justice-transitionnelle-tunisie-rcd

بقلم عبد الرزاق قيراط،

مخطئ من يعتقد أنّ الحسم في الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة القادمة مرتبط بالبرامج التي ستقدّم للتونسيين ليختاروا ما يناسب تطلّعاتهم. فالوجوه التي أطلّت علينا للوصول إلى مواقع القرار تؤشّر لمواجهة جديدة بين مشروعين أحدهما يرفع شعار الثورة ويعد بتحقيق أهدافها والثاني يعاود الكرّة لإحياء “شجرة الحكم” القديمة رغم اجتثاثها في جانفي 2011.

ولأنّها معركةٌ، ظهرت حشودها، وارتفعت أعداد المترشّحين للانتخابات المقبلة بوتيرة تشبه “التدافع”، التوصيف المثير للجدل، الذي طالما جاء على لسان راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة كلّما تحدّث عن التنافس بين الأحزاب والتيارات الفكريّة المتباينة. وقد دأب خصومه على اتهامه بالدعوة إلى العنف وانتهاجه سبيلا للتعامل مع الذين يخالفونه بسبب اعتناقه “لنظريّة التدافع الاجتماعيّ”، كما سُمّيت في فقه الجدل السياسيّ الذي احتدم خلال حكم الترويكا وسيحتدم ثانية مع انطلاقة الحملات الانتخابيّة.

وتحاول النهضة أن تثبت عكس ما يروّج عنها، مبدية زهدها في الوصول بأحد مرشّحيها إلى منصب رئاسة الجمهوريّة. والمشهد بإهمال التفاصيل، قد يمثّل عرسا انتخابيّا يصعب تكراره في وطننا العربيّ حيث تسيطر الأنظمة التقليديّة على مجريات العمل السياسيّ، وتعمل منذ عقود على تحصين كهوفها المظلمة ضدّ كلّ نفس ديمقراطيّ تعدّديّ يحاول زعزعة استقرارها أو تغيير قواعد الحكم الراسخة لديها. وقد أثبتت تلك الأنظمة بعد توسّع انتفاضات الربيع العربيّ استعدادها لافشال الانتقال الديمقراطيّ بكلّ ما أوتيت من أموال وأسلحة. فنجحت في مصر حيث صُعِّدَ عسكريّ جديد لحكم البلاد، ومازالت تتدخّل في ليبيا وتونس لإعادة الأوضاع إلى هيكلها القديم عبر اختلاق الأزمات الاقتصاديّة والأمنيّة…

ورغم فشل تلك المحاولات في تونس، يبذل أصحابها المزيد من الجهود مستفيدين من المناخات التي تضمنها الممارسة الديمقراطيّة الناشئة، إذْ لا وجود لموانع قانونيّة تحرم الفلول من الترشّح للانتخابات المقبلة. ومن سخريات هذا الظرف، أشاد عبد الرحيم الزواري أحد أبرز وزراء بن علي بالمناخ الديمقراطيّ الذي يسود تونس في الوقت الحالي وعبّر عن اعتزازه بالترشح للانتخابات الرئاسيّة. والزواري من الوزراء الذين دخلوا السجن في قضايا تربّح واستغلال نفوذ خلال حكم الترويكا ثمّ خرجوا سريعا أبرياء، وقيل لهم “اذهبوا فأنتم الطلقاء”…وهم يقطفون الآن الثمار الأولى لشجرة الديمقراطيّة التي روتها دماء الشهداء بعد أن حرّموا نباتها طيلة عقود.

وتُتهم حركة النهضة بتمهيد الطريق لعودة النظام القديم بعد إسقاطها لقانون العزل السياسيّ، ولكنّها تبرّر ذلك القرار بثقتها في ذكاء الشعب التونسيّ الذي ثار على الاستبداد والمستبدّين ما يؤهّله لإقصاء أعدائه سلميّا بواسطة صناديق الاقتراع. وبتوصيف مرادف لخّص الرئيس محمّد المنصف المرزوقي المعركة الانتخابيّة القادمة بكونها “مواجهة أخرى بين الثورة والثورة المضادّة، وعلى الشعب أن يقول كلمته ليستأصل هؤلاء الفلول سياسيّا”. وهذه المعادلة فريدة من نوعها في فضائنا الحضاريّ حيث دأب الحاكم الفرد على إقصاء خصومه بإلقائهم في السجن وتعذيبهم وقتلهم. ولكنّ تونس الثورة، تقرّر أن تكون الكلمة الفصل لشعبها حتّى يؤكّد لبعض (الوجوه الوقحة) إفلاسها وضرورة انسحابها نهائيّا من المشهد السياسيّ…

غير أنّ المآلات لن تحسم بتلك البساطة، وعودة النظام القديم ليست رهينة الانتخابات ونتائجها. فقد عاد فعلا كأنّ ثورةً لم تكن، وأعوانُه المتغلغلون في مفاصل الدولة وفي وسائل الإعلام وفي لوبيّاته التي تنشط علانية دون خوف من أحد، قادرون على التأثير في عمليّة الاقتراع على نحوٍ قد لا تنفع معه الدعوات بأن تُحترم قواعد اللعبة وتلتزم وسائل الاعلام بالنزاهة والحياد، وتبتعد الأحزاب عن التزوير بشراء أصوات الفقراء والبسطاء الذين لا يميّزون أحيانا بين الحابل والنابل فتختلط عليهم الوجوه وتؤثّر فيهم الشعارات والمغالطات والمغريات. وعندئذ نكتشف وبعد فوات الأوان أنّ الأمر لم يحسم بالتدافع كما يتصوّر البعض وإنّما بالدفع، ليصبح الانتصار حليف من يدفع أكثر.