cnam-crise-tunisie-assurane-maladie

يثير الصندوق الوطني للتأمين على المرض اليوم غضب جميع المعنيّين بخدماته من أطبّاء وصيادلة وحرفاء ونقابيّين، إذ يتناوب جميعهم على توجيه أصابع الاتهام على الاخلالات التّي طالت معالجتها. ويرى العديد من الأطراف المعنية، أنّ المنظومة التي أنشأت لدعم المنتفعين بها، حادت عن مسؤوليّاتها الرئيسيّة: التضامن والمساواة في الحقوق، واستمرارية الرعاية الصحيّة وضمان أفضل رعاية طبيّة ممكنة.

في الواقع، وخلال الآونة الأخيرة، سُجّلت حالات عديدة وغير مبرّرة في مناطق عدّة وفي أكثر من فرع للصندوق الوطني للتأمين على المرض، لعمليّات تجاوز الحدّ الأقصى للتغطية الماليّة. ولمزيد توضيح الصورة وفهم المشكلة بشكل أعمق، قبلت عديد الجهات الفاعلة الإدلاء بشهادتها حول ما يمكن تشبيهه اليوم بعمليّة عرقلة لمصالح شريحة مهمّة من المواطنيّن سواء كانوا من المنتفعين بخدمات الصندوق أو من مسدي الخدمات.
عند اتّصالنا بوزارة الشؤون الاجتماعية، بغرض الحصول على المزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، جوبهنا بتلك الإجابات والتعقيدات البيروقراطية التي تنخر الإدارة التونسيّة بصفة عامّة: “لسنا مخوّلين بالردّ على تساؤلاتكم، يرجى الاتصال مباشرة بالصندوق الوطني للتأمين على المرض”.

قبل أن نتوجّه إلى الصندوق الوطني للتأمين على المرض، استطعنا الحصول على وثيقة توضّح كيفيّة حدوث التجاوز. إذ جاء فيها تسجيل تجاوز للحدّ الأقصى للتغطية قُدّر ب160,333 دينار تونسي لصالح منتفع من منظومة التكفّل بالأمراض الثقيلة والمزمنة، وهو ما ينافي طبيعة هذه المنظومة القائمة على تكفّل الصندوق الوطني للتأمين على المرض بتكاليف العلاج كاملة.

⬇︎ PDF

ولمزيد التوضيح، تحدثنا إلى الطبيب المعنيّ بهذه المسألة، وقد وافق هذا الأخير على شرح ما تضمّنته الوثيقة، وإعطاء رأيه المهني كمختصّ في فاعل في القطاع الصحيّ حول الهنّات التي يعاني منها الصندوق الوطني للتأمين على المرض.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=vci2OCmxntM&w=640&h=360]

وفي متابعة للقضيّة التي تحدّثت عنها سابقا الدكتورة “تاجوري”، اتصلنا بأحد رؤساء مراكز الصندوق الوطني للتأمين على المرض.
رغم جهله بتفاصيل الملّف، إلاّ أنّه اعترف بطواعيّة بوجود العديد من الاخلالات المتعلقة بتجاوز الحدّ الأقصى للتغطية قائلا: “قد تعود تلك الاخلالات لأسباب مختلفة وعديدة، ولكن تحميل الصندوق الوطني للتأمين على المرض المسؤوليّة بكاملها إنّما يندرج في خانة التحامل”.
بالنسبة لهذا المدير، الذي تدرّج “تقريبا عبر جميع المناصب الممكنة داخل الصندوق الوطني للتأمين على المرض، تتعدّد أسباب الهنّات التي يعاني منها الصندوق:

بعض الأسباب تلزمنا وأخرى لا:

– بين عامي 2007 و 2014، تضاعف 8 مرّات عبء العمل على المستوى الوطني، فعلى سبيل المثال، في مركزنا، علينا التعامل مع 210,000 ملّف في حين لا يتجاوز عدد الموظفين في المركز 14 شخصا وأنا من ضمنهم. وهو ما يسبّب تراجع جودة الخدمات المسداة، كما أنّه ومن الطبيعيّ أن يكون لدى البشر هامش من الخطأ وأن تطول فترة دراسة الملّفات والردّ عليها.

– برامج الكمبيوتر لم تكن في مستوى انتظاراتنا حين تمّ تركيزها، عندما أنشئت من أجلها. وقد راسل العديد من رؤساء المراكز المكتب المركزي بخصوص هذه المسألة، ولكنّه لم يرّد إلاّ مؤخّرا حين تمّ إعلامي أنّه ستتمّ معالجة الموضوع وتعديل البرامج.

– التدريب أيضا لم يكن أيضا بمستوى التطّلعات على مستوى موظفينا وحتّى على مستوى الأطبّاء. وأحد الأمثلة الملموسة: احد المنتفعين بمنظومة العلاج الخّاص ( يتولى المضمون الاجتماعي دفع مبلغ المعلوم التعديلي الذي يمثل مساهمته في مصاريف العلاج. ويحتسب هذا المبلغ بالاعتماد على التعريفة التعاقدية للخدمة الصحية ونسبة التكفل بها. ويتولى الصندوق دفع المبلغ المتبقي مباشرة لمختلف مقدمي الخدمات الصحية)، والذّي كان من المفروض أن يخضع لمنظومة التكفّل بالأمراض الثقيلة والمزمنة، لم يقع توجيهه بالشكل الصحيح ممّا خلق حالات من تجاوز الحدّ الأقصى للتغطية.

– الإطار العام لم يتغيّر منذ الثورة.الإدارة المركزيّة ما زالت منفصلة عن الفروع. إذ منذ عام 2011، وبالرغم من الزيادة التي شهدها عدد المنتفعين وطول الإجراءات، ورغم تحذيراتنا المتكررة، لم يتم عمل شيء لتمكيننا من الوسائل الضروريّة لانجاز مهمّتنا على أكمل وجه: عند بعث مركزنا، كانت الدراسة التي أعدّت قبل إنشاءه خاطئة تماما، واعتمدت على تقديرات لعدد المنتفعين أقل بكثير من الواقع.

– وأخيرا جزء من المشكلة يتعلّق بالمنتفعين أنفسهم: إذ لا يعرفون حقوقهم أو واجباتهم. والكثيرون منهم لا يعرفون حتى أن هناك حدّا اقصى للتغطية. وآخرون يعتقدون خطأ أن هناك قوانين تسقط بالتقادم، وهو ما يجانب الحقيقة تماما.
يجب أن تتوقف حملات التشويه وشيطنه المؤسّسة، فنحن نقوم بعملنا بأفضل ما يسعنا وحسب الإمكانيات المتوفّرة. في مركزنا، اللوائح والقواعد محترمة. ويتمّ السداد في غضون 5 أيام، كما أنّا وُعدنا بالترفيع في عدد الفريق العامل لدينا.

بخصوص هذا التبرير، من المؤكّد أنّ هناك جانب من الحقيقة. ومع ذلك فإنه تجدر الإشارة إلى أن هناك بالفعل فترة تقادم، وهذا منصوص عليه في المادة 24 من القانون رقم 2004-71 المؤرّخ في 2 أوت 2004 يتعلّق بإحداث نظام التأمين على المرض:

يسقط بمرور عامين حقّ الصندوق في القيام بدعاوي ضدّ الأشخاص الذين دفعت إليهم منافع بعنوان هذا النظام دون موجب قانوني. ويبتدئ أجل سقوط الحقّ من تاريخ الدفع دون موجب قانوني.
المادة 24 من القانون رقم 2004-71 المؤرّخ في 2 أوت 2004

وهنا يطرح سؤال مهمّ حول مطالبة بعض المنتفعين بدفع قيمة تجاوزات الحدّ الأقصى للتغطية والتي تجاوز تاريخ دفعها السنتين؟

بالإضافة إلى ذلك، وكما ذكرت الدكتورة تاجوري في الفيديو أعلاه، ، فقد تمّ توجيه إنذار نهائي قبل البدء في التتبعات العدليّة للعديد من المنتفعين دون أي إشعار مسبق، وحرمانهم من التمتّع بخدمات الصندوق الوطني للتأمين على المرض. إذن، لماذا وكيف يتمّ تبرير حرمان هذه العائلات من حقّهم المطلق والأساسي في الاستفادة من الرعاية الصحيّة؟

بين الحقائق التي عايناها على أرض الواقع والتي تعرقل مسدي الخدمات الصحيّة والمنتفعين بها على حدّ سواء، وشهادة رئيس المركز المحليّ، تبرز هوّة عميقة يشوبها اليأس والتجاهل.

كما ذكر الدكتور ناجوري، أنّ حالة من انعدام الثقة بين الأطباء والمرضى صارت تسود العلاقة بينهما اليوم، إذ لا يعرفون حقيقة إلى من سيتوجّهون لحماية حقوقهم.

وقد صرّح أحد المنتفعين الذين التقيناهم في مقرّ الصندوق الوطني للتأمين على المرض والذي فضّل عدم الكشف عن هويّته قائلا: “لم اعد اعرف في من أثق. لقد طُلب مني دفع 378 دينار كقيمة لتجاوز الحدّ الأقصى للتغطية، في حين لم يتمّ إبلاغي بأن هناك سقفا معيّنا لا من قبل الأطبّاء ولا من قبل الصندوق. كلاهما لا يعيراننا اهتماما. كيف يمكن الاعتقاد أنّ حدّا أقصى للتغطية لا يتجاوز ال200 دينارا بالنسبة لي و50 دينار لابني الرضيع قد يمكّننا من التمتّع بالرعاية الصحيّة اللازمة؟” مضيفا بابتسامة ساخرة تخفي ارتباكه؛ “بين اللقاحات وصور الأشعّة، واختبارات الدم والأدوية، من المؤكّد أنّني تجاوزت بكثير الحدّ الأقصى”.

وفي هذا السياق، يعلّق الدكتور نزار ابراهم، عضو النقابة التونسية لأطباء القطاع الخاصّ، قائلا أن الأطباء والمنتفعين يعانيان من نفس المشاكل والهنّات التي تشوب نظام التغطية الصحيّة والذي يجب تصحيحه من خلال الحوار.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=XkuVbuC3vs8&w=640&h=360]

في مواجهة تردّي التواصل بين مختلف الأطراف، يطرح الدكتور فؤاد بوزوّاش، الكاتب العام للمجلس الجهويّ لعمادة الأطباء في سوسة حلولا عملية للتغلب على هذه الأزمة والتّي تؤثر على كل من الأطباء والمنتفعين.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=BvifeHjxa6Y&w=640&h=360]

كما أجمع أغلب محدّثينا، يكمن المشكل الأساسي في نقص التواصل بين الأطباء والمنتفعين والصندوق الوطني للتأمين على المرض. هذا الثلاثي يعاني بدوره من عبء كبير يتمثّل في: غياب الاهتمام من قبل الوزارة ذات الصلة، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليديّة المشغول حاليّا بممارسة السياسة، والاتحاد العام التونسي للشغل الذّي صبّ جلّ اهتمامه على القطاع العامّ.

في مواجهة غياب الشجاعة السياسية لبدء مناقشات جديّة بشأن هذه القضية الاجتماعية البالغة الحساسيّة، يبدو المجلس الوطني لعمادة الأطباء اليوم كعنصر توحيد قادر على دفع السلط العموميّة باتجاه إصلاح منظومة التأمين على المرض. وإن لم يكن هذا الدور ضمن صلاحياتها وبعيدا عن هدفها الأصلي وسياستها العامّة وحتّى ضدّ رغبته في التمرّد على المنظومة، إلاّ أنّ العمادة وكما لاحظنا خلال تحقيقنا هذا ما تزال تتمتّع بشرعيّة لم يطلها التشويه بعد.

“هل ندع الأطباء يدافعون عن مصالحنا؟ لما لا؟ في النهاية، الصندوق الوطني للتأمين على المرض كان من المفروض أن يقوم بهذا الدور، وانظر أين نحن اليوم”، هكذا علّق أحد المنتفعين الذّين التقيناهم.