femmes-tunisie-elections

أثارت تصريحات الوزير السابق بحكومة الترويكا عن حزب التكتل خليل الزاوية، حول عدم قدرة السيدات المرشحات للإنتخابات الرئاسية على قيادة تونس نحو بر الأمان، جدلا واسعا لدى ناشطات حقوقيات ونائبات بالتأسيسي وقياديات بأحزاب سياسية. وكان مرد هذا الجدل استنكار فئة هامة من الشعب التونسي لتصريحات خليل الزاوية واعتبارها تمييزا ضد النساء المعنيات على أساس الجنس في حين أكد هو أنه مجرد رأي يشرح عدم قدرة السيدات الأربعة المترشحات للرئاسيات على النجاح في توحيد التونسيين في المرحلة القادمة لا بسبب جنسهن ولكن بسبب نقص تجربتهن السياسية والقيادية.هذه التصريحات حتى وإن بدت، حسب صاحبها، بريئة من كل تمييز وذات طابع سياسي بحت، إلا أنها تحمل في طياتها نظرة غالبة للمجتمع التونسي الذي لا يختلف كثيرا عن بقية الشعوب العربية المسلمة بخصوص تهميش دور المرأة السياسي وغلبة الطابع الذكوري عليه. وهذه التصريحات لا تختلف كثيرا عن رأي التونسيين في المجمل بخصوص مشاركة المرأة في الحياة السياسية عموما ووصولها إلى منصب رئيس الجمهورية خصوصا.


كلام شارع: التونسي و المرأة في منصب رئاسة الجمهورية

ففي سبر للآراء نشرته عدد من وسائل الإعلام عن المجمع العالمي للدراسات تبين أن 63 بالمائة من التونسيين لا يؤيدون تولي المرأة منصب رئاسة الجمهورية وأن 28 بالمائة من التونسيين يعارضون وجودها في العمل السياسي الميداني.كما بين سبر الاراء المنجز في الفترة الممتدة بين 3 و27 اكتوبر 2013 أن نوايا التصويت لفائدة المرأة في الإنتخابات القادمة لا تتجاوز 18 بالمائة.

ثورة 14 جانفي : الخطوة الأولى

رغم محاولات نظام بن علي التسويق لديمقرطية حكوماته المتعاقبة في التعامل مع العنصر الأنثوي كعنصر فاعل في الحياة السياسية، إلا أن صورة المرأة آنذاك ارتبطت برغبة النظام في الظهور بمظهر النظام التقدمي الذي يسعى لتشريك المرأة كعنصر مهمش لاعتبارات اجتماعية ودينية. غير أن قيام هذا النظام بإسكات ناشطات في مجال حقوق الإنسان وسياسيات مناهضات للدكتاتورية أفرغ كل محاولاته من قيمتها وتحولت المرأة لدى حزب التجمع الدستوري الديمقراطي إلى ديكور تزين به الإجتماعات والإحتفالات.

femmes-tunisie

كثافة الحضور النسائي خلال الفترة الإنتقالية

خلال ثورة 14 جانفي، كانت المرأة التونسية في الصفوف الأولى لطرد الدكتاتور ونظامه. وكان لتونس جريحات وشهيدتين. وقد تصدرت ناشطات عديدات قائمة النساء المساهمات في تصحيح المسار الإنتقالي في الفترة التي تلت الثورة. وقد فرضت مشاركة المرأة فرضا من خلال تمرير مبدأ المناصفة على القائمات الإنتخابية خلال انتخابات 2011. فما كان من المراة التونسية إلا التقدم للمشاركة بكثافة سواء كناخبة أو كمترشحة.

و بلغة الارقام، شكلت نسبة النساء الناخبات المسجلات إراديا 46 % اما نسبة المرشحات على القوائم فبلغت 48 %. غير أنه ورغم تقارب نسبة المرشحات من نسبة المرشحين إلا أن الإناث يشغلن الان 27 بالمائة فقط من عدد المقاعد بالمجلس التأسيسي، أي في حدود الربع. غير أن هذه النسبة تعتبر أعلى من المتوسط العالمي (19 %) إلا أنها لم تصل إلى حدود النسب التي كانت بمجلس نواب بن علي قبل الثورة (28 %). ومن المفارقات أن حزب حركة النهضة الإسلامي قد عرف فوز 40 من مرشحاته بمقاعد نيابية ويعود هذا الأمر إلى حصول هذا الحزب على الأغلبية في جل الدوائر الإنتخابية.

غير أنه ورغم هذا النجاح لعلمية فرض حضور المرأة في الحياة السياسية وهو أمر محمود بالنظر إلى كل المكبلات والعوائق التي تمنع وجودها، فإن غياب حضور الكفاءات النسوية كان ملفتا ومخجلا أنثاء تشكيل الحكومات المتعاقبة على تونس بعد الإنتخابات وذلك نظرا لعدم وجود قوانين تفرض ”الكوتا” أو “نظام الحصص” في التعيينات الوزارية. فحكومة الترويكا التي تشكلت من 48 عضوا أسندت فقط 3 مناصب وزارية لسيدات وهذا الأمر تكرر أيضا في حكومة التكنوقراط التي أسندت بدورها 3 مناصب فقط للعنصر النسائي.

وقد تفاعل التونسيون آنذاك مع هذا الأمر الذي اعتبروه “أمرا مخجلا ينم عن عقد ذكورية” في مقارنة مع الحكومة الفرنسية التي تشكلت بالتوازي (حكومة هولاند) وكان أغلب أعضائها من السيدات. وأعادت هذه المعضلة إلى الاذهان مسألة تخصيص مقاعد للعنصر النسائي لاستعمالهن للدعاية السياسية من طرف بن علي ومسألة فرضهن بقوة القانون ما بعد الثورة وهما أمران لا يعكسان مشاركة تلقائية من المرأة في الحياة السياسية ولا اختيارا تلقائيا من طرف الناخب التونسي لها. ويبقى الإشكال مطروحا : كم من الوقت يلزم بلادنا حتى تمنح المرأة الثقة للمشاركة في إدارة البلاد تلقائيا وإلى أي حد يمكن دفعها بدل النظر إليها كشريك حقيقي يمكن أن يضيف ويغيّر؟

بعد استنزافها اجتماعيا، هل أتت مرحلة استغلال المرأة سياسيا؟

تعاني المرأة في تونس من صعوبات اجتماعية واقتصادية شأنها شأن بقية النساء في العالم العربي. ومن بين هذه المشاكل نذكر التهميش في مجالات الصحة والتعليم بالنسبة للمرأة الريفية والعنف الأسري والضغوط النفسية ذات الوازع الديني والذكوريا. وقد ذكرت هيئة الإنتخابات في آخر ندوة لها وجود صعوبات في تسجيل الناخبات التونسيات في الأرياف نظرا لعدم حصول عدد كبير منهن على بطاقات هوية. هذه المشاكل التي نجحت مجلة الأحوال الشخصية في الحد منها نسبيا تعتبر من الأولويات التي وجب النظر فيها والحد منها بعد الثورة، غير أنها، وعلى عكس المتوقع، تحولت إلى وسيلة بيد الأحزاب السياسية لكسب أصوات الناخبين والمناصرين.

فقد حاول عدد كبير من السياسيين، من خلال برامجهم الإنتخابية، كسب تعاطف المرأة واللعب على مشاعرها بوعود لم تنفّذ حول إصلاح وضعيتها وتحسين ظروفها. ومن بين هؤلاء السياسيين نذكر رئيس حزب تيار المحبة (العريضة الشعبية سابقا) والذي كان يتوجه من خلال قناته المستقلة إلى هذه الفئة بقولته الشهيرة ”خالتي مباركة، إن حزبي سيعمل على توفير الصحة المجانية لك و لمثيلاتك”، وعلى هذا الأساس فازت العريضة الشعبية بأغلبية كبيرة في الإنتخابات السابقة غير أن أعضاءها انشغلوا بالصراعات السياسية وتحول أغلبهم إلى أحزاب سياسية أخرى كحزب سليم الرياحي والبحري الجلاصي بمقابل مادي تم إثباته بوثائق ممضاة من طرف بعضهم.

أحزاب الجبهة الشعبية أيضا توجهت إلى المرأة خلال حملاتها الإنتخابية (قبل تشكيل الجبهة) بالوعود والشعارات المساندة للمرأة الفقيرة والمهمشة وكان لحمة الهمامي أيضا ”خالته مباركة” غير أنه لم يثبت على أرض الواقع أي نضال فعلي من أجل تغيير واقعها وبقيت الوعود معلقة إلى ما بعد الإنتخابات القادمة. كما أن احتواء الجبهة لأرملتي الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي واستعمالهما كورقة رابحة للضغط على حكومة الترويكا ودفعهما للنزول إلى الشارع وحشد المتظاهرين وإبرازهما كقوى فاعلة ومعارضة لم يترجم حقيقة حين تم تحديد القائمات الإنتخابية فقد تخلت الجبهة الشعبية مؤخرا عن ترشيح مباركة البراهمي على رأس قائمة انتخابية بسيدي بوزيد وهو أمر أثار الرأي العام وأثار تهكما على الجبهة من طرف منافسيها السياسيين وخاصة من أنصار حركة النهضة.

ولئن أعلن حزب نداء تونس دائما عن تبنيه للفكر البورقيبي المساند لحرية المرأة ودعمها كشريك حقيقي في الحياة السياسية فإن الواقع صدم كثيرات من مساندات هذا الحزب. فحين تم الإعلان عن تشكيل القائمات الإنتخابية تبين أن حزب النداء وضع ثقته في الذكور في ترأس هذه القائمات في حين تمت تزكية امرأتين فقط لترأس قائمة انتخابية هما سلمى اللومي عن نابل ولمياء المليح عن الولايات المتحدة الأمريكية. ويعود هذا الإجراء إلى عدم التنصيص في القانون الإنتخابي على ضرورة المناصفة على رأس القائمات الانتخابية بين الجنسين. ويثبت هذا التصرف عدم تعويل حزب النداء جديا على كفاءاته النسائية ولا يعدو تشريكه لنساء داخل القائمات سوى انصياعا لما فرضه القانون الإنتخابي من ضرورة المناصفة داخل القائمات.

ennehdha-femmes-anc

فرحة نائبات عن حركة النهضة بُعيد المصادقة على الدستور

أما بخصوص حركة النهضة فتعتبر المستفيد الأكبر من القوانين التي تدعم مشاركة المرأة في الحياة السياسية حيث تطوعها، في ظل اتهامها من طرف تونسيين بالسعي للنيل من حقوق المرأة، من أجل تبييض صورتها أمام الرأي العام العالمي لإثبات أنها حركة مدنية ومعتدلة. وقد قامت الحركة في خطوة محسوبة وجريئة بتعيين خمس رئيسات لقائماتها الإنتخابية رغم أن القانون الانتخابي لا يلزمها بذلك. ويتم ترجيح فرضية اعتماد النهضة هذا الإجراء كأسلوب للمناورة السياسية من منطلق الإنضباط الحزبي الذي فرضته الحركة طيلة السنوات الفارطة على نائباتها بالتأسيسي إلى حد مطالبة بعضهم بالتنصيص على أن “المراة مكملة للرجل” في الدستور. كما أن الحركة قامت بإقصاء النائبة سنية بن تومية من قائماتها الإنتخابية نظرا لعدم انضباطها الدائم لتوصيات قياديي الحركة وتعبيرها بكل ما يجول بخاطرها بعفوية وتلقائية.

اللعبة السياسية تأخذ إذا من المرأة باليسار ما قدمته لها باليمين
، فلا يمكن التعويل كثيرا على قوانين فرضت المرأة على الرجل سياسيا قسرا. يمكن التعويل فقط على “رغبة” المرأة في العطاء لتونس بوعي وثقة بالنفس في قدرتها على تطويع مهاراتها من أجل التغيير. كثيرات هن النساء اللواتي نجحن في اقتلاع حقوقهن سواء داخل التأسيسي من خلال فصول تجرم المساس بحريتهن وكرامتهن أو في الشوارع من خلال الضغط السلمي. في المقابل لازالت المرأة في تونس ذلك الكائن الضعيف الذي يمكن أن يحرقه أحد أفراد عائلته لسبب أو لآخر أو تلك الفتاة التي تدفع جسدها ثمنا لنزوة رجل أمن كلف بحمايتها أو العاملة التي أبت الظلم فطردت من عملها، او هي تلك الفخورة التي رشحت نفسها للرئاسة فقوبلت بالتهكم من سياسي تنبأ بفشلها بدل أن يمهد لها الطريق لتأخذ فرصتها كاملة.