مسلك هذه التجارب التنويرية التي خالفت فيه التخلي عن المسؤولية المعرفية والمتمثلة في التحليل النقدي للتراث العربي الإسلامي بكلّيته ليس من أجل الحط من قيمته وإنما من أجل تفكيكه حتى نعالج كل الثقوب السوداء (على حد تعبير جيل دولوز) التي تزجنا فيها الأصولية الدينية. فكيف يُعقل أن تطرح المعتزلة أسئلة على القرآن (على حد تعبير محمد أركون) منذ قرون عدة لا يمكن طرحها الآن وبالتالي فإن موقفنا تجاه التراث يجب أن يكون حرا (كما كان موقف حركة الشباب التونسي وطه حسين وعلي عبد الرازق في مواجهة الخراب الفكري والخواء الثقافي) إلى أقصى حد ممكن يسمح به التقدم المنهجي والمعرفي والتقني السائد (على حد تعبير أركون).

نحن العرب قد تعودنا التقليد الأعمى كما للسلف الصالح كما بالنسبة أيضا للغرب وقيم الحداثة متجاهلين مسافة المسار التاريخي التي تفصل بيننا وبينه لكن هذا لا يعني أننا لسنا بحاجة إلى العلمانية كما يدعي البعض فنحن بأمس الحاجة لها وهي لا تعني القضاء على البعد الروحي ولا على الإيمان “الملجأ الوحيد الذي نلوذ به في أوقات الشدة والضيق” على حد تعبير هاشم صالح. بل تعني القطع مع البنية الأسطورية وكل الأشكال المكرورة في تراثنا والكشف عن علمانية عربية إسلامية عرفناها في بغداد أيام المأمون وربما في المدينة أيام تجربة محمد صلى الله عليه وسلم، علمانية تعيدنا إلى عقل ابن رشد، ابن خلدون والمعري والمعتزلة وإلى الإسلام الأول المتحرر من فقهاء السلاطين والملوك.

حتى أن أوروبا لا توجد فيها علمانية واحدة مكتملة ونهائية فالغرب يعرف منذ مدة كبيرة محاولات لإعادة النظر في العلمانية المناضلة أو العلمانوية التي لم تواجه الكنيسة فقط بل وقفت ضد العاطفة الدينية وفي الطرف الآخر نجد العلمانية المنفتحة التي تعتبر حرية المعتقد كأحد ركائزها.

وهنا تكمن المهمة والمسؤولية. إنه عمل لا ينتهي يجعلنا ننخرط في ضرب من النضال الثقافي والفكري مواكبا للنضال السياسي وللتغيير الاجتماعي وخطاب الشباب إسلاميا كان أو علمانيا يجب أن يكون مشحونا بالإرث الثقافي للجمهور الذي نتوجه إليه بحيث أن هذا الجمهور يكتشف من خلال خطابنا امتدادا لتاريخه والمطروح أمامنا في هذا المجال هو استيعاب الإرث الثقافي لمجتمعنا بشكل يجعلنا نتبوأ مكاننا الطبيعي كامتداد لكل ما في تاريخ هذا المجتمع من فكر نير وحركات تقدمية ولا يتأتى ذلك بالإعلان عن الانتماء الثقافي للحضارة العربية الإسلامية فقط بقدر ما يتأتى بالاستيعاب المعرفي لهذه الثقافة (على حد تعبير محمد عابد الجابري).

إذا يجب علينا أن نؤمن بأن مسألة التغيير الاجتماعي يجب أن تكون مهيأة من قبل ومصحوبة بنوع من نهضة ثقافية أو ضرب من الإصلاح الثقافي والأخلاقي في ذهنية العامة من الناس وبأن مفهوم الإصلاح الثقافي له من الأهمية ما يجعله في المرتبة الأولى قبل قضية الحسم السياسي، فإذا لم تحدث ثورة ثقافية، فإن هذه “الثورة” ستؤدي حتما إلى الاستبداد.

إن هذه الإشكالات من أهم المسائل التي أروم الخوص فيها وإن وعيي كشاب بما يتطلبه هذا الموضوع من الجدية والعمق من أجل صياغة مواقف متقاربة لتحديد الهوية الثقافية والحضارية للبلاد لذا لا يجب أن نتردد لحظة واحدة على بلورة مشروع معرفي تنويري يقينا من التعامل في اتجاه واحد، اتجاه التباين ومزيد التباين الذي لم يفرز سوى الانقسام ومزيد الانقسام ثم الانزلاق في متاهات الصراعات الهامشية التي تزجنا فيها “الأصولية الدينية” و”الحداثية” (تبادل اتهامات التخوين والتكفير).

أخيرا لقد مررت بفترة تبني الايدولوجيا ولكنني اكتشفت الغرامشية منذ مدة القائلة بالكتلة التاريخية التي تؤدي مهمة تغييرية لفائدة الجميع، كتلة تضم اختلافات فكرية ونوازع متعددة لتحتكم لبرنامج موحد وهو تنوير المجتمع وليكن مقالي هذا دعوة إلى تهيئة أرضية الاتفاق حتى نعي أن الحقيقة يمكن أن تكون موزعة بيننا معشر الشباب الإسلامي والعلماني.