Paritre-Hommes-Femmes-elections

بقلم محمد بوسريرة

وهو في عقيدتي “أحبّ الأشياء إلى الله” ومن وجوهه أن تقول كلمة الحق في خصمك أو عدوّك أو بغيضك إذا كان غائبا وقيل عنه ما ليس فيه، واجبك الأخلاقي والديني أن تنصفه بشهادة تعلمها، لأنّ ذلك منك نصرة للحق وليس دفاعا عن شخص عدوّك، كما أنه من واجبك الديني والأخلاقي أن تكفّ لسانك عن ذمّه في غيابه أو حال فقدانه القدرة على الدفاع عن نفسه، وهذا سيرفع من شأنك دون أن يعطي قيمة لغريمك، ومثل هذا الموقف لا تلقاه إلا النفوس الشهمة الكريمة السويّة، وهم قلة قليلة كالكبريت الأحمر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لابدّ من التسليم بحق وحرية التعبير والكلام، ما دام ذلك لا يلحق ضررا مادي أو معنوي بالغير بصفة مباشرة أو غير مباشرة، وعلينا أن نفهم أنّ الكلام فيه ما هو سامّ يضرّ بالفكر والمحيط الاجتماعي مثل النفايات المعادية للبيئة يجب عزله بمنعه من الاستقرار في النفوس حتى لا يفسدها، خاصة إذا صدر عن شخصيّات لها شأن وتأثير وكان المفروض أن تكون قدوة حسنة لغيرها.

أن يُطرح اقتراح بسنّ قانون يجرّم مدح النظام السابق، فهذا رأي يناقش لو لم يكن أبترا، إذ لم يذكر لنا صاحبه الأسباب، هل هي ضغينة شخصيّة بينه وبين الأنظمة السابقة، أم لضرورة المصلحة العامّة، لأنها إن كانت شخصيّة فهي من النفايات السامّة يجب عزلها بعيدا عن المحيط الاجتماعي، أمّا إذا كانت لمصلحة عامّة كان يجب أن يطلب تجريم المدح المباشر للحاكم وهو في ركاب السلطة لأنّ ذلك يكون نفاقا وتملقا خاصّة إذا كان المداح عالما بمخالفة سرّه لعلنه، وهو بذلك يشجع الحاكم على التمادي في غلطه بما يلحق الضرر بالعباد والبلاد، أمّا قول الحقيقة في غياب الشخص وزوال نفعه وضرّه إنّما هو من باب قول شهادة الحق في الزمان والمكان المناسبين، والثابت أنّ لكلّ حاكم موالوه ومعارضوه ومحبّوه وكارهوه.

لا يوجد في التاريخ الماضي ولن يوجد في الحاضر والمستقبل من يحكم الناس لفترة طالت أم قصرت، ورجحت كفة حسناته عن أخطائه، وإن وجد واحد يحفظ ولا يقاس عليه، فهل عندما يصير حاضرنا ماضيا سنكتم ما نعلمه من حسنات حكامنا اليوم إن وجدت، أم أنّ قانون التجريم خاصّ بفترة وغريم محدّد على القياس !؟.
لا يصحّ أن ندافع على الأخلاق العامّة ونطالب بحمايتها، ثمّ نقوم بانتهاكها في ذات الوقت، والإنصاف وقول الحق من مكارم الأخلاق المستحقة للنشر والترسيخ، وإدراجه ضمن مناهج التربية، وليس للتجريم والعقاب، بصرف النظر عن موقفنا من الحكام زمن حكمهم ومهما كانت عداوتنا بهم لا تبرّر لنا غبن حق علمناه عنهم، لأننا نريد أن نكون نحن بأخلاقنا على غير صورتهم ومثالهم، وليعلم الحاكم الحاضر أننا سنذكره بالحق عندما يزول عنه السلطان لعلّ ذلك يكون له حافزا على الاستقامة.

واجب المجتمع المدني بأفراده ومؤسّساته، أن يبقى مستيقظا فطنا لمتابعة كلام ومواقف الساسة والحكام لحماية نفسه وبلده، بالمشاركة بالرأي الأخر ليراجع من كان منهم على حسن نية كلامه وموقفه، ويحبط مفعول سوء النيّة، كما فعلت ذلك السيّدة نائلة السليني فيما كتبته في جريدة المغرب بتاريخ 16 أوت الجاري، في ردّها على الاهانة التي ألحقها السيّد راشد الغنوشي بالمرأة، حين دعا حسب قولها الرجال إلى الزواج ممن وصفهنّ بـ”العوانس والمطلقات”، ويبدو لي غياب موقف المنظمات النسائيّة والحقوقيّة هذه المرّة غريب، وقد عوّدتنا برفع الدعاوي والاستنكار، فهذا الاعتداء مجاني ولا داعي له إذ كان الأولى البحث عن طرق لتشغيل الشباب وطمأنته على حاضره ومستقبله حتى يمكنه أن يفكر في تكوين أسرة، أمّا دعوته إلى الزواج وهو عاطل مفلس، فهذه السخرية بعينها، والمثل التونسي يقول : “ما خصّ المشنوق كان ماكلت الحلوى”.

ثمّ ماذا ينقص السيّدة “مباركة براهمي” لتكون على رأس قائمة في سيدي بوزيد فهي متعلمة مثقفة جريئة فصيحة متخلقة، وقد يكون من حق زميلها في ذات الحزب أن يعترض على القرار، ولكن ليس باهانة المرأة بالقول “منقبلوش تفحج علينا مرا”، وهي كلمة بذيئة جلبها من مزبلة تراثنا الشعبي، إنه عنف لفظي واهانة أخرى للمرأة والمؤسف أنهم يتعمّدون انتقاء الكلمات الأبلغ أثرا في الإساءة النفسيّة وهنا يكمن القصد، أليس هذا ما يجب تجريمه بحق لأنه يلحق الضرر المعنوي بالغير، ما لكم كيف تفكّرون وبمسلك الجاهليّة تتمسّكون ؟ !

لا أدري إن كان هؤلاء وغيرهم يعلمون أنّ استهدافهم المرأة بإصرار، يؤكّد عظمتها وصلابتها وأحقيّتها ليس للمساواة مع الرجل فحسب بل لتفوقه استحقاقا، وقد أثبتت ذلك في كلّ مجال باشرته، والمرأة التونسيّة عارفة بأنّ النخلة المثقلة بالثمار وحدها ترمى بالحجر، وهي دائما تصنع الفارق الأخلاقي في ثقة كبيرة بالنفس والمستقبل فتردّ على الحجر بإسقاط التمر، وكلّ يعطي مما عنده.

محمد بوسريرة
22/08/2014