بقلم نادية الهداوي، ترجمته إلى العربية محمد سميح الباجي عكّاز، بالتعاون مع نادية الهداوي

تواصل القنوات الخاصة استعراضها السياسي اللا أخلاقي التي تزعم أنّه نتاج لمناخ الحريّة والتعدّدية الجديد في تونس. وفي هذا الإطار، انتشرت برامج “تلفزيون الواقع” بشكل واسع. وهي تندرج ضمن ما يعرف “بتلفزيون الفقراء” وقد أسّس لها “رئيس الفقراء”*، مستقطبةً نسبا كبيرة من المشاهدين عبر تركيزها على “البورنوغرافية المجتمعيّة”.

وهكذا استطاع “تلفزيون القمامة“، نتيجة عقود من الرقابة الإعلامية والرداءة الثقافيّة، اكتساح المشهد الإعلامي عبر ابتذال ظاهرة العنف والإقصاء لدى الفئات الشعبيّة. ومع انعدام المعالجة الصّحفية للمواضيع المطروحة في هذا النوع من البرامج أصبحت تلك القنوات تغضّ الطرف عن مسؤوليتها في الحد من التجاوزات الأخلاقية.

وفي الوقت نفسه، انعكست هذه النوعية من البرامج على مناقشات أخلاقيات المهنة التي انتقلت من التأسيس لإعلام مسؤول إلى الجدل حول دور التعديل المنوط بالهيئة العليا المستقلّة للاتصال السمعي البصري وإمكانيّة تقييدها للحريّات. وفي الواقع إنّ الهيئة، كسلطة إداريّة مستقلّة، بإمكانها معاقبة أيّ إذاعة أو تلفزة تتخطّى القوانين، إذ أن القاعدة الأساسية للتعديل هي الحدّ من الحريّة عندما تمسّ هذه الحرية من القيم الأخلاقيّة كاحترام الكرامة الإنسانية.

“عندي ما نقلّك”: المثال الحيّ

تجدر الإشارة، إلى أنّ الهيئة العليا، ومنذ انطلاقها في شهر ماي 2013، أصدرت  أكثر من عشرين قرارا وتحذيرا من الحظر ضدّ القنوات الإذاعية والتلفزية. وقد شملت أغلبيّة الانتهاكات برنامج تلفزيون الواقع والبرامج الإعلامية-الترفيهيّة، وتحظى قناة “التونسيّة” بنصيب الأسد فيها، من قبيل برنامج “عندي ما نقلّك”، و”لمن يجرؤ فقط” (انتقل هذا البرنامج من قناة حنبعل إلى قناة التونسيّة)، وبرنامج “لاباس” و”برنامج التاسعة مساء” (الذي توقف بعد خروج معزّ بن غربيّة من القناة).

آخر هذه الانتهاكات تمّ تسجيلها بشأن قضية إثبات نسب كانت محور الحلقة التي أوقف على إثرها برنامج “عندي ما نقلّك” لمدّة شهر بقرار من الهيئة العليا المستقلّة للاتصال السمعي البصري نتيجة مسّ هذه الحلقة من الحياة الخاصّة والكرامة الإنسانية، بعد شكوى تقدّمت بها العائلة المعنيّة أكدّت فيها تعرّضها للتحيّل من قبل منشّط البرنامج.

وقد غرّمت قناة التونسيّة وشركة “كاكتوس للإنتاج” بخطيّة ماليّة بلغت 200 ألف دينار. وتمّ تحديد مبلغ الغرامة وفقا لحجم الانتهاكات والتي كانت هذه المرّة تتعلق بتجاهل قرار عدم إعادة البث، طبقا للفقرة 26 من المرسوم 116 .وتنصّ هذه الفقرة على “أنّ الغرامة الماليّة تكون متناسبة مع حجم الخرق الذي تمّ اقترافه والربح الذي تمّ تحقيقه نتيجة هذا الخرق على أن لا تتجاوز الغرامة 5 بالمائة من الأرباح الصافية التي تمّ تحقيقها خلال السنة السابقة”.

وقال علاء الشابي، منشّط برنامج “عندي ما نقلّك”، في تصريح لا يدلّ على أنّه يخشى الوقوع في التناقض، أنّ الهيئة العليا أخذت مكان “عمّار 404”. واستعرض “المنشّط النجم” أخلاقيّاته الخاصة به عندما أكّد أنّه “تلقّى 11 حالة لفتيات حوامل من آبائهنّ ولكنّه رفض تصوير حالاتهنّ كيّ لا يمسّ من مشاعر المشاهدين” ومع أن الشابي يصر في بداية كل حصة أنّ الهدف الأساسي من برنامجه هو تقريب النّاس من بعضهم البعض ولمّ شملهم، فإنه يتجاهل في الآن ذاته الآثار السلبيّة على المستوى السياسيّ والنفسيّ التي تخلفها ازدواجية خطابه.

قضية أخري في إثبات النسب كانت دليلا على ما سبق ذكره، والتي تسبّبت بأضرار معنويّة لضيف من ضيوف”عندي ما نقلك” وهو “محمد تريكي”، الميكانيكي من قرية منزل تميم والبالغ من العمر31 عاما. اكتشف محمد في سنّ السادسة أنّ العائلة التي يعيش معها قد تبنّته فأصبح مهووسا بالبحث عن أمّه البيولوجيّة. وقرّر المشاركة في برنامج علاء الشابي عسى أن تنتهي معاناته وتلتئم جراحه الناتجة عن إهمال والديه له. وقد صرح لنا: “عندما شاهدت أنّ البعض استطاع العثور على آبائهم البيولوجيّين، منحني ذلك بعض الأمل” وهكذا دعته وحدة الإنتاج في قناة التونسيّة، في شهر سبتمبر 2012، لمواجهة السيّدة سعاد التي سيتضح فيما بعد أنها ليست أمّه البيولوجيّة. فرغم وجود اسمها الثلاثي في شهادة ميلاد محمد ووثيقة التبنّي، أنكرت السيّدة سعاد أن يكون ابنها وخمّنت أن تكون قريبتها قد انتحلت الاسم عند ولادتها له بعد علاقة غير شرعيّة.

وأنكرت تلك القريبة، بعد شهر خلال استضافتها في نفس البرنامج، أن تكون لها أيّ صلة بمحمّد. ولم يصل البرنامج إلى أي نتيجة بخصوص هذه القضية فأصبح “محمد تريكي” شخصا غير مرغوب فيه في قناة التونسيّة.

يقول محمد تريكي بمرارة : “لقد أخبرني أحد العاملين في فريق الإنتاج أنّني أصبحت “كارطة محروقة”. ومنذ ظهوري في البرنامج، أصبحت شخصا منبوذا و”منعوتا بالإصبع” أكثر من ذي قبل” بالإضافة لذلك، لم يف منشّط برنامج “عندي ما نقلّك”، علاء الشابّي، بوعده والتكفّل بمصاريف التحليل الجينيّ. وقال محمد تريكي أنه عندما خاب أمله توجّه إلى قاضي تحقيق ساعده في القيام بتلك التحاليل مجّانا في معهد “باستور”، وقد أثبتت النتائج أنّ السيّدة سعاد ليست أمّه البيولوجيّة.

وأضاف محمد أنه كان ينوي “التقدّم بشكاية ضدّ قناة التونسيّة بعد ما أصابه من شعور بالإذلال والتحيّل”، إلاّ أنّه استطرد قائلا إنّه ” قد يتراجع عن الشكاية في حال تعهّد علاء الشابيّ بمواصلة البحث لتمكينه من إيجاد والدته الحقيقيّة”.

ضدّ سردية الثورة

أصبح تلفزيون الواقع في تونس، رغم ادعائه الاعتناء بالبعد الاجتماعيّ، يتاجر بالشؤون الحميمية دون أن يعي تعقيدات هذا الواقع الاجتماعيّ والسياسيّ. ومن خصائص هذا النوع من البرامج، أنه يتيح إمكانية النقاش حول القيم الأخلاقية الواهية ومراجعة بعض الرؤى التقليديّة، كمسألة التبنّي مثلا. ولكن برنامج “عندي ما نقلّك” لا يأخذ ذلك بعين الاعتبار ولا يساهم في النقاش العام.

وعلى العكس من ذلك، فإن البرنامج لا يطرح الحواجز القانونيّة والسياسيّة المتعلّقة بهذه القضايا المحرّمة في مجتمعنا. وهذا ما يجعله يسهم، بخلوّه من أيّ هدف بيداغوجيّ، في تدهور صورة الفئات الشعبيّة والمهمّشة والضعيفة، خصوصا منها النساء. فهن يتعرّضن أكثر من غيرهنّ إلى العنف وهنّ أشدّ تأثّرا بما يعتبره المجتمع وصمة عار.

زيادة على ذلك فإن استغلال “البرنوغرافية المجتمعيّة” في برامج “تلفزيون الواقع” يغذي لدي المتفرج متعة مبهمة عبر تلك الصور النمطيّة التي تبتذل الفحش دون أن تدفعه إلى التفكير أو التحرّر. وإذا كانت البورنوغرافية أو “الإباحية” “وسيلة تفاوضية يجد من خلالها الفرد مصالحة بين ذاته ومجتمعه من جهة وبين الممنوع من جهة أخرى” فإنها رواسبها السلبية تكمن في “هاجس الصورة والمظهر الذي يطمس ما يمكن أن يكون محجوبا أو مختلفا عند الآخر”.

وفي هذا السياق، يبدو أن الفارق بين عقليّة عامّة الناس وتصوّر هذه البرامج ليس فارقا كبيرا كما يمكن أن نعتقده. ففي مواقع التواصل الاجتماعيّ، تترواح الآراء حول برامج مثل “عندي ما نقلّك” أو”المسامح كريم” بين رفض هذه المادة التلفزيونيّة “الدنيئة” والتي “لا تحمل أيّ مضمون أو فائدة عامّة”، والخوف من تصنيف التونسيين “كشعب غير متحضّر” نتيجة لهذه البرامج التي “تشوّه صورتهم”.

غير أنّ قلّة من الناس يتصوّرون أنّه على الرغم من أنّ هذا النوع من البرامج “مستورد” فإنّها “تمثّل متنفّسا للتونسيّين نتيجة نقص المرافقة القانونيّة والاجتماعيّة والنفسيّة”. وحسب البعض، فإنّ “اليأس هو من يدفع هؤلاء النّاس إلى التوجّه إلى تلك البرامج لعرض مشكلاتهم والتعبير عن آرائهم علّهم يجدون حلاّ لها”. أمّا البعض الآخر، فيرى أنّ “الانحراف الحقيقيّ هو ما يفعله المنشّط من تقمّص لدور الطبيب النفسيّ والمختصّ الاجتماعيّ ورجل القانون”.

وهنا، يحقّ لنا أن نتساءل عمّا إذا كانت “تلفزة القمامة” هذه تروي حكاية مغايرة لسردية الثورة التي قامت على القطيعة مع التّهميش ومع ما دأب النظام السابق على تكريسه من شعبويّة للمتاجرة بمآسي هذا الشعب ليكيّفها مع مصلحته السياسيّة ويضفي على نفسه شرعيّة زائفة؟ من هذا المنطلق، وجب أخذ ما بين تلفزيون الواقع والبرامج الإعلامية-الترفيهيّة من صلات بعين الاعتبار. إذ أن الصيغ الإعلاميّة المعتمدة في هذه النوعية من البرامج تبرز بطريقة مماثلة تلك المراوغة المضمنة في صلب الخطاب الشعبويّ الذي يسعى إلى تدنّي وعي المشاهد والدفع به إلى التّسلية والترفيه لا غير.



*كان زين العابدين بن علي يسمي ب” رئيس الفقراء” نظرا لإرسائه لسياسة التضامن الاجتماعي بإنشاء صندوق ” 26-26 “، وهو صندوق
خاص بدعم الفقراء. ولكن سيكتشف التونسيين لاحقا أن نصف هذه الأموال تم تحويلها لفائدته وفائدة عائلته.