affaire-Yassine-proces-journaliste

قررت الدائرة الجناحية بمحكمة الاستئناف بتونس بعد المفاوضات تأجيل قضية الصحفي ياسين النابلي الذي يمثل أمام القضاء بتهمة الثلب اثر نشره مقالا على أعمدة جريدة صوت الشعب حول الأراضي الدولية “هنشير عياد” وما تعلق بها من سوء إستغلال وتسريح للعمال الفلاحيين والتنقيب على الأثار،الأمر الذي إضطر المسثمرة امنة منصور القروي إلى رفع شكوى قضائية ضد الصحفي متهمة إياه بالثلب و التشهير بشخصية عامة على إعتبار وأنها رئيسة حزب سياسي، مع العلم أنها قد أعلنت مؤخرا نيتها الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة.

affaire-Yassine-2

وقد نفذ عدد من نشطاء المجتمع المدني والسياسي وقفة احتجاجية أمام قصر العدالة يوم الاربعاء الفارط تنديدا بهذه المحكمة وما ينجر عنها من مس من حرية التعبير والصحافة بعد الثورة .

فيما يلي نص المقال الذي يحاكم ياسين النابلي على خلفيته :

قربة، “هنشير عياد”:
 الفلاحون يطالبون الدولة باسترجاع الأرض



بقلم ياسين النابلي، الخميس 15 نوفمبر، جريدة صوت الشعب

2012

بعد “الشويقي” و”الدخيلة” و”الكريب” و”بورويس” و”صاحب الجبل”، جريدة “صوت الشعب” تحط الرّحال بمدينة قربة، وتحديدا بمنطقة “هنشير عياد”، التي تعد من أشسع وأخصب المناطق الفلاحية بولاية نابل، حيث تبلغ مساحتها الجملية حوالي 286 هكتار، تم التفويت في 166 هكتار منها إلى مستثمرة فلاحية منذ سنة 1998، في حين تم توزيع 70 هكتار في شكل مقاسم فلاحية تمتع بها المقربون من النظام السابق، أما المساحة المتبقية توجد بها منطقة صناعية ممتدة على نحو 50 هكتار تقريبا.
”مستعدون لخدمة الأرض بأظافرنا، شرط أن تستعيدها الدولة”، بهذه العبارات استقبلنا أهالي منطقة “هنشير عياد”، الذين رووا لنا جزءا من معاناتهم اليومية جراء التهميش الذي كابدوه طيلة السنوات الفارطة، وقد تكرر على ألسنتهم الحديث عن “المستثمرة”، التي مثل قدومها سنة 1998 إلى “هنشير عياد”، أحد الأسباب الرئيسية التي خلفت ما لاحظناه، على الأقل، من حرمان وغبن، ارتسما بوضوح في عيون الفلاحين الذين تحدثنا إليهم. وقد صادف أن التقينا المستثمرة بصدد القيام بجولة بسيارتها صحبة سائقها الخاص، ولم تخف هذه الأخيرة عدم رضاها على زيارتنا المفاجئة، متعللة بأننا لا نملك ترخيصا لالتقاط الصور…


إهمال مساحات شاسعة من الأراضي


لئن تم التفويت في الأرض للمستثمرة منذ أواخر التسعينات إلا أنها كانت في السابق، ومنذ سنة 1967، تخضع لإدارة تعاضدية “الوحدة الانتاجية هنشير عياد”، ولإجراء مقارنة بين وضعية الأرض عند تسلمها من قبل المستثمرة وبين الوضعية السابقة، أفادنا الأهالي بجملة من المعطيات، علاوة على بعض الأمور الظاهرة التي عايناها على عين المكان. وقد ذكر لنا السيد محمد بن عمار أن الأرض كانت تنتج سنويا، حوالي 1800 طن من العنب المصنف من أجود الأنواع، وأكثر من 45 ألف طن زيت زيتون، وكان يشتغل فيها حوالي 200 عامل موسمي و70 عامل قار، كما أشار محدثنا إلى أن الأرقام التي أفادنا بها يمكن العثور عليها بأرشيف وزارة أملاك الدولة. أما بعد التفويت في الأرض للمستثمرة، أكد جل الذين تحدثنا إليهم أن هذه الأخيرة اكتفت بالاستغلال البعلي لـ5 هكتارات من الحبوب، وعمدت إلى اقتلاع أشجار العنب واللوز والعوينة التي تغطي مساحة شاسعة تصل إلى 100 هكتار تقريبا، وفي المقابل أبقت على أشجار الزيتون دون الاعتناء بها. وتعليقا على هذه المعطيات التي سردها الفلاحون، تساءل أحد الشبان قائلا: “كيف يمكن استثمار 166 هكتار بالاستعانة بعامِلَين وجرار فلاحي واحد؟”، وقد حرّضنا سؤال هذا الشاب، على توجيه العديد من الأسئلة الأخرى إلى الفلاحين، خصوصا حول وضعية العمال بعد التفويت في الأرض للمستثمرة، وحول الطريقة التي يجري بها استثمار الأرض


تسريح العمال


عند التفويت في الأرض للمستثمرة سنة 1998، تم الإبقاء على العديد من عمال “التعاضدية”، ولكن بعد ذلك تم الاستغناء عنهم تدريجيا في ظرف لم يتجاوز السبع أشهر حسب ما أكده الفلاحون. أما حول الأساليب التي يجري بها استغلال الأرض من قبل المستثمرة، فقد أشار جل الذين تحدثنا إليهم إلى أن هذه الأخيرة عمدت إلى غلق اصطبلات الأبقار والمستودعات وأخلت المنازل التي كان يقطنها بعض العمال الفلاحيين، وقامت بغلق المسالك الفلاحية التي تشق الأرض وتحويلها إلى مصب للنفايات، علاوة على اقتلاع مساحات شاسعة من الأشجار المثمرة وردم خمسة آبار سطحية. أما بخصوص الأسباب التي دعتها إلى الالتجاء إلى مثل هذه الأساليب، أكد أحد الشبان الذي تحدثنا إليهم أن المستثمرة حولت الأرض إلى “حديقة خلفية” تستدعي إليها الأصدقاء والأقارب للتنزه، هذا بالإضافة إلى التنقيب على الآثار، وقد اصطحبنا الأهالي أثناء الجولة التي قمنا بها إلى معاينة بعض “الحفر”، التي أكدوا أنها تعد شاهدا على عمليات التنقيب التي تقوم بها المستثمرة. وبعد مغادرتنا المكان علمنا أن الحرس الوطني بقربة قام بمعاينة آثار النبش على الآثار، ومن المنتظر أن يتقدم الأهالي بشكاية في الغرض للسيد وكيل الجمهورية


الفلاحون يقترحون


إزاء هذه الوضعية التي أجمع الأهالي على أنها لم تعد تحتمل، أكدوا لنا أن مطلبهم الأول والملح يتمثل في سحب التسويغ من المستثمرة واسترجاع الأرض من قبل الدولة. بالإضافة إلى هذا اقترحوا أن يتم إعادة استثمارها على نحو يلائم طاقتها الإنتاجية على اعتبار وأنها “أرض شجرة” على حد تعبير بعضهم، وبالإمكان استغلالها في زراعة العديد من أنواع الأشجار المثمرة على غرار العنب والعوينة واللوز و”الفراز”، أما بخصوص طرائق استثمارها فقد أشار الفلاحون إلى أنه بالإمكان إعادة توزيع الأرض في شكل مقاسم فلاحية على الفلاحين القاطنين بالمنطقة أو تنظيم استغلالها في شكل وحدات إنتاجية يتم تسييرها من قبل عمال فلاحيين ومختصين وإداريين أكفاء. وقد شدد الأهالي على أن هذه الحلول كفيلة بأن تقطع مع الإهمال الذي عانت منه الأرض لسنوات طويلة، هذا بالإضافة إلى أنها ستساهم في انتشال عشرات العائلات والشباب من الفقر والخصاصة والبطالة


المستثمرة تحتج


”الدار لها حرمتها”، هكذا قالت المستثمرة أثناء اتصال هاتفي أجرته معها “صوت الشعب”، معبرة بذلك عن استيائها من عدم استئذاننا قبل القدوم إلى “هنشير عياد”، ورغم عدم ترحيبها بزيارتنا نقلنا لها هاتفيا جملة الاتهامات التي وجهها لها الأهالي، وقد كانت ردودها مبنية على النفي القطعي معتبرة أن ما قاله الأهالي بخصوص إهمال الأرض والتنقيب على الآثار وردم الآبار لا يعدو أن يكون مزاعم كاذبة، وقد أشارت إلى أن “أمورها قانونية” على حد قولها، وأنها على اتصال دائم بالمسؤولين المعنيين على غرار وزير الفلاحة.
من جهتنا نقول أن المستثمرة من حقها أن تقول ما تشاء، وأن تصفنا بعدم الاحترام إن شاءت ذلك، وبإمكانها أيضا أن تبحث عن الدعم السياسي والمادي سواء من مسؤولين حكوميين أو من جهة أخرى على اعتبار وأنها رئيسة حزب سياسي (نتحفظ على ذكر اسمه)، ولكن نقول لها بالمقابل أن الصورة التي وثقناها بآلة تصويرنا أصدق من الكلام، كما نقول لها أن حسرات السنين “العجاف” والدموع المكتومة التي شاهدنا في عيون النساء وفي ابتسامات الحرمان المرسومة على جباه الرجال والصبيان، تظل هي خير شاهد…كما نؤكد لقرائنا الأعزاء أن “صوت الشعب” عاقدة العزم على متابعة هذا الملف في أعدادها القادمة