العامل-التونسي

بقلم الطاهر شقروش،

يقول العلامة ابن خلدون أن “التاريخ هو سؤال الحاضر للماضي” ويعلم اليسار قبل غيره “أن من لا ماضي له لا مستقبل له”، لذلك تسعى التيارات السياسية دوما لإضفاء شرعية على حاضرها عبر استحضار أمجادها الماضية حتى وإن افتعلتها.

وهذا ما قامت به حركة النهضة خلال الثلاثة سنوات الماضية حيث حولت سنوات السجن التي قضاها أعضاؤها إلى أصل تجاري تتمعش منه سياسيا وماليا. و نشهد اليوم بمناسبة الذكرى الثمانون لتأسيس الحزب الحر الدستوري أحد صور استحضار الماضي لإضفاء شرعية على ممارسات الحاضر. رغم أن المحتفلين صفقوا للانقلاب الطبي الذي أطاح بزعيمهم والأدهى أنهم صموا لما تعرض للقهر والسعف من قبل “صانع التغيير” ولم يدافع عن ذاك الشيخ المسجون إلا شيوعي بقي مخلصا للكفاح الذي خاضه معه ضد الاستعمار الفرنسيبالرغم انه لم ينتفع من حكمه وتعرض أيام حكمه للاضطهاد وتم حل حزبه لسنوات وأعني بذلك المناضل الكبير “جورج عدة” وكذلك فعل بعض من اليساريين المتواجدين داخل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان و الذين قضوا زهرة شبابهم في معتقلاته …

  تنافس هؤلاء الذين تذكروا اليوم أنهم دستوريون بل و بورقيبيون تنافسا شديدا وكل يدعى أنه االامتداد الشرعي لذاك الحزب و الزعيم. و لم يقتصر هذا التنافس على إحياء الذكرى وإبراز الأمجاد التليدة الحقيقية منها والوهمية، بل راحوا  يستعيدون الطقوس الاحتفالية التي ابتدعها هذا الحزب وذاك الزعيم كالحج إلى “دار عياد” و”قصر هلال” وكأن أنماط وصيغ الاحتفال لم يطرأ عليها جديد لم تتغير منذ ذاك التاريخ وأن ثقافة التونسي ونمط حياته بقيا على حالهما منذ أن اكتملت هذه الطقوس في ستينات القرن الماضي، وأن ثورة شعبية لم تهز كيان ذلك الحزب وصورة قائده.

إن احتفال الدستوريين والتجمعيين بذكرى تأسيس حزبهم أمر يهمهم. وما يهمني هو التطرق إلى كيفية تعامل هذه الحركات السياسية الكبرى (الإسلامية والدستورية) مع تاريخها مقارنة بتعامل اليسار مع تاريخه.

لقد صاحب اليسار منذ نشأته لعنة “الإنبات” وأتهم عديد المرات بأنه صاحب “الأفكار المستوردة” ولقد بذل عديد من المفكرين جهودا مضنية لتبيان أن اليسار وأفكاره متأصل في مجتمعنا وتاريخه وأنه الامتداد الطبيعي والشرعي للحركات الثورية التي عرفها مجتمعنا منذ فجر التاري. وبالرغم من إسهامات اليسار العظيمة منذ ظهوره في بداية القرن الماضي في النضال الوطني والاجتماعي  ومن التضحيات الجسام التي قدمها مناضليه، فإنه لا يزال يتعرض للتشكيك وبخس  إسهاماته ومن قبل منتسبيه قبل غيرهم وهو ما يثير الاستغراب والدهشة.  

ولقد مرت منذ أسابيع الذكرى الخمسين لتأسيس أول منظمة يسارية اشتراكية في تاريخ تونس بعد الاستقلال وأعنى بذلك منظمة “آفاق-العامل التونسي” والتي تنحدر منها وعنها كل فصائل اليسار الناشطة اليوم على الساحة السياسية بشكل من الأشكال.
لقد كان لهذه المنظمة السبق الفكري والنضالي في مختلف ميادين الحياة العامة فملئت الدنيا وشغلت الناس وتجاوز تأثيرها القطر التونسي ولا يمكن بحال من الأحوال كتابة تاريخ اليسار اليوم وغدا دون التطرق إلى إسهامات هذه الحركة وتأثيرها على الفكري اليساري وطرق وأساليب نضاله.

إنها من أرست أسس النضال الوطني والاجتماعي والديمقراطي الجديد. فلقد كان لها السبق في النضال ضد الاستبداد والحكم الفردي والتشهير بالمنظومة القمعية القانونية والمؤسساتية التي أعتمدها دولة الاستقلال لقهر الشعب، إنها أول حركة سياسية جعلت من المطالبة بالحرية والديمقراطية محو اهتمامها الأساسي . كما جعلت من قيم العدالة الاجتماعية والاشتراكية أحد مرتكزات فكرها ونضالها فنددت بالحيف الاجتماعي وساندت نضال الكادحين ونددت بالقمع الذي تعرضوا له في برج على الرايس ومساكن وزرمدين وعمال مناجم قفصة.

كما كان لها السبق في الكشف عن الأساليب الجديد للامبريالية في عهد الاستعمار الجديد فقامتها وساندت كفاح الشعوب المنتفضة من فيتنام إلى فلسطين الخ …الخ…

لقد مرت الذكرى الخمسين لتأسيسها دون أن تلقى أدنى اهتمام من زعماء الفصائل اليسارية وصحافتهم بل أنهم يتحملوا حتى عناء حضور الاحتفالات والتظاهرات الفكرية التي أقامتها جمعية “بربسبكتف –العامل التونسي50الذاكرة والمستقبل” و”المعهد الوطني لتاريخ تونس الحديث” بجامعة منوبة…في حين حضر هذه التظاهرات مثقفون كبار وشخصيات يسارية مرموقة في الجزائر والمغرب ومصر ومحاضرين من فرنسا.

لماذا هذا التجاهل وهذا الإهمال من قبل الفصائل اليسارية؟

يرجع ذاك التجاهل وهذا الإهمال إلى القراءات العدمية السائدة صلب هذه الفصائل لتاريخ اليسار بمختلف مكوناته ليس فقط منذ تأسيس منظمة “برسبكيف- العامل التونسي”وإنما يمتد إلى ما قبل ذلك بكثير إلى بداية القرن الماضي  تاريخ تأسس الحزب الشيوعي التونسي.
 
يتصور أصحاب هذه الرؤية العدمية أنه  لا وجود ليسار ولا لتاريخ لحركات يسارية قبل تأسيس الفصائل التي ينتسبون إليها. يبدأ التاريخ مع تأسيس فصائلهم ومنظماتهم و قبل ذلك لا يوجد إلا الفراغ لذا هم لا يعيرون أدنى اهتمام لما سبقهم وسبق المنظمة التي ينتمون إليها. وكأن هذه الأخيرة نشأت من عدم دون أن تستند إلى تراكمات فكرية و نضالية سابقة لوجودهم. وبسبب غياب العمق التاريخي في تكوين مناضلي هذه الفصائل فإن التخلي عن التنظيم يقود في الغالب إلى الانسلاخ عن الفكر والتحول إلى نقيضه. كما أن الخلافات بين هذه الفصائل تقود في الغالب إلى استحالة العمل السياسي الموحد مهما كانت صيغه بل أنا عاينا منذ مطلع التسعينات تأسيس عديد الجبهات بين تنظيمات يساري وتنظيمات سياسية متعددة وغير يسارية.

و الغريب في الأمر أن هذه القراءات العدمية تلتقي مع الهجمات العدوانية التي يشنها الظلاميون والليبراليون ضد اليسار وتاريخه النضالي و أنها تتنكر للمرجعيات الأساسية التي تنتسب إليها هذه الفصائل.

فلقد قد تم الاعتراف بالتنظيمات اليسارية التي وجدت بتونس منذ مطلع القرن الماضي من قبل المرجعيات اليسارية العالمية الأممية الثالثة وتنسقية الأحزاب الماركسية الليننية و ثمنت دورها النضالي لقد كان للشيوعيين التونسيون صولات وجولات لدرجة أن الأممية الثالثة كلفت المناضل التونسي بوضنقة  بالفصل في الخلافات بين الشيوعيين الجزائريين والفرنسيين داخل خلية بلعباس.  لقد كان الشيوعيون الأول من رفع شعار “الاستقلال الوطني” والجميع يعلم الدور الكبير الذي قام به كل من المناضلين مختار العياري وبول فندوري في معاضدة محمد علي الحامي  في تأسيس أول نقابة تونسية وكذلك الخياري في مساندة نضال طلاب جامع الزيتونة خلال الثلاثينات. كما لايزال عمال المناجم يتذكرون المناضل علي التليلي وعمال المرافئ خميس السعداوي معتقلات الجنوب وتبرسق والسجن المدني علىي جراد والنافع وجوج عدة….

أما اليسار الجديد فحدث ولا حرج لقد شكلوا مرجعا ومنارة في الوطن العربي بل وفي العالم. أسالوا ما قاله عنه الزعيم ماو لما استقبل وفدا عن حركة آفاق. وطالعوا ما كتبته صحافة العالمLe Monde و Nouvel Observateur و Jeune Afrique الخ .وما تكتنزه التقارير  السرية للدولة التونسية

إن قول هذا لا يعني أن اليسار قديمه وحديثه لم يرتكب أخطاء، …كل ما أريد قوله والتأكيد عليه إن استهتار اليسار الراهن بتاريخه لن يزيد زعمائه الحاليين بريقا ولا شرعية ولا أشعاعا ، وإنما سيجعلهم فريسة سهلة لمن يتربص بهم خاصة ممن يعتقدون أن اليسار “منبت” و”غريب” عن هذا المجتمع . أليس ” من لا ماضي له لا مستقبل له”.
 

الطاهر شقروش، مناضل بحركة برسبكتيف –العمل التونسي.
سجين سياسي سابق.
من مارس 1975 إلي جوان 1980