بقلم محمد سميح الباجي عكاز


Rabaa

في 14 اوت 2013 قامت قوات الشرطة والجيش المصري بالتحرك لفضّ اعتصام المعارضين لما أسموه انقلاب 3 جويليّة 2013 في مصر. الحشد الرئيسي كان في ميدان رابعة العدوية في القاهرة وأسفر التدخل العنيف لفضّ الاعتصام 578 قتيل ونحو 4200 مصاب من الجانبين كما جاء في تقرير وزارة الصحة المصرية.
وبعيدا عن ملابسات ما حدث في مصر أوائل شهر جويليّة الماضي، كيف نشأ هذا الشعار الذي صار رفعه في مصر جرما يعاقب عليه القانون؟ والأهمّ، ما هي ارتداداته على الوضع التونسيّ وما هي الخلفيّة التي دفعت حركة النهضة وأنصارها على تبنّيه ورفعه في كلّ المناسبات الاحتفاليّة وفي رحاب المجلس التأسيسي؟

نشأة شعار رابعة

إذن اكتسب هذا الشعار تسميته نسبة إلى ميدان رابعة الذي اعتصم فيه أنصار الرئيس المصري السابق محمد مرسي الذي عزله الجيش المصري عقب المظاهرات الحاشدة التي شهدتها مصر في 30 جوان من السنة الماضية، وقد تمّ فضّ هذا الاعتصام باستخدام القوّة من قبل الجيش والشرطة المصريّة وهو ما خلّف مئات القتلى والمصابين.
هذه الحادثة والتي أعقبتها سلسلة طويلة من الاعتقالات التي طالت معظم قيادات الإخوان المسلمين ومواجهات دامية بين قوى الأمن وأنصار التنظيم أعطت بعدا دوليّا للحدث خصوصا في تركيا التي ولدت فيها تلك الإشارة الشهيرة حين رفعها لأوّل مرّة رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان خلال أحد الخطابات الشعبيّة. ومن ثمّ صمم الشعار المصممة التركية صالحة ايرين والمهندس التركي جهاد دوليس.
لم يعد شعار رابعة يقتصر على المظاهرات المصريّة وصفحات التواصل الاجتماعي التي تعنى بالشأن المصري والتابعة للإخوان المسلمين أو المتعاطفة معهم، بل تعدّى حدود النيل ليرفع في تركيا وغزّة وتونس وأينما وُجد المتعاطفون مع الرئيس المصريّ السابق محمد مرسي. إذن تجاوز هذا الشعار بعده الرمزيّ ليتحوّل إلى دلالة للتحالفات السياسيّة والمشروع المشترك.

“رابعة” يقترن بالحمامة الزرقاء

في تونس، لم يقتصر الشعار على عامة الناس، بل تبنته حركة النهضة كتعبير عن رفضها لما حصل منذ 30 جوان الفارط في مصر، تماما كما جاء على لسان رئيس الجمهوريّة المرزوقي ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي الذين عبّرا عن رفضهما لما حدث في مصر واعتبراه انقلابا على الشرعية الانتخابيّة وإرادة الشعب المصريّ.
هذا الموقف من التغيير الحاصل في مصر ترجمته هنا في تونس عديد التحركات والتصريحات التي صدرت عن العديد من المسؤولين في حركة النهضة من وزراء وقادة حزبيّين ونواب في المجلس التأسيسي. وقد كان شعار رابعة حاضرا أثناء الخطابات الشعبيّة أو في الاجتماعات الحزبيّة وحتّى في أروقة المجلس التأسيسي في باردو. كما لم يغب عن الاحتفالات بالدستور في ساحة باردو أو احتفالات 14 جانفي في شارع الحبيب بورقيبة. ولعلّ أبرز المواقف هي تلك التي صدرت عن رئيس حركة النهضة الذي أكّد أنّ ما وقع في مصر هو انقلاب على إرادة الشعب رغم إصراره على أنّ تصريحاته وتصريحات وزراء حرمة النهضة ونوّابها تمثّل مواقفهم الشخصيّة ولن تؤثّر على مجرى العلاقات المصريّة التونسيّة.
ولكن ما هي الأسباب التي دفعت حركة النهضة لاتخاذ مثل هذه المواقف “الراديكاليّة” ممّا يحصل في مصر؟

مصر وبداية الموجة العكسيّة

كان اعتصام رابعة في أوجّه عندما استهدفت 11 رصاصة الشهيد محمد الابراهمي والتي أثارت موجة من الغضب الشعبيّ ظلّ يتصاعد ليبلغ أوجّه في اعتصام باردو الذي استطاع أن يحشد عشرات الآلاف من التونسيّين المناهضين لحكم حركة النهضة تحت مسمّى “اعتصام الرحيل” للمطالبة بإسقاط الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ وطنيّ.
هنا يكمن السبب الرئيسيّ لتمسّك النهضة بموقفها من المستجدّات على الساحة المصريّة، ففي تلك اللحظات، كان السيناريو المصريّ ماثلا أمام الجميع، وإن لم يكن بحذافيره، فحركة النهضة كانت ترفض أن تترك الحكم دون ضمانات بينما فرضت تلك الوضعيّة من الاحتقان الشعبيّ وتوحد المعارضة ضرورة أن تخرج حكومة علي العريّض من الحكم. وهنا كان اعتصام رابعة وطريقة فضّه طوق النجاة، فقد أثير جدل كبير في تلك الفترة حول الشرعيّة وحكم الانقلاب على الانتخابات “الديمقراطيّة” وإرادة الأغلبيّة، واعتبار حدوث تغيير مماثل ضربا لانجازات الثورة والمسار الانتقاليّ، ولكن هذه الحجج لم تسعف حركة النهضة في البقاء في الحكم وخرج العريّض وحكومته من القصبة وإن بأخفّ الأضرار.
السبب الثاني الذي يفسّر موقف حركة النهضة، هو نظرتها لمحيطها الإقليمي ومسار “الربيع العربيّ” ككلّ. فمن المعلوم أنّ حركة النهضة جزء من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي يمتدّ من المغرب إلى العراق والذي نجح في الوصول إلى الحكم في تونس ومصر وليبيا وأرغم ملك المغرب على تسليمه مقاليد الحكومة بعد تصاعد الاحتجاجات هناك والخوف من امتدادها ليتكرّر السيناريو المصري والتونسي والليبيّ. هذا الارتباط التنظيميّ يجعل من النهضة قويّة ما دامت الأنظمة المماثلة في مصر وليبيا متماسكة. وهو كذلك يفسّر ارتباك هذه الأخيرة وعندما سقط حكم الإخوان في مصر خصوصا أنّ الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة كانت متشابهة في كلا البلدين.
كما تجدر الإشارة إلى أنّ المواقف الدوليّة التي تتالت عقب إسقاط حكم الإخوان المسلمين في مصر كان مخيّبا لانتظارات أنصاره في العالم العربيّ، فهي لم تتجاوز في أغلبها تصريحات الاستنكار، هذا دون ذكر الدعم السعوديّ والاماراتي المادي والإعلاميّ لتحرّك الجيش المصريّ.

إنّ المشروع الإخواني الذي استطاع خلال السنوات الثلاث الأخيرة أن يتمكّن من مقاليد الحكم في أكثر من قطر عربيّ يؤول اليوم شيئا فشيئا إلى الاضمحلال ويزداد الرفض الشعبيّ لما كان قد انطلى عليهم سابقا من إلباس السياسة بالدين وتمييع القضايا المصيريّة للشعوب وسياسة ذرّ الرماد على العيون.
ولكن الخلاصة الأهمّ من التجربة التي مرّ يها الشعب التونسيّ ومن ظلال “رابعة”، هي القدرة حقن الدماء، ويبدو أنّ المثال التونسيّ استطاع يتجنّب السيناريو المصريّ والليبيّ الغارق في الدماء والاقتتال الداخليّ. وسواء تنازلت النهضة عن الحكم اضطرارا أو مناورة لتجنّب الأسوأ، فإنّ المكسب الذي حقّقه الشعب التونسي هو الحفاظ على مدنيّة الصراع واثبات قدرة النضال السلمي والحضاريّ على تغيير مجرى الأحداث.