terror-tunisia-jomaa-marzouki-chaambi

بقلم خولة العشي،

بعد أيام قليلة إثر استشهاد 15 جندي وجرح عشرات الاخرين على خلفية هجوم مسلّح نفّذه إرهابيون ضد عناصر من الجيش التونسي بجبل الشعانبي، عادت الحياة إلى مسارها الطبيعي واستعاد التونسيون بهجتهم بسهرات شهر رمضان الصيفية وليالي السمر والرقص بالمهرجانات والمطاعم الفاخرة والمقاهي الحافلة. ويحتفي ناشطون على الفايسبوك ب”قدرة” المواطن التونسي الفائقة على تجاوز الأحزان وفشل الضربات الإرهابية في الحد من رغبته في مواصلة الحياة بشكل طبيعي حتى أن بعضهم رأى في حضور عشرات الالاف حفل الموسيقار العالمي ”ياني” سويعات قليلة بعد انتهاء مهلة الحداد على الجنود الشهداء رسالة إلى العالم تكشف قدرة التونسيين على محاربة الإرهاب بالموسيقى.

هذه المحاولات اليائسة التي يسوقها تونسيون فجعوا في أبنائهم وحماة وطنهم تكشف في الحقيقة حجم الصدمة التي أصابت هذا الشعب الذي يحافظ على اعتقاده الراسخ بأن تونس في مأمن من التهديدات الإرهابية التي ضربت عديد الدولة وشردت ملايين الأشخاص من المنتمين لبلدان الربيع العربي كسوريا ومصر وليبيا واليمن. ورغم هذه الإدعاءات التي يتبناها ناشطون حقوقيون ومدونون وشباب مؤمنون بضرورة العمل على خلق مناخ من الطمأنينة إلا أنّ السلطات الثلاث أسقطت كل هذه الأوهام وأثبتت أن الإرهاب في تونس أصبح حقيقة يجب التعامل معها بجدية قبل أن تعصف بأمن البلاد. اداء رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والمجلس التأسيسي المتذبذب إزاء الفاجعة التي حصلت مؤخرا، إضافة إلى اضطراب وسائل الإعلام وخروج بعضها عن السيطرة في التفاعل مع الحدث أثبت أن الإرهاب لم يعد “فزّاعة” كما كانت حكومة الترويكا تدعي بل هو واقع مرتبط بمؤثرات داخلية وخارجيّة، وهو في تطور وتمدد مخيفين وسط غموض وتعتيم من طرف المؤسسة العسكرية حول حقيقة ما يحدث.

الجيش والأمن: رسائل غير مطمئنة

لم يحدث، منذ حصول أول عملية إرهابية ضد عناصر من الجيش أو الأمن الوطنيين أن قدمت هاتين المؤسستين أية تفاصيل دقيقة أو أية أسماء بخصوص الجهات الفاعلة وبقيت المعلومة بخصوص هذه العمليات شحيحة وغيّب الإعلام تماما بدعوى “ضرورة عدم كشف الأسرار الأمنية حتى لا يتسنى للمجموعات الإرهابية استعمالها لصالحها.” وخلال العملية الإرهابية الاخيرة أظهر كبار المسؤولين في الجيش الوطني ارتباكا واضحا في تقديمهم للمعلومات. فبعد سويعات من حدوث الهجوم على عناصر من الجيش الوطني قام أحد هؤلاء المسؤولين بتقديم بلاغ ذكر فيه مقتل اثنين فقط من الجنود ليتبين إثر ذلك أن عدد الضحايا بلغ 15 جنديا من مختلف الرتب. ولازالت حيثيات وأسباب هذا الهجوم غامضة إلى يومنا هذا رغم الظهور الإعلامي لعدد من المسؤولين العسكريين والذين أخفوا أكثر مما أفصحوا ليبقى المواطن التونسي ضحية المعلومات الفايسبوكية والتخمينات مما خلق مناخا من الصراع بين مكونات الشعب نتيجة تبادل الإتهامات بين مناصري الاحزاب بمختلف توجهاتها.

من جهة أخرى وبعيدا عن المعلومات التي تبثها نشرات الأخبار بصفة يومية حول توحيد المؤسسة الأمنية والعسكرية جهودهما لمحاربة الإرهاب، أبرزت تصريحات الأمني النقابي الصحبي الجويني الشرخ الذي تعرفه علاقة المؤسستين ببعضهما حيث جاءت هذه التصريحات لتكشف غياب التفاعل بين المؤسستين في ما يتعلق بمحاربة الإرهاب والتصدي له. وكان الجويني قد أكد ملكيته لقرائن تثبت تلقي وزارة الدفاع إعلاما مسبقا بحدوث عملية هنشير التلة الإرهابية. وقد مثل الجويني على خلفية هذه التصريحات، أمام أنظار القضاء العسكري ولم يتم إلى حد اللحظة تأكيد ما جاء على لسان الجويني أو نفيه رغم خطورته.

قرارات جمعة الخطيرة دون جدوى

إضافة إلى خطابه المفرغ من أية دلالات إيجابية أو إشارات جدية لتقييم ما حدث بهنشير التلة مؤخرا وتحميل المسؤوليات أمام الرأي العام وأمام القانون لمن يقف وراء الهجمات الإرهابية ضد عناصر من الجيش التونسي، جاءت قرارات رئيس الحكومة المهدي جمعة التي وصفها البعض ب”الخطيرة” اعتباطية ولا تتناسب وخطورة المسألة والمرحلة. من بين هذه القرارات نذكر الغلق الفوري للمساجد الخارجة عن سيطرة وزارة الشؤون الدينية وغلق بعض الإذاعات والتلفزات الدينية غير المرخصة وغلق عدد من الروضات القرآنية.

هذه القرارات التي كلفته غضب عديد الأطراف ومن بينها الهايكا وعدد من الأحزاب من بينها حزب حركة النهضة بدت بعيدة كل البعد عن انتظارات الشعب التونسي لقرارات فورية تقضي بكشف الحقائق وتحسين ظروف عمل الجنود بتوفير المعدات الضرورية لحمايتهم والإعلان عن خطة محكمة لإنهاء مهزلة جبل الشعانبي الذي أصبح فوهة مفتوحة لخطر الإرهاب الذي عجزت الحكومات المتعاقبة عن السيطرة عليه. هذا ورغم “ضعف القرارات” الجكومية” وهزالة مردودها لقيت أغلبها رفضا قاطعا من طرف أعضاء في المجلس التأسيسي عن حركة النهضة ومن بينهم مقرر الدستور الحبيب خضر الذي وجه رسالة مفتوحة إلى المهدي جمعة دعاه من خلالها إلى التراجع عن قراره بغلق المساجد. هذا وقد أدان رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي الإعتقالات التي طالت عددا من المنتمين للتيارات الدينية واصافا إياها ب”العشوائية” ولم يفته أن يهدد بإسقاط حكومة المهدي جمعة إذا تمادت في تنفيذ مثل هذه الإعتقالات. هذا التعارض في مواقف رئيس الحكومة وعدد من ممثلي المجلس التأسيسي ورئيس الحزب الفائز في الإنتخابات السابقة يبرز بما لا يدع مجالا للشك مدى الإضطراب الذي وصلت إليه قيادة الدولة بخصوص توحيد المواقف في محاربة الإرهاب فما يراه البعض تحريضا على الإرهاب يراه الاخرون “حرية شخصبة يكفلها الدستور” ليدخل جميع الأطراف في دائرة مفرغة أمام صمت شعبي حذر.

الإعلام جزء من المشكل

تفاعل وسائل الإعلام من الحادثة الإرهابية الاخيرة اتسم بالفوضى التي عززتها التصريحات المتضاربة لأمنيين وعسكريين. هذه الفوضى التي انجر عنها تداخل في المعلومات الخاصة بعدد الشهداء وتفاصيل عملية الإغتيال دفعت نقابة الصحفيين إلى إصدار بيان أعلنت من خلالها رصدها ل” ارتباك الأداء الإعلامي بشكل غير مقبول ولا يتماشى وانخراطه في محاربة الإرهاب” ودعت بالتالي إلى اتباع نقاط محددة تصب أغلبا في خانة عدم الحياد مع الإرهاب والحذر في استياق المعلومات ونشرها.

من جهة أخرى عبرت كل من نقابة الصحفيين والهايكا عن رفضها لقرارات المهدي جمعة بإغلاق بعض وسائل الإعلام ذات الصبغة الدينية مؤكدة أن اتخاذ هذه القرارات يعود إلى الهيئة العليا المستقلة للإتصال السمعي البصري باعتبارها هيئة دستورية لها فقط صلاحية اتخاذ قرارات الغلق بالنسبة للمؤسسات الإعلامية المخالفة للقانون. هذا الرفض قوبل بانتقاد شديد من بعض الناشطين على الفايسبوك المؤيدين لقرار رئيس الحكومة مما يضع الجميع مرة أخرى في نفس الدائرة المفرغة بين محاربة الإرهاب واحترام الدستور.

رئيس الجمهورية يذرف الدموع

رغم توليه منصب القائد الأعلى للقوات المسلّحة حسب القانون المنظم للسلطات الثلاث، إلا أن رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي خيّر الإكتفاء بذرف الدموع في أحضان أولياء الشهداء والظهور بمظهر رجل السياسة القريب من مشاغل الشعب وهمومه. إلا أن تكراره مشاهد تأبينه للجنود المغدورين وإعلانه للحداد وقيامه بواجب العزاء أصبح أمرا مثيرا للسخرية خصوصا على مواقع التواصل الإجتماعي حتى أن بعض صفحات الفايسبوك نشرت صورا لقصر قرطاج كتب عليها ”هنا تباع الأكفان خلسة.” وخلال خطابه بمناسبة حادثة هنشير التلّة أثار المرزوقي من جديد سخرية التونسيين بعباراته الشعبوية الرنانة المطالبة بالفرح والإحتفال في حين تصرخ أمهات الشهداء الثكالى ألما وقهرا. مؤسسة رئاسة الجمهورية لم تعد عنصرا مهما في خارطة السلط العمومية وهذا الأمر يعود حتما لشعبوية المرزوقي في خطاباته وغياب الواقعية والقرارات الفاعلة فيها.