marxism

بقلم خلدون العلوي،

من المسائل الفكرية التي يكاد الاجماع يعقد حولها اليوم، امكانية التعامل مع الماركسية بالأسلوب الذي يلائم واقعنا الموضوعي، لا بالأسلوب الذي يحنّط هذا الفكر ويحكم عليه بالصلاحية لكل زمان ومكان، فينظر اليه على انه يقدم الحقيقة المطلقة وحلولا لكل المشاكل، والحال ان ماركس لم يدّع لنفسه ذلك اطلاقا فهو الذي قال “لا تطرح الانسانية على نفسها الا المسائل التي تستطيع حلّها.” لقد اضطر التنظير الماركسي الى اسقاط أوهام وسرديات ايديولوجية لم يعتقد أبدا أنه يسقطها، ولكن ما ستستفيد منه الماركسية هو عودة ذاك الفعل النقدي من الداخل الذي تعطل رغم المحاولات الكثيرة منذ غرامشي والتوسير أمام تواصل الطرح الذي يبرّئ الفكر ويعتبر أن الخطأ في الممارسة، فيلح على نقاوة الفكر ويقفز على المشكلة فيبقيها دون حلّ.

لعلّ كل ما تحتاجه الماركسية هو أن تعود لتحارب نفسها بنفسها والعودة الى ما اعتبرناه يقينا ثابتا لتسأله عن شرعيّته ولتتمكن من إعادة طرح الأسئلة التي كان مستحيل التفكير فيها. فلا يوجد فكر يسمح بتواصل صفاء الاعتقاد بنقاوته وان سمح بذلك سيستمر مهزوما ومخذولا. كما لا توجد ممارسة تعتبر نفسها نقية ودائمة… اليوم لا تشهد هذه الممارسة سوى الهزائم بعد هزيمتها التاريخية الأولى رغم بعض حالات التفوق التي تفرضها الديمقراطيات هنا وهناك في العالم.

لا شك في أن ثورة أكتوبر سنة 1917 كانت حاجة ملحة وضرورة قصوى للتغيير الاجتماعي والسياسي، ولقد كان طموح هذه الثورة تنظيم المجتمع تنظيما اشتراكيا وتحرير الانسان نهائيا من الاستعباد وأن تقدم الحلول للمشاكل التي عانت منها كل جماهير الفلاحين والفقراء والعمال في العالم. لكن الواقع الذي كشفته لنا الوقائع يؤكد ان ثورة اكتوبر قامت في مجتمع زراعي متخلّف وليست في مجتمع صناعي متطور، ولم يكن أمام لينين أنذاك الا ان يسلم بهزيمة الثورة خاصة بعد الانتفاضات المتتالية سنة 1921 (عمال وبحارة بتروغراد والفلاحين الذين كانت السلطة تصادر ثلاثة أرباع محاصيلهم لاطعام المدن غير المنتجة بعدما تعطلت المصانع وتوقفت عن العمل جراء الحرب الأهلية وحروب التدخل الخارجي.) أو أن يختار مرغما اقامة رأسمالية الدولة، وقد اختار فعلا هذا الحلّ، ذلك أن المهمة الاولى في تلك الفترة توفير الشروط المادية للتقدم، تلك الشروط التي من دونها لم يكن في حينه مجال للحديث عن التوجه مباشرة الى بناء الاشتراكية. لقد كان مخطط السياسة الاقتصادية الجديدة (NEP) الذي اختاره لينين طموحا، طراز الدولة الرأسمالية لكن من دون رأسماليين هذه المرة. وهذه الدولة هي التي أنشأت القاعدة المادية لدولة كبرى وقوية. الا أنها تحولت من وسيلة للتغيير الاجتماعي الى وسيلة للمحافظة الاجتماعية ومن أداة نفي الى أداة اثبات سلطة محافظة وبرجزة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الروسي وأنجبت الاستبداد الستاليني وأصبحت تمثل مصالح مجموعة من الرأسماليين الجدد الذين نشأوا في أحضان البيروقراطية “الاشتراكية”. وفي هذا السياق نفسه دخلت الماركسية في طور من التشظي والانقسام قبل أن تدخل في صيغتها الرسمية السلطوية مرحلة الانهيار والتصدع المتسارع والفشل في منافسة الرأسمالية الأمريكية وسقطت بعد اختناق اديولوجي ستاليني طويل ومرعب دام 70 عاما. وتفتت الاتحاد السوفياتي وكل المنظومة الاشتراكية.

وقد طالت هذه الأزمة الفكر والممارسة والأديولوجيا والمفاهيم والنظرية وتحولت الماركسية الى قوالب جامدة. وبطبيعة الحال انسحبت الأزمة على كل الماركسيين في الوطن العربي، حيث أصبحت معظم الأحزاب الشيوعية العربية على هامش الحركة الاجتماعية وأصبحت أفكارها غريبة لا تمت للواقع بصلة. ويقول المفكر الماركسي سلام أكيلة في تناوله أزمة التجربة الاشتراكية في الوطن العربي “ان الاشكالية هي تجميد النظرية وتحولها من جدل مادي الى فكرة مثالية تنظم الواقع وتقيس الواقع على الأفكار”.

وبهذا الشكل دخلت الأحزاب الماركسية العربية في مرحلة أزمة عميقة بدأت تعبر عن نفسها في انقسامات داخلها دون ملاحظة اختلافات فكرية عميقة، بل كل ما نلاحظه هو البحث عن تطويع المفاهيم الماركسية قصد استعمالها لفهم تناقضات تشق المجتمع العربي الذي لم يعرف التطور الصاعد الذي قطعته مجتمعات انسانية أخرى حققت تقدما هائلا في المجال التكنولوجي والعقلاني وفي حركة التصنيع. لقد ظلت هذه الأحزاب تشغل نفسها بمسائل البحث عن طبيعة نمط الانتاج وحصر عدد الطبقات في المجتمع لمعرفة العلاقة بينها. هي قراءات تغريبية لانها تعبر عن حالة من الاستيلاب الفكري يعرفها المثقف الماركسي في الوطن العربي عندما يعيش مقولة التاريخ يعيد نفسه حسب مسارات الديمقراطية الغربية وأن التاريخ حركة دائرية تكرر فيها بعض المجتمعات نفس المراحل التي قطعتها مجتمعات أخرى. مثل تلك القراءة تجيز لأصحابها الحديث عن فشل الاشتراكية وتصل بالبعض الى نعي الاديولوجيا الماركسية واعلان وفاتها أو تبقيهم في وهم انتظار ثورات شعبية تحقق ما نظّر له ماركس في القرن 19.

ان نقدي لهذه القراءة مبني على أساس أن أوروبا وامريكا عرفتا الليبرالية قبل الديمقراطية وهذه الاخيرة جاءت لتعديل الليبرالية أو لتقوم بتغطية تجاوزاتها اللاانسانية، وأقصد بالليبرالية هنا معنى الحرية، حرية ظهور الجماعات والمصالح التنافسية وحرية الصعود والبروز والحصول على مكانة. لقد شهدت الثورة في تلك المجتمعات مسارات ثقافية وسياسية واقتصادية تغييرية حقيقية. لذلك فان الظروف الموضوعية لا تسمح لدول الوطن العربي أن تنجح في تحقيق مطالب الشعوب والتحول نحو أنظمة ديمقراطية وقانونية ومؤساستية باتباع المثال الغربي لعدة أسباب. السبب الأول تاريخي يتمثل في مشاكل اللحاق المستمر والمحموم دون أي جدوى بحركة التاريخ العالمي ولو أننا دخلنا مرحلة استيراد المنظومة الغربية باختزال وضبط تجربتها التاريخية في مجرد عملية الانتخاب والتأسيس لعلاقة مفتوحة بين الاقتصادي والسياسي على كل المحظورات القيمية والأخلاقية بتعلة أن السوق يعدل ويعالج نفسه، بصرف النظرعن أن المجتمعات الغربية في حراك ضد هذه المرحلة. أما السبب الثاني فهو ذاتي يتمثل في مشكل فهم التنظيرات الغربية وتحليل المفاهيم وتبنيها ونقلها نقلا ميكانيكيا يعيدنا بالتالي الى التساؤل حول مدى مطابقة الوعي الذي تنشره “النخبة” -وان كنت لا أروم هذه التسمية- لمصلحة الفئات الاجتماعية الشعبية ولمسار التطور الواقعي في مجتمع لم يحقق بناء الدولة الوطنية على نمط ما قد سبق انجازه في أوروبا وأمريكا، وظل بعيدا عن أن يصبح مجتمعا صناعيا حتى بالصيغة البرجوازية كمرادف للتقدم والتحرّر ووسيلة اللحاق بمستويات أعلى من النمو.

هذا الوضع كان يفرض الربط مجددا بين الفكر والتاريخ وبالتالي كان ضروريا وبالاستناد الى المنهجية الماركسية ذاتها، انتاج بنية اديولوجية مطابقة للواقع ممكنة وتاريخية. فواقعنا المركب والمعقّد هو الذي يمثل شرط امكان أي تصور فلا يمكن لأي تصور أن يفلت منه أو يتأسّس خارجه. واقع لم تهزم فيه العصور الوسطى بعد، ولم ينجز فيه تحديث للفكر، فظلت بذلك المفاهيم الليبرالية التنويرية مسفهة ولا يمكن تجاوز اضطراباتنا وآلامنا الحالية وتأخرنا وانفجار الصراع الطائفي والمذهبي بكل قيحه وصديده –على حد عبارة هاشم صالح- الا بالخضوع الى الماركسية التاريخية. يقول منير الخطيب في مقاله الماركسية التاريخانية في فكر العروي “الماركسية التاريخانية بخلاف الماركسيات الارثذوكسية التي انطلقت من النصوص ورسم خطوطها الأساتذة والباحثون. تستدعي الفكر الليبرالي التنويري للقرنين 17 و18 الذي حاربت به البرجوازية الصاعدة فكر القرون الوسطى الظلامية. فان ماركس التاريخاني يجب أن يتأسس في مجتمعاتنا المتأخرة على جذره الليبرالي فماركس هو ابن ديكارت وسبينوزا وليبتنر”.

انها ماركسية تؤكد على العودة الى الاديولوجيا الليبرالية وأقصد هنا الليبرالية التنويرية التي لم تستوعب بشكل صحيح لسبب بسيط هو أن الحداثة والتنوير ارتبطا في الأذهان بالاديولوجيا المعبرة عنهما، أي الفكر الليبرالي الذي هو فكر المستعمر بالذات وبالتالي هو خطأ كله. فقد أوهمتنا بعض الاديولوجيات المستوردة في الستين عاما الماضية أننا قد تجاوزنا مرحلة المناخ القروسطي -على حد عبارة محمد أركون- لمجرد أننا قد رفعنا بعض الشعارات الماركسوية التبسيطية (الستالينية/الماوية) والتقدمية السطحية والقومية والاشتراكية وطبيعة نمط الانتاج وعلاقات الانتاج… لقد توهنا أننا مستنيرون في حين أن هذه التبسيطية والسطحية أدت بنا الى العجز عن بلورة تصورات نحن بحاجة أكيدة لها للمرور الى مراحل تنويرية تخدم مصلحة العرب في تطلعهم نحو التحرر والتقدّم. لقد وجدنا أنفسنا أمام رواسب الماضي من تراكمات الماضي الطائفية والمذهبية تمنعنا من الانطلاق وتحقيق المعجزات فرحنا نستغرب كيف حصل ذلك ؟ ومن أين جاءتنا كل هذه المشاكل بعد أن تنورنا وتمركسنا وتحرّرنا وأصبحنا ليبراليين وناصريين وبعثيين؟ –على حد عبارة هاشم صالح-.

هكذا نجد أنفسنا اذن مظطرين للعودة الى نقطة الصفر لبدء المعركة التنويرية لوعينا من جديد دون القفز على المراحل كما تفعل الأحزاب التقدمية العربية التي أوهمتنا طيلة عقود وعقود بالتطور الزائف. لقد كانت الفلسفة التنويرية قفزة هائلة الى الأمام لانها حررت الانسان الأوروبي من قصوره العقلي وأغلال اللاهوت والوعي الايماني الراسخ منذ قرون وقرون. هل يعني ذلك القضاء على البعد الروحي والإيمان ؟ على العكس من ذلك سوف نربح إيمانا جديدا مستنيرا عقلانيا وسوف نخسر “عقائد إيمانية” متحنطة منذ قرون ولكنها في الأصل ايديولوجيات العسكر الديلم والأتراك تحولت الى مسلمات وسياج عازل يحارب كل اجتهاد وتفكير بحجة الكفر والهجوم على الاسلام.

بقي أن أقول ما يلي الى كل التقدميين جدا نوّروا أنفسكم قبل أن تدّعوا تنوير الناس. عليكم أن تعودوا الى السؤال الكانطي “ما هو التنوير ؟”.