alqaida-IDARAT-TAWAHHOUCH

بقلم عبد السلام هرشي،

تبدأ الحضارات و تنتهي الحضارات و تبقى الأثار و ما بين كل نهاية و بداية جديدة يأتي التوحش و في اللحظة التي يصبح فيها التوحش توحشا يولد الإنتهازيون .في القرون السابقة و حتى منتصف القرن العشرين عند سقوط الدول الكبرى أو الإمبراطوريات و لم تتمكن دولة متكافئة في القوة من السيطرة على أراضي الدولة الساقطة تخضع هذه المناطق إلى ما يسمى بإدارة التوحش.

اليوم لم تعد القاعدة تنتظر حدوث هذا التوحش من تلقاء نفسه و إنما أصبحت تسعى جاهدة إلى خلقه و من يخلق التوحش تسهل عليه إدارته، و نراه جليا اليوم في بعض من أنحاء ليبيا، في العراق، في اليمن، في الصومال و في سوريا و يريدون خلقه في شبه جزيرة سيناء، في تونس و في الجزائر أيضا. و بين هذا و ذاك يبقى المواطن العربي معتصرا بين واقع مقرف من الفقر و الخصاصة، في ظل حكومات ما بينها و بين شعوبها ما بين السماء و الأرض حتى بعد الربيع العربي، و بين جماعات تحمل أضغاث أحلام وتبشر بواقع أكثر قرفا.

للتاريخ نقدم هذا التحليل لفهم حقيقة ما يجرى حتى لا يبقى المواطن العربي تائها بين كل هذا الصخب و هذه الجلبة و ليفهم ما يتهدده على الأقل من جانب واحد.

مخطئ و واهم من يظن أن من يقومون بعمليات إرهابية في تونس و الجزائر و ليبيا و العراق و غيرها يعانون من التراجع الفكري و ضعف الذكاء وقلة الحيلة .هؤلاء الناس يملكون إستراتجية محددة و برنامج عمل كامل و متكامل ينتهي بتحرير البشرية من ورم الكفر و الإلحاد. حسب القيادي في تنظيم القاعدة أبو مصعب السوري يتطور الجهاد العالمي عبر ست مراحل شهدنا منها أربعة مراحل حتى الأن وهي ضرب أمريكا في عقر دارها، إستدراجها لبلاد المسلمين، بناء قاعدة صلبة في العراق و رابعا إسقاط الأنظمة العربية و إعلان دولة الخلافة. بين إكمال المرحلة الرابعة و التحضير للمرحلة الخامسة و هي الاشتباك المباشر مع إسرائيل يتوقع قادة القاعدة و منظرو الجهاد العالمي أن يدخل العالم العربي في فوضى متوحشة و أن من مهام القاعدة في ذلك الوقت هو إدارة هذا التوحش عبر ثلاث مراحل : مرحلة شوكة النكاية و ألإنهاك، مرحلة إدارة التوحش و مرحلة التمكين.

مرحلة شوكة النكاية و الإنهاك و يحدد فيها قادة القاعدة أربعة أهداف وهي إنهاك قوات العدو و القوات العميلة و جذب شباب جديد للعمل الجهادي و إخراج المناطق المركز عليها من سيطرة الأنظمة و رابعا تهيئة الشباب المجاهد لإدارة المرحلة الثانية.

إدارة التوحش و من بين أهدافها ردع المنافقين، إقامة القضاء الشرعي و توفير الطعام و الغذاء. و لإنجاح هذه المرحلة حسب منظروا الجهاد في القاعدة لا بد من وجود مجموعة من العوامل من بينها إتقان فن الإدارة و إعتماد الخطط العسكرية المجربة و إعتماد الشدة في التعامل مع الكفار و المرتدّين و تحقيق الشوكة ( تحقيق قواعد عسكرية صغيرة متماسكة و ذات قيادة في أماكن مختلفة).

لكن ما يثير العجب في هذه القواعد هي قاعدة التعامل مع السياسيين المخالفين بسياسة شرعية و يفسر قادة القاعدة أهمية فهم سياسة المخالفين و الأعداء من المخالفين و يقول أبو بكر ناجي في كتاب إدارة التوحش ” إن الإهتمام بفهم قواعد اللعبة السياسية و الواقع السياسي للأعداء و المأجورين و من ثم إتقان العمل السياسي المنضبط بالسياسة الشرعية في مواجهة هذا الواقع لا يقل أهمية عن العمل العسكري “. و يصل إلى أبعد من ذلك فيفسر قواعد الإستقطاب و الإلتحاق و كيفية التصرف في حال فقدان السيطرة و يولي إهتماما كبيرا لبث الجواسيس و العيون في الأعداء و عدم إهمال التربية و كذلك تكوين المجموعات الإدارية الجهادية للوصول للمرحلة الثالثة.

كذلك يولي قادة القاعدة إهتماما لا بأس به إلى المشاكل و العوائق التي من الممكن أن تواجههم في مخططهم مثل نقص الكوادر الأمنية و مشكلة الجواسيس و مشكلة الولاء القديم و إمكانية حدوث إنقلابات.

التمكين وهي السيطرة الكاملة و المطلقة عسكريا و إدرايا على الدولة الخاضعة لإدارة التوحش.

و لتسهل تنفيذ المخطط المزعوم قسمت القاعدة الدول الإسلامية إلى مجموعتين حسب الأهمية السياسية و الإقتصادية و الجغرافية.

المجموعة الرئيسة: وهي باكستان و بلاد المغرب و الأردن و نيجريا و بلاد الحرمين الشريفين. و لقد تم إختيار هذه البلدان لأهميتها السياسية و الإقتصادية و لطبيعة جغرافيته.
المجموعة الثانوية: بقية الدولة.

و بمجرد وصول مجموعات الجهاديين في المجموعة الرئيسية إلى المرحلة الأخيرة و هي التمكين ستقوم هذه الأخيرة بمساعدة جهاديي المجموعة الثانية للمرور من شوكة النكاية و الإنهاك إلى مرحلة التمكين مباشرة لربح الوقت .

بعد التمكين و إقامة الدولة تتوجه الجموع لتحرير القدس و سمرقند و الأندلس و باقي الدول و من ثم تحرير البشرية من الظلم و الكفر، مخطط مستحيل تشتعل أركانه نارا و خرابا. وضع ركائزه قادة كان لهم باع طويل في أفغانستان مثل عبد الله عزام و مصطفى ست مريم نصر أو أبو مصعب السوري.

ما يثير الرعب على أكثر من نطاق أن هناك مناطق في ليبيا وغرب إفريقيا و سوريا (مثلما صرح محمد الجولاني أمير جبهة النصرة في مقابلة خاصة على قناة الجزيرة “عندما ركز نظام الأسد قواته على المدن .هنا استغلت القاعدة هذه النقطة و بدأت العمل في الأرياف”، و بالفعل فقد سقطت عدة أماكن في سوريا إلى إدارة التوحش ) تقع تحت سيطرة هذه الجماعات و أن هذه الأخيرة تمتلك عتادا كثيرا و أسلحة متطورة و صواريخ مضادة للطائرات غنمتها إبان الثورة الليبية. كذلك لم تكن تونس بمنأى عن هذا المخطط مثلما صرح الخبير في شؤون الجماعات المسلحة عبد الستار العايدي: ” يبدو أن جماعة أنصار الشريعة بتونس كانت تعتمد ما يسمى في الأوساط الجهادية إستراتيجية إدارة التوحش التي ابتكرها المنظر الجهادي أبو بكر ناجي”.

من الصعب أن تطلب من المعتدلين في ظل واقع مرير مثل الذي نحن فيه أن يبقوا هكذا معتدلين إلى ما لا نهاية. فبين حالة الفوضى المنتشرة في ليبيا و قمع الثورة المتواصل في سوريا و ما يحصل في مصر اليوم و حالة الجهل المتفشية في الأوطان العربية تفتح معسكرات القاعدة أبوابها لإستقبال الوافدين الجدد لمجابهة ما يراه البعض حربا على الإسلام و ما يراه البعض الآخر حربا على الإرهاب .لكن الذي لا لبس فيه أن الشعب العربي يقع كل يوم ضحية مأساة لا يستحقها و أن المواطن العربي يزيد إحباطا كل يوم و أن هوة تزداد يوما بعد يوم بين أديان نبيلة و حضارات رائعة، و أن من لا يعترف بحضارة الأمس لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقبل بحضارة اليوم، وأن الإسلام هو دين السلام، و أن محمد صلى الله عله و سلم قد بعث رحمة للعالمين.