gaza-strike

بقلم محمد سميح الباجي عكّاز،

كانت حصيلة الأيام الثلاثة الماضية؛ خسارة البرازيل بسبعة أهداف لهدف ضدّ ألمانيا… ترشّح صعب للأرجنتين… السبسي يطالب بتأجيل الانتخابات… التحضيرات على قدم وساق لمهرجان قرطاج الدوليّ و”لعرس الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة”…

غير بعيد عن هنا، وفي أرض سقطت من ضمائر الكثيرين، تتغيّر الإحصائيّات ليُذبح شعب بأكمله بدعوى محاربة الإرهاب وأمام تعامي “الأشقاء” و”رعاة” السلام الدوليّين، حيث بدأت منذ أيّام حلقة جديدة من مسلسل الإبادة الجماعيّة تحت أنظار العالم و بتواطؤ و دعم أمريكيّ و أمميّ و أمام صمت عربيّ رسميّ مريب.

وليخطّ الفلسطينيّون كالعادة حلقة جديدة من ملحمة الصمود و المقاومة و الإرادة و تكشف غزّة وفلسطين ككلّ مرّة عن معدنها الصلب و تمسّكها بالحياة بكرامة و إن كان الثمن هو الموت و أنّ الصراع لم يكن يوما مرتهنا إلى حكم السلاح، بل صراع إرادات و رغبة في الحياة و تأكيد الوجود، لتكون حصيلة الأيّام الثلاثة الماضية72 شهيداً بينهم 22 طفل و12 سيدة، 10 مسنين، وصحفي، وإصابة أكثر من550 مواطن جلهم من الأطفال والنساء، وتدمير 103 منزل سكني.

سيمرّ العدوان على غزّة لنستحضره بعد حين كما تعوّدنا أن نستحضر ذكرى النكبة ثمّ النكسة فذكرى حصار بيروت واجتياح رام اللّه والعدوان على لبنان سنة 2006 والعدوان على غزّة سنة 2009 وغيرها من الهزائم وسطور الدمّ التي كُتب بها تاريخنا، و ستمّر كلّها مرور الكرام دون تغيير يذكر، فما يزال الشعب الصامد في فلسطين يقاتل من أجل البقاء وما زلنا نجترّ الذكريات كأحداث تقليديّة وروتينيّة وكأنّ مجرّد استذكارها يريح ضمائرنا تجاه شعب يخضع للإبادة الجماعيّة.

ربّما كان علينا أن نعتذر لشعب فلسطين نيابة عن آباءنا و أجدادنا عن كلّ صيف حزين، و لأنّنا لم نكن يوما صادقين في وعودنا و كانت أصواتنا أعلى من هاماتنا، فاحتكرنا قضيّة فلسطين حين كانت ورقة رابحة و تخليّنا عنها حين أصبحت عبئا علينا وأطلقنا العنان لأحلام شعب فلسطين بجيوش تزحف من بلداننا لتحرّرهم ثمّ صادرنا أحلامهم حين صارت بلداننا بحاجة لمن يحرّرها.

اليوم وحين نراجع تاريخنا ووعودنا نحسّ كم أخطأنا في حقّ الفلسطينيّين الذّين طالما كانوا وحدهم في الصفّ الأوّل للمواجهة يكتبون التاريخ بدمائهم ويحفرون خنادق الدفاع عن بقايا الكرامة العربيّة بأظافرهم ويخصّبون الأرض بجثث شهدائهم لتبعث منها شهداء جدد لمعركة لا تبدو نهايتها قريبة.

أين تونس ممّا يحدث؟

في ما مضى، كان العدوان الصهيونيّ على الضفّة أو القطاع عامل توحيد للشارع التونسيّ الذي يجد في مظاهرات التنديد والاحتجاج متنفّسا للتعبير عن سخطه لا ضدّ العدوان فحسب بل ضدّ الأنظمة العربيّة المتخاذلة وضدّ النظام السابق وسياسته الداخليّة.

رغم حالة القمع ومنع التحرّكات الاحتجاجيّة في الشارع تحت أيّ مسميّات، فلم تتخلّف الأحزاب والمنظّمات النقابيّة العماليّة والطلاّبيّة وحتّى المعاهد عن الالتحاق بالشارع سنة 2002 و2009 للتنديد بالجرائم الصهيونيّة والتذكير بحقّ الشعب الفلسطينيّ وتحدّي نظام بن عليّ رغم المحاصرة والتضييق البوليسيّ وسياسة التفريق بالقوّة التي تعتمدها قوّات الأمن في كلّ المظاهرات.
ولكن أين غاب الشعب التونسيّ خلال الأيّام الماضيّة؟ وهل تحوّل مشهد الأطفال الشهداء والنيران التي تحرق أرض القطاع إلى مشهد روتينيّ وعاديّ في الذهن الشعبيّ؟

القناعات لم تتغيّر ومأساة القرن ما زالت متواصلة ومن الجور أن يتّهم أحد النّاس بالتخاذل أو التعامي عن معاناة الفلسطينيّين وعدالة قضيّتهم، لكن الأكيد أن الظرف تغيّر وفعل فعله في النفوس.

لا أحد بمقدوره أن يلوم الناس على الصمت وقد طحنتهم خلال السنوات الثلاثة الماضية أزمة اقتصاديّة جعلت من لقمة العيش معاناة يوميّة إزاء سياسة رفع الأسعار ومواجهة التضخّم والعجز بمزيد تفقير من لا طاقة لهم، ولا أحد يلوم النّاس على الغرق في مشاكلهم الاقتصاديّة والاجتماعية أو بإمكانه أن يتجاهل خوفهم من مستقبل ضبابيّ وواقع محاصر بهاجس الجوع والإرهاب والخوف من الفوضى وانعدام الثقة في كلّ شيء.

وليس الفايسبوك هو من أفرغ القضايا من مضامينها واستوعب الغضب في فضاء افتراضيّ تحوّل إلى ملجأ ومهرب من لعبة المصادرة والتوظيف التي احترفها المسقطون على المشهد.

ولكنّ المسؤول الحقيقيّ عن حالة الإحباط وربّما اللامبالاة هم السياسيّون الذّين أثخنوا في البلاد خلال الفترة الأخيرة وتلاعبوا بمشاعر النّاس وأحلامهم وقوتهم وقضاياهم ومسلّماتهم في لعبة ليّ الأذرع والسباق على السلطة.
فلا أحد ينسى مهزلة النقاشات حول تجريم قانون التطبيع الذّي كان من المفروض أن يكون أمرا مسلّما لا يقبل اللغط والمهاترات، فهذه المسألة محسومة و لا تقبل اختلاف وجهات النظر، ومن غير المقبول أو المسموح أن تكون هناك علاقات طبيعيّة و تعاون بين تونس و بين الكيان الصهيونيّ الغاصب الذّي يُرسّخ وجوده من جماجم الفلسطينيين، ولكنّ الأحزاب كعادتها حاولت أن تسوقّ النقاشات وتركبها في سبيل كسب بعض النقاط التي تدّخرها للحملة الانتخابيّة، ليزايد البعض بقضيّة فلسطين ودم الفلسطينيّين في المنابر ثمّ يشرب نخبهم في سفارة الولايات المتحّدة الأمريكيّة الحليف الأوّل للكيان الصهيونيّ.

ولم تسقط بعد من الذاكرة صور العناق مع المتصهين جون ماكين والرحلات المكوكيّة لشيوخ الأحزاب بجميع ألوانها إلى واشنطن في سبيل نيل رضا الأمريكيّين ومباركتهم ثم توضع الكوفيّة على الأعناق وتُرفع الأعلام الفلسطينيّة في مشهد مقزّز لعمليّة استغباء مفضوحة للذكاء الجماعيّ للشعب التونسيّ.

إنّ ما قد يظنّه البعض سلبيّة من قبل الشارع التونسيّ إزاء ما يحدث اليوم في قطاع غزّة لا يعدو أن يكون نفورا من مشهد صار معتادا لسماسرة السياسة وهم يتأهبّون للانقضاض على أيّ تحرّك شعبيّ عفويّ تجاه أيّ قضيّة لتوظيفها في حملاتهم الدعائيّة والانتخابيّة.

رمضان حزين آخر يمرّ على الشعب الفلسطينيّ، الذّي ومنذ نكبة 48 ومعركة الكرامة سنة 65 مرورا بهزيمة 67 وحصار بيروت سنة 82 وعناقيد الغضب سنة 96 وانتفاضة سنة ال2000 واجتياح رام اللّه بعدها بسنتين وعملية الرصاص المسكوب في غزّة سنة 2009 يجابه الموت وحده ولم ينتظر يوما من الحكّام ومن برلمانات العار أن يقفوا إلى جانبه، ولكنّه يعوّل أبدا على هبّة شعوب غرقت في مشاكلها الداخليّة و إن لم تغب فلسطين يوما عن وجدانهم.