azys-amami-support


بقلم عبد السلام هرشي،

  هذا المقال لا يمجد بآي حال من الأحوال عزيز عمامي و لا ينسب له أفعالا لم يفعلها و لا يجعله في خانة العظماء و لكن يعتبر أن عزيز عمامي هو نموذج للشاب التونسي الذي لطالما ظل محافظا على حلمه العظيم ..  في المساعدة و حشد الجهود لتأسيس وطن يحافظ على الأقل على إبتسامة طفل في مهده و يضمن لقمة عيش لآبسط متساكنيه.

  كثيرون هم  الذين شاركوا في الثورة بكتابة مقال آو رمي حجر و كثيرون هم  الذين ساهموا من قريب أو من بعيد في إسقاط حكومة  الغنوشي و من بعدها حكومة السبسي و لكن قليلون و قليلون جدا هم الذين واصلوا هذا المسار الثوزي الشريف و حافظوا على أحلامهم ببناء وطن جميل و وضعوا نصب أعينهم مستقبل أجيالنا القادمين ،عزيز عمامي ، و كما يقول التونسيون ..راسو سخون…. له ضمير بوزيدي و عقل تونسي و تفكير ثوري و وجه عادي و قلب غير عادي.

    بعد الثورة و بعد الشهداء و بعد القناصة كانت الحقائق أمامنا كالتالي: إنهار نظام بن علي و صار بوسع الجميع أن يحلموا بوطن يعيش فيه الجميع، يحفظ الكرامة و يحقق العدالة، تحرك الجميع، تأسست الجمعيات الواحدة تلو الأخرى ، تنزلت علينا الصحف من كل حدب و صوب و تهاطلت علينا المواقع الإلكترونية، تشكلت الأحزاب كما تتشكل عصابات المافيا و بدأ الجميع  بعد ذلك العمل.

بينما كانت عيوننا تتطلع إلى واقع جميل يغلب عليه اللون الأخضر بدأت الرايات السود بالظهور و فجأة يرمى بورقة خطيرة جدا على طاولة التأسيس و هي السلفيين، نصبوا خيمهم الدعوية، آنزلوا أئمة الدولة و وضعوا أئمة جهلة وعقدوا مؤتمرهم الأول و مجدوا فيه بن لادن و غنوا غرباء و بدأت قوتهم تتعاظم شيئا فشيئا في ظل حكومة الترويكا التي تدير الدولة بحياء العاهرة في مأتم رجل دين و التي كانت منهمكة في إستقطاب الشرفاء من التجمعيين. في هذه الأثناء أطبق الصمت على مطالب الثورة و ظلت أصوات ضعيفة من هنا و هناك تطلق صيحات فزع. تنم عن إنحراف خطير للمسار الثوري،  بدأ الوجع يكبر و بدأت الأزمة تشتد إلى أن دخلنا في ما لا يحمد عقباه، معجنة الشعانبي و صور الجنود المذبوحين و إحتلال ١٠٠ كلمتر مربع من الأراضي التونسية من قبل الإرهابيين و منع مؤتمر أنصار الشريعة و حلقة ملاحقة أبو عياض المفرغة. في هذا الوقت كانت  وجوه النظام السابق تحاول العودة بعد أن إقتنعت بأن اليد الطولى للثوار لن تطولها، تبحث لنفسها عن منافذ للدخول مرة أخرى، و جاء الامر الجلل .. تشكلت أحزاب للتجمعيين و تتعدد الأسماء وكانت هذه الأحزاب بمثابة فتح باب من أبواب السماء.

اليوم، بعد ثلاث سنوات و على ذات الخريطة الممتدة،  عادت جيوش السوس مرة أخرى، عادت تبحث عن جحورها في المكاتب الفاخرة، تتشكل في مخابئ البنوك، تتخفى وراء قيادات أمنية، تنخر في جسد الضعفاء، تطارد الشباب بتعلة المخدرات، عادت من الأبواب الواسعة و من القنوات التلفزية، عادت عبير موسى و محمد علي الغرياني مرة أخرى تحت الأضواء، و يجد الشباب التونسي نفسه بعد ذلك بين فكي كماشة فك الإرهاب و فك  رموز الماضي.

أطلق سراح المجرمين و عاد الجميع إلى قصورهم عودة المنتصرين على ثورة الفقراء و المعدمين، فكأنما قالوا لنا “تعالوا أيها الأغبياء،  إعتذروا لنا .. قبلوا أرجلنا  و أيدينا، لقد كنا خير حاكمين، أمن أجل الإرهاب ثرتم … أمن  أجل كل هذه الفوضى تثورون”.   هنا يتلخص المشهد التونسي  بين إبتسامتين ..إبتسامة السرياطي إثر خروجه من السجن، إبتسامة تلخص عمق الإحباط التونسي و خجل الإرادة السياسية ..تفتح الباب للرجوع الرسمي لقطيع الذئاب .. و إبتسامة أبو عياض التي نتجت عن الإبتسامة الأولى التي تعبر عن الرضاء التام، عن حالة التململ و الغليان التي يشهدها التونسيين ،و عن أمل في ثورة جديدة و لما لا فوضى عارمة تكون بالنسبة له فرصة أخرى لرفع الرايات السود.

و بين هذا و ذاك  هناك في مكان ما ينام  في العراء قابعا في زنزانة من كان يوما ما من رجال الثورة. إن الفهد لا يستطيع أن يغير البقع التي في جلده …و بذلك نبؤة بنجامين فرانكلين في حديثه عن اليهود كيف سيطروا على أمريكا تتحقق مع التجمعيين وعودة لتتصدر المشهد في تونس، لقد عادوا للتدفق على المراكز الحساسة ..ثم تحكموا في المؤسسات المالية ثم تحكموا في وسائل الإعلام ثم تغلغلوا عبر النهضة و عبر عملائهم داخل أجهزة الحكم ثم سيطروا على أجهزة الحكم و هم حكام تونس الحاليون.

 عزيزي عزيز نحن آسفون .. فلقد إختصرنا الثورة في الأشباح و تركناك وحيدا في كل هذا الضجيج و الجلبة ..ما أكثر هؤلاء الذين يشترون و ما أقل قدرة الكريم على التعلم.