import-moutons-aid-tunisie

بقلم فرحات عثمان،

في بلاغ صادر يوم الجمعة عن ديوان الافتاء، أوضح مفتى الجمهورية حمدة سعيد أنه لم يصدر أي موقف رسمي يقضي بمقاطعة الأضاحي في عيد الأضحى، كاتما رغبته في عدم إصدار مثل تلك الفتوى لمقاطعة الأضاحي كما طالب العديد ذلك نظرا لارتفاع الأسعار وما تقتصيه حالة البلاد الإقتصادية من تضحيات.

هذا، وأضاف المفتي معللا كلامه بأن الأضحية شعيرة من شعائر الإسلام إذ هي إحياء لسنة إبراهيم داوم النبي عليها، فهي في كلامه سنة مؤكدة في حق كل قادر عليها وفق ما أجمع عليه العلماء، لا تسقط إلا لفائدة من كان في عسر، لا تتوفر لديه القدرة على الأضحية.

الأضحية سنة الرسول في نطاق الحج

وللتعليق على هذا التوضيح من السيد المفتي، لعله من المفيد أولا ملاحظة ما في كلامه من التناقض إذ أنه ينفي وجوب الأضحية على من في عسرة، بينما غالبية الشعب اليوم في عسرة، بل البلاد كلها في حالة مكربة، فلم لا يصدر الفتوى التي يقتضيها صالح البلاد؟

ثم هو يقول أن الأضحية سنة الرسول إحياء لسنة إبراهيم؛ ولعله كان من الأصوب أن يبين أنها سنة الرسول الأكرم من زاوية إحياء شعائر الحج، بينما هي سنة سيدنا إبراهيم يخلدها رسولنا الكريم وذلك من زاوية إحياء حادثة الذبيح المذكورة بالفرقان، وهي إسحاق.

فأغلبية علماء الإسلام ينكرون القول بأن الذبيح كان إسماعيل، مؤكدين أنه في الحقيقة إسحاق، ومنهم الإمام الطبري في تفسيره الجليل، والذي ذكرت مقولته في مقالة سابقة هنا*، والرأي نفسه عند القرطبي والرازي مثلا. وهؤلاء يعددون أسماء الصحابة الأجلاء الذين كانوا يقولون نفس الشيء، أي أن الذبيح إسحاق، ومنهم الخليفة عمر وعلي بن أبي طالب والعباس، عم الرسول، وابنه عبد الله، حبر الأمة، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم.

نعم، لقد داوم الرسول فعلا على مثل هذه الشعيرة، كما يقول السيد المفتي، ولكن ذلك كان في نطاق الحج وبالتوازي معه، لا كعيد مستقل عن الحج؛ والمفتي يعلم جيدا أن هذا أيضا من الخلاف الكبير بين علماء المسلمين.

إن القران لا يتحدث عن الأضحية وإنما يذكر حادثة الذبيح دون الافصاح عن هوية الذيبح؛ ورأينا رأي العديد من العلماء الأجلاء في ذلك.

أما السنة الصحيحة في ما اتفق عليه الشيخان، فلا حديث عن الأضحية إلا كجزء لا يتجزأ من مراسم الحج، لا كعيد مستقل بذاته فيه إحياء لسنة إبراهيم فقط، لأنه عندها ليس إلا إحياء للإسرائيليات في دين الإسلام.

فقد سمّي يوم النحر ويوم عرفة بيوم الحج الأكبر، مما يدل أن لا عيد خارج الحج، وبالتالي لا أضحية خارجه أيضا. فالمضحّي يضحي بما يقدر عليه من الهدي في نطاق الحج، وليست الأضحية إلا من الهدي.

ولنذكر هنا ما يقوله ابن القيم في عد الأضحى : «يوم النحر هو يوم العيد، وهو يوم الحج الأكبر، وهو يوم الأذان ببراءة الله ورسوله من كل مشرك». ويقول الرسول : «أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر»، ويوم القر: هو يوم الاستقرار في منى، وهو اليوم الحادي عشر من شهر الحج.

الأضحية خارج الحج هي سنة سيدنا إبراهيم

نعم، جرت العادة في بلاد الإسلام بإحياء سنة إبراهيم الخليل، ولا شيء يمنع ذلك في الإسلام بما أن ديننا يعترف باليهودية التي سبقته، إلا أنه على المسلم أن يعلم ذلك، أي أنه إذ يحي سنة الخليل فهو يحي ذبح ولده إسحاق.

ومعلوم ومن الثابت أن العديد من الإسرائيليات داخلت الإسلام، فمنها عيد الأضحى هذا الذي ليس بشعيرة من شعائر الإسلام خارج الحج كما بينا. فلا من نص قرآني في الموضوع ولا من حديث صحيح مما صح عند الشيخين.

إن لأضحية إذا كانت في نطاق الحج فهي من سنة الرسول، وهي من شعائر الإسلام؛ أما إذا كانت خارج الحج، فهي عندها من سنة إبراهيم الخليل التي يعترف بها الإسلام ويقرها. بقي ألا نخلط بين إسماعيل وإسحاق وأن لا ندعي للإسلام ما ليس منه رغم أن هناك من العلماء من فعل ذلك ويفعل إلى يومنا هذا؛ على أن الأغلبية تقول بأن الذيبح هو إسحاق، وأن ذلك هو الصحيح.

لذا كان من واجب مفتي الجمهورية الاستفاضة في هذا الموضوع حتى لا يغتر المسلم في دينه؛ كما كان من واجبه، وحال البلاد على ما هي عليه من دمار اقتصادي وخراب في ميزانية غالبية العائلات، أن يفتي بعدم جواز الأضحية هذه السنة ولا في السنوات المقبلة إلا في نطاق الحج.

فهكذا يُسدي المسلم أفضل الخدمات لبلده هذه السنة ولدينه سائر الأعوام مساهما في رفع ما تعلقت به من إسرائيليات عُدت من الإسلام وهي ليست منه.

هذا رأي واجتهاد، والاجتهاد واجب في الإسلام حتى وإن أخطأ المسلم، لأن الثواب له ثابت ما دامت النية حسنة، والنية هي هنا رعاية مصالح المسلمين وحفظ اقتصاد بلدنا الحبيب.

* انظر : لا ضرورة لاستيراد الخرفان للعيد لأن الأضحية خارج الحج ليست من الإسلام