tourisme-tunisie

بقلم محمد بن جماعة،

في تونس العاصمة مؤسسة اسمها “مدينة العلوم”.. وبحكم استقراري في المهجر منذ فترة طويلة، لم يتيسر لي زيارتها لحد الآن، ولا أعرف طبيعة خدماتها، ومدى التجديد الحاصل في مضامينها، وجودة ما تقدمه للزوار وخصوصا الطلبة والتلاميذ والعائلات في إطار التعريف بالعلوم.. ولكنني زرت في اليومين الأخيرين مركز العلوم بتورنتو الكندية (Onatario Science Center) فوجدته أعجوبة في تبسيط العلوم للعامة، وأثار في نفسي لذة ومشاعر طيبة، وفي ذهني أفكارا هامة.. وتمنيت لو وجد مثله في تونس..

يتكون المركز/المعرض من مركّب ضخم بـ6 طوابق، كل طابق فيه عدد من العلوم والقضايا العلمية: الطاقة والكهرباء، الميكانيك، الذرّة، الزراعة، الأغذية، الطب، علوم الفضاء، الجيولوجيا والمعادن، البيولوجيا، علم الأحياء، بداية الكون، الكواكب، الاختراعات الكبرى، نظرية الألوان، خلق الإنسان، تفسير أهم الأمراض، تشريح الأعضاء، تنمية عضلات الإنسان، تفسير الظواهر العلمية والطبيعية مثل الريح، والمطر، والجاذبية، والحرارة، وتخلّق الجنين في بطن الأم، واختلاف ألوان البشرة لدى الإنسان، إلخ..

مئات المواضيع بشكل مبسّط وفني وعملي يفهمه الكبار والصغار.. وأغلبها في إطار ترفيهي وألعاب تطبيقية وشرائح ورسوم بيانية وفيديوهات، وأرقام وإحصائيات، ومسابقات خفيفة من قبيل “هل تعلم؟” و”اختبر ذكاءك”، و”الحقيقة والخيال” و”الحقيقة العلمية أمام الأساطير الشائعة” و”الحقيقة العلمية أمام الشعوذة والدجل”، إلخ.

وفي المعرض أيضا قاعة سينما فريدة من نوعها تسمى (Omnimax) يتم فيها عرض بعض الأفلام الوثائقية العلمية الرائعة. وشاشة العرض عبارة عن قبة ضخمة تحيط بالمشاهد، فيراها من أمامه ومن خلفه ومن فوقه وعن يمينه وعن شماله، فتعطيه انطباعا بأنه داخل الفيلم وجزء منه.. والفيلم الذي شاهدته مع العائلة كان بعنوان: “جيروزالم” (القدس)، ويروي تاريخ ومعالم مدينة القدس من زاوية نظر ثلاث فتيات من أهل المدينة: مسلمة ويهودية ومسيحية.

وفي المعرض أيضا جناح دائم كبير خاص بتاريخ العلوم، عنوانه “سلاطين العلم”.. وفوجئت أنه من تمويل ودعم ثقافي من مركز نور الثقافي بتورنتو (مركز ثقافي إسلامي يشرف عليه أستاذ جامعي من أقارب المفكر الإيراني سيد حسين نصر).. ويعرض إسهامات العرب والمسلمين في تاريخ العلوم، بشكل فني رائع ومبسط..

وفي المعرض، يتم تنظيم زيارات تعليمية دورية للمدارس والثانويات، وورشات تعليم، وحوار مع متخصصين في مختلف العلوم.. وعروض علمية للأطفال ومنشطون فكاهيون يقومون ببعض التجارب العلمية الهزلية، إلخ.

وقد أثار فيّ هذه الزيارة تساؤلات حول ضرورة أن تهتم الدولة في تونس بإنشاء مشروع ضخم كهذا يقوم بإنجاز محاوره طلبة العلوم والطب والهندسة المعمارية ومختلف تخصصات الهندسة الأخرى، وعلوم الكمبيوتر، إلخ..

هذه الفكرة دعتني للتفكير بشكل أوسع في ما يعرف بـ”السياحة الثقافية”، وهذا ما أقترحه في ما يلي..

1- مفهوم السياحة الثقافية

تعرّف السياحة بأنها تنقّل إلى مكان خارج مقر الإقامة المعتاد، لمدة تتجاوز 24 ساعة، ولا تتجاوز السنة، سواء لهدف ترفيهي أو مهني (زيارة معرض، مشاركة في مؤتمر، زيارة عمل، إلخ) أو لزيارة الأهل، أو الهروب من البرد بحثا عن الدفء، أو الرغبة في اكتشاف ثقافات جديدة وأنماط غذائية مختلفة، أو لأي هدف آخر.

ويتضمن الاقتصاد السياحي كل ما يتعلق بأنماط تنقل المسافرين، وطعامهم، وإقامتهم، والأنشطة التي ينخرطون فيها خلال سفرهم. وبهذا الكمّ الهائل من المنتجات والخدمات الملبّية لحاجات ملايين السياح يمكن أن ندرك لماذا تمثل السياحة حاليا صناعة من أكبر الصناعات في العالم.

أما بالنسبة إلى السياحة الثقافية، فلنا ندرك وجود تعريفات مختلفة، نتيجة لتعدد التعريفات لمصطلح “الثقافة”. ومن بين المصطلحات المعتمدة:

– السياحة الثقافية والتراثية: وتعتمد على المشاركة في نشاط ثقافي أو تراثي، بما يشكل مبررا ودافعا قويا للتنقل من مدينة لأخرى ومن بلد لآخر. ومن هذه الأنشطة: فنون الركح (المسرح، الرقص، الموسيقى..)، والفنون البصرية والتقليدية، والمهرجانات، والمتاحف، والمراكز الثقافية، والمواقع التاريخية، إلخ.

– حركة الأشخاص نحو المعالم الثقافية القائمة بعيدا عن إقامتهم المعتادة، ليعيشوا تجربة جديدة ويكتسبوا معارف أخرى، في إطار تلبية حاجاتهم الثقافية، مثل السفر لزيارة المواقع الأثرية والمعالم التاريخية والدينية، إلخ.

– السياحة الجغرافية: التي تركز على الطابع الجغرافي لبعض الأماكن، سواء فيما يتعلق ببيئتها، أو مناخها، أو طبيعتها، أو ثقافتها، أو هندستها المعمارية، أو عاداتها، أو أهلها.

وتشير جميع هذه التعريفات إلى الأبعاد المختلفة لهذا القطاع.. فالسياحة الثقافية تضمّ مختلف التجارب التي يعيشها الزوار لاكتشاف ما يمثل طابعا متميزا لمكان مّا، سواء كان متعلقا بجغرافيته، أو تراثه، أو نمط الحياة فيه، أو فنونه، أو أهله، ولكن أيضا التعبيرات الفنية عن هذه الثقافة.

2- ما يمكن توفيره في إطار السياحة الثقافية

المنتجات والخدمات التي يمكن توفيرها في إطار السياحة الثقافية كثيرة ومتنوعة.. ومن بينها:

المواقع الثقافية والتراثية: المعارض الفنية، قاعات العروض، المتاحف، المسارح، المزارع، الأماكن التاريخية، المراكز الثقافية، الآثار الدينية، المنارات، القلاع، المساجد التاريخية، القصور الأثرية، معارض الرسم والنحت..

الطرق: الطرق والمسالك التاريخية، الطرق ذات الطبيعة الجميلة، مسالك الرحلات التاريخية..

الخدمات ذات الطابع الثقافي والتراثي: الإقامة، متاجر التفصيل، بيع الهدايا التذكارية والآثار وأدوات الديكور التراثية، مطاعم، استراحات، أماكن ترفيه للأطفال..

– المناسبات: المهرجانات المحلية، الأسواق، مجسمات لأحداث ووقائع وشخصيات ومباني تاريخية، مهرجانات الموسيقى والأفلام والمسرح، تنشيط الشوارع (ترفيه، عزف فردي، رقصات شعبية)، رسوم الشوارع..

– الزيارات الثقافية والتراثية: زيارات القرى الأثرية، ومواطن البربر والسكان القدامى، زيارة المصانع، زيارة المزارع والضيعات الفلاحية، زيارة الأماكن العسكرية ومواطن المعارك التاريخية، زيارة الآثار الجيولوجية..

– الأحياء الثقافية والتراثية: الأحياء والمنازل التاريخية، الخصائص المعمارية (المباني، الجسور التاريخية، المساجد)، الطرق التاريخية والحدائق العمومية..

– المناظر الطبيعية الثقافية أو التراثية: الحدائق، الممرات والمسالك، المعالم..

– المنتجات والخدمات المحلية: الصناعات التقليدية، والمهن المميزة، الأغذية والغلال، معاصر الزيتون، مصانع تعليب التمور، مصانع تقطير العطور، الهدايا التذكارية المصنوعة يدويا..

3- فوائد السياحة الثقافية:

يمكن تلخيصها في ثلاثة أبعاد أساسية: اقتصادية واجتماعية، وبيئية:

الفوائد الاقتصادية:

  • تنويع الاقتصاد المحلي من خلال إنشاء مواطن الشغل والمؤسسات ومعالم الجذب السياحي
  • استقطاب الأموال وتوفير مداخيل جبائية
  • دعم المؤسسات الصغيرة وتوفير إمكانيات التوسع
  • التشجيع على حماية الموارد المحلية
  • تدعيم الروابط بين المناطق وداخل المنطقة الواحدة
  • التحفيز على إنشاء المرافق العمومية وتعهدها وصيانتها المستمرة

الفوائد الاجتماعية:

  • تحسين الصورة العامة لأهل المنطقة، وتنمية شعورها بالاعتزاز والفخر والرضا
  • التشجيع على تجميل المناطق
  • توفير أطر ومناسبات لخلق روابط وشراكات إيجابية بين الأطراف المحلية
  • توفير تجارب تربط الزوار بتاريخ المنطقة، مما يساعد أيضا في ربط أهالي المنطقة في الارتباط أكثر بتاريخهم وتراثهم
  • حماية العادات والتقاليد والثقافة المحلية
  • توفير فرص التعلم، والبحث العلمي للطلبة
  • تحقيق استثمار محلي في الموارد المحلية والخدمات السياحية الداعمة لها.

الفوائد البيئية:

  • المساهمة في خلق ثقافة حماية للموارد المحلية
  • تشجيع الأهالي والزوار على الوعي بتأثير السلوكيات في حماية البيئة أو الإضرار بها
  • تنمية الشعور بأهمية المناطق والمحليات

4- السياحة الثقافية والتراثية.. هويتنا الكامنة في الزمان والمكان

تمثل السياحة الثقافية أحد أهم وسائل التواصل العالمي. ولذلك يجب أن تصبح أداة للتنمية المستدامة، مع الخضوع في نفس الوقت للقيم الأساسية مثل التعليم، واحترام تنوعنا، وتميز مشاريعنا، وحماية تراثنا.

فالتنمية المستدامة تمثل عاملا من عوامل النمو الاقتصادي. ورغم توفيرها للثروة ومواطن الشغل، إلا أن ذلك يتم أحيانا على حساب القيم التي نحملها. ومن أجل الحفاظ على الطابع الإنساني للسياحة الثقافية، يجب أن تتوفر للزوار إمكانية أن يحملوا معهم في حقائبهم بعض المشاعر والذكريات، وبعض المعارف والخبرات الجديدة، وأيضا بعض الصداقات.. لهذا فمن الضروري حماية تراثنا المادي وغير المادي، من خلال الالتزام بأخلاقيات عامة تركز على التعبير عن روح بلادنا وجمالها..

5- البحث عما يلائم واقعنا

تحتاج المجتمعات الراغبة في تنويع اقتصادها من خلال السياحة، لأن تأخذ بعين الاعتبار تطور العقلية الاستهلاكية للمسافرين.. ففي واقعنا المعاصر، أصبح كثير من محبي الأسفار والرحلات يبحثون عن مواصفات خاصة في اختيار البلدان التي يزورونها، مثل:

  • الأماكن الآمنة
  • التجارب الفريدة وذات القيمة
  • القدرة على “المشاركة” بدل الاكتفاء بـ”المشاهدة”
  • إمكانية التعرف والتواصل مع الأهالي المحليين
  • الجودة بأسعار معقولة
  • الرفاهية مع إمكانية القيام بأنشطة ومغامرات معقولة
  • منتجات فريدة من نوعها، وتجارب مكيّفة حسب الأشخاص
  • إمكانية تنظيم جولات “عفوية”، واقتراح مسارات سياحية مختلفة
  • إمكانية تخطيط السفر عن طريق الإنترنت
  • إمكانية دعم الممارسات السليمة فيما يتعلق بالبيئة والمسئولية الاجتماعية.

6- مشاريع عملية لتونس

تونس تحتاج لتأسيس عدة متاحف وطنية موزعة جغرافيا على عدة ولايات كي تساهم في تنشيط السياحة الثقافية وخلق فرص العمل، والعائدات المادية. مع الإشارة إلى أن مواد هذه المتاحف والمعارض لا تستوجب تمويلا ضخما، بل يمكن إنجازها في إطار ابتكارات وورشات طلابية وفنية وأعمال أهل التخصصات العلمية.. وفيما يلي بعض مشاريع السياحة الثقافية التي قد يفيد التفكير في إنجازها بتونس:

المتحف الوطني للثورة:

  • مفهوم الثورة
  • أحدث الثورة بسيدي بوزيد
  • محمد البوعزيزي
  • أحداث الثورة في مختلف المدن
  • رموز الثورة
  • مفهوم الحرية والكرامة
  • أسباب الثورة
  • اختلال التنمية الجهوية
  • الفقر والحرمان
  • أرقام وإحصائيات
  • وعي الثورة المدنية في مقابل العنف الثوري
  • ثورات الربيع العربي، وتأثير الثورة التونسية في الوضع العربي الراهن
  • مقارنات مع أهم الثورات في العالم

المتحف الوطني لحقوق الإنسان:

  • مفهوم حقوق الإنسان
  • الميثاق العالمي لحقوق الإنسان
  • المواثيق الدولية والتونسية
  • تاريخ الرق في تونس، ووثيقة القضاء على الرق
  • وضع المرأة التونسية
  • حقوق الطفل
  • التمييز العنصري
  • التمييز الجهوي

متحف الذاكرة الوطنية:

  • تاريخ الحركة الوطنية
  • وثائق الاستعمار
  • شخصيات وطنية
  • المعارك الكبرى للمقاومة
  • التاريخ النقابي
  • شعر وأدب المقاومة
  • الفنون في فترة الاستعمار
  • تاريخ الدولة العثمانية بتونس
  • تطور المعمار التونسي
  • كبرى العائلات التونسية وأصولها بكل مدينة
  • تاريخ الفرق الرياضية بتونس
  • الطوابع البريدية
  • النقود والعملات التونسية
  • تاريخ البريد التونسي
  • تطور وسائل النقل التونسية
  • تاريخ الخطوط الجوية التونسية، وشركة السكك الحديدية
  • تاريخ الدول والممالك والحضارات بتونس
  • رسم الحدود الجغرافية التونسية
  • تاريخ انضمام تونس للأمم المتحدة والمعاهدات الدولية
  • تاريخ البرلمان التونسي
  • دستور 1956

متحف الطبيعة

متحف/مركز العلوم:

  • الطاقة والكهرباء
  • الميكانيكا
  • الذرّة
  • الزراعة والأغذية
  • الطب
  • علوم الفضاء
  • الجيولوجيا والمعادن
  • البيولوجيا
  • علم الأحياء
  • بداية الكون ونظرية الانفجار الأول ونظرية التصميم الذكي
  • الكواكب
  • الاختراعات الكبرى
  • نظرية الألوان
  • خلق الإنسان
  • تفسير أهم الأمراض
  • تشريح الأعضاء
  • تنمية عضلات الإنسان، ونمو الأعضاء
  • نظرية داروين، والتشابه بين الكائنات الحية
  • تفسير الظواهر العلمية والطبيعية مثل الريح، والمطر، والجاذبية، والحرارة، وتخلّق الجنين في بطن الأم، واختلاف ألوان البشرة لدى الإنسان، إلخ..

يمكن أيضا إنجاز متحف على نمط متحف اسطنبول (Miniaturk) الذي يستعرض مجسمات صغيرة لجميع الآثار التركية من مختلف المدن..

7 _ متحف الحضارة العربية والإسلامية: على نمط متحف مينياتورك Miniaturk بإسطنبول.. ومن أجنحته الممكنة:

  • تأريخ انتشار الإسلام
  • المخطوطات الإسلامية
  • الخط العربي
  • تاريخ العلوم عند العرب
  • المعمار الإسلامي
  • فن الزخرفة
  • أهم مساجد العالم
  • مجسم للحرم المكي
  • مجسم للحرم المدني
  • علوم القرآن والحديث
  • التفاسير ومناهجه
  • المذاهب والفرق ومظاهر التنوع الإسلامي
  • تاريخ الممالك والدول
  • رمضان في ثقافات الشعوب المسلمة
  • الحج
  • الوقف الإسلامي

8- بعض الروابط المفيدة:

  • متحف الثورة الفرنسية بمدينة فيزيل
  • متحف الثورة بكوبا
  • مركز العلوم بتورنتو (فرنسي وانجليزي)
  • متحف مينياتورك بإسطنبول