crise-ingenieurs-tunisie

بقلم أيوب المسعودي،

اتصل بي منذ يومين طالب في إحدى مدارس الهندسة التونسية مستغيثا من هول الدمار الذي بات يهدد مستقبل المعاهد التحضيرية ومدارس المهندسين بسبب انفجار عدد المدارس الخاصة وتعدد وتفرع المسالك والمعايير التي تقود إلى الحصول على شهادة الهندسة التي، وإن تساوت في الاسم والمضمون، فإن قيمتها العلمية تبقى رهينة جدية المسار الذي سلكه الطّالب وما بذله من أجل نيل الشهادة عن جدارة واستحقاق ثم مدى استعداد وأهلية المؤسسة التربوية لتكوين مهندس القرن الواحد والعشرين.

ولعل تجربتي الخاصة كطالب سابق في المعاهد التحضيرية ثم في مدرسة مهندسين تقف وراء تعاطفي وتضامني مع مطالب المضربين من طلبة المعاهد التحضيرية ومدارس المهندسين، إذ كل من مر بهذه التجربة يعي جيدا أن الطالب يعيش، خاصة في المرحلة التحضيرية تجربة خاصة من الكد والتعب التي ترتقي بالفترة إلى مرتبة “المحنة” التي يضحي فيها المرء بكل شيء في سبيل اجتياز المناظرة الوطنية والولوج إلى أرقى مدارس الهندسة عن استحقاق وجدارة وعلى أساس المساواة وتكافؤ الفرص لا على أساس من يدفع أكثر.

من هذا المنطلق أعبر عن عميق تضامني مع المضربين في مطالبتهم بتوحيد معايير اعتماد مدارس تكوين المهندسين وكذلك مسالك الولوج إليها عبر مناظرة موحدة ووطنية تكون تحت الإشراف المباشر للوزارة على أن يتم تجميد الاعتمادات الممنوحة لمدارس التكوين الخاصة والانطلاق الفوري في التشاور مع أهل الاختصاص ونقابات المهندسين وممثلي الطلبة في سبل تطوير وتحسين المدارس الوطنية لتكوين المهندسين والارتقاء بمناهج التعليم وعصرنة وسائله ومواءمة مضامينه مع التطور السريع لسوق الشغل.

وحتى لا يكون المنطلق ذاتيا أيديولوجيا (إذ لا أؤمن بجدوى وشرعية خصخصة التعليم والصحة، وهذا موضوع آخر…)، وللابتعاد عن توتر الحاضر والآنيّ، دعونا نفتح الأفق لتدارس ما يقع حولنا في العالم. ففي مطلع 2011، نشرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) تقريرا على غاية من الأهمية يحمل عنوان “دروس من PISA إلى الولايات المتحدة الأمريكية”. للمعلومة، PISA هي بدورها من المنظمات الفرعية التي تعمل تحت يافطة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وتختص بالتقييم الدوري للمنظومات التربوية للدول المنضوية تحت هذه المنظمة وأيضا لعدد من الدول التي أبدت اهتماما بتقييم منظوماتها التربوية كتونس والأردن مثلا. ليس المجال هنا للخوض في مخرجات التقارير الدورية ل PISA1 حول المنظومة التربوية التونسية (التي يمكن اعتبارها سيئة جدا بالنظر لإمكانياتنا وقدراتنا البشرية)، ما أريد التركيز عليه هو من هي الجهة التي طلبت هذه الدراسة القيمة والمفصلة وما الفلسفة والمرجعية التي توخاها من قاموا على هذه الدراسة وأي دروس يمكننا أن نستقي من ذلك.

خلفية التقرير وفلسفته

إنها الإدارة الأمريكية، تحت ولاية الرئيس أوباما، التي طلبت هذه الدراسة للنظر في أسباب تقهقر ترتيب المنظومة التربوية الأمريكية (التي يبقى ترتتيبها (36 في الرياضيات، 24 في القراءة و 28 في العلوم) محترما)، مقارنة مع جيران وأصدقاء عرفوا تحسنا ملحوظا لترتيبهم في العقد الأخير (فنلندا، كوريا، ألمانيا، كندا) أو “خصوم إقليميين” (الصين (تترأس شنغاي وهونغ كونغ الترتيب)) تفوقوا على المنظومة التعليمية الأمريكية أو عرفوا تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة (كالبرازيل وشيلي وبولونيا مثلا). ومن اللافت أن الولايات المتحدة الأمريكية، بالرغم من المكانة المرموقة والصيت العالي الذي تُحظى به جامعاتها ومدارسها، أطلقت أحد أكثر المشاريع الإصلاحية طموحا وأطلقت عليه إسم “Race to the top” أي “السباق إلى القمة” وطلبت في إطار هذا المشروع توصيات دقيقة من منظمة PISA كما أسلفنا الذكر. نحن إذا إزاء دولة عظمى تتصدر جامعاتها سلم الترتيب العالمي وبالرغم من ذلك فإنها تصبو إلى “الامتياز” ولا تكتفي، كما يحدث في دولنا العربية وفي تونس، بتقارير إنشائية تثمن فيه المعجزة التونسية والسياسات المتبعة والنجاحات العظيمة بالرغم من الدمار الحاصل في المنظومة التربوية على الأقل في العقدين الأخيرين والتي حولت المدرسة والجامعة إلى مصانع للعاطلين عن العمل.

وينطلق التقرير الذي أعدته PISA والموجه إلى الإدارة الأمريكية من تصور معين للتحدي الذي لا تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، وإنما العديد من الدول المصنّعة الّتي تهدف إلى المحافظة على تفوقها التكنولوجي والاقتصادي وعلى مستوى الدخل والمعيشة فيها وهي أهداف لا يمكن بلوغها إلا بتطوير المنظومة التعليمية نحو منظومة ل”تصنيع المعرفة” و”الامتياز”. ذلك أنّ مكننة الإنتاج في عدد هامّ من القطاعات وخاصّة تلك الّتي ترتكز على أشغال روتينيّة لا تتطلّب قيمة مضافة عالية وعولمة الاقتصاد الّذي فتح سوق الشّغل على مصراعيه للتنافس اليد العاملة في الأقطار وبينها، كل هذه العوامل تضع الدّول أمام تحدّ خطير اقتصاديّ واجتماعيّ وهو كيفيّة تأهيل مواطنيها لمواجهة هذه العولمة في أحسن الظّروف وبما يضمن سيادتها وكرامتها. وهنا يكمن التحدي الذي وجب علينا أن نتبناه أيضا في تونس، إن مهندس الغد مثلا لا يمكن أن يكون مهندس القرن العشرين، فانفجار عالم المعلومات والمعلوماتية ومكننة الصناعة والفلاحة وحتى الطب أحيانا لابد أن تفرض علينا تطورا جذريا في طرق التعليم ومناهجه ومواده وهذا يتطلب تخطيطا مركزيا محكما ودعما من الدولة لمرافقة المؤسسات التعليمية في هذا التطور.

لا مناص من مزيد دعم وتطوير التعليم العمومي عامة ومدارس المهندسين خاصة

ومن المهم الإشارة مثلا إلى أن الولايات المتحدة، التي هي عقر دار الرأسمالية واقتصاد السوق، من أكثر الدول التي تدعم ماليا جامعاتها ومؤسساتها التعليمية على عكس ما يمكن أن يروج. كما أن بلدانا مثل فنلندا التي تتصدر ترتيب المنظومات التربوية مثلا، تكاد تخلو من المؤسسات التعليمية الخاصة لأن دستورها يقدس الحق في التعليم وكذلك الصحة المجانيتين وتمنح حق التداوي المجاني لكل تلميذ أو طالب.

كما لا يخفي التقرير تخوفا ضمنيا من التقدم السريع الذي عرفته منظومات تعليمية لدول تنافس اقتصاديات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كالصين، ولا بد من الوقوف هنا عند حقيقتين على غاية من الأهمية. فمن جهة يقر التقرير بأن التفوق النسبي الذي نجحت الولايات المتحدة في تحقيقه في مجال التعليم بعيد الحرب العالمية الثانية إنما يرجع إلى سياسة الدولة الأمريكية التي اختارت آنذاك التدخل وتمويل التعليم والتكفل بتكاليف دراسة الآلاف والملايين من الطلبة الأمريكيين لتحقق بذلك ما يسمى بميزة السبق “first-move advantage” التي مكنتها من تحقيق اختراق وتفوق في ظرف وجيز، كما يشير ستيغليتز (J. E. Stiglitz) إلى تكفل الدولة الأمريكية بترسيم عدد كبير من الشباب الأمريكي من الذين ذهبوا وحملوا السلاح في الحرب العالمية الثانية في ما سمي بمشروع “GI Bill” وهو ما مكن عددا هامّا من الطّلبة وخاصّة أولئك المنحدرين من وسط اجتماعيّ متواضع الإمكانيّات المادّيّة من نفس فرص أقرانهم الأثرياء وأعطاهم فرصة التّألّق والنّجاح. إلا أنه، وبفضل دمقرطة التعليم و”عولمة” العلوم وانفتاح فضاءات التواصل والتبادل ومراهنة بعض الدول في وقت لاحق على رأس المال البشري في الصين مثلا مكنت تلك الدول من إحداث نفس الاختراق بل تجاوزته وتفوقت عليه بنفس الطّريقة أي عبر تدخّل الدّولة والاستثمار في مجتمع المعرفة والامتياز، ولكم أن تقارنوا مثلا بين ما تستثمره مثلا هونغ كونغ على التلميذ الواحد (32896 دولارا طوال دراسته) مقارنة بأمريكا (9932 دولار) مما سمح لها بترأس سلم الترتيب في آخر دورة تقييمية للمنظومات التعليمية من قبل PISA.

من الجليّ إذا أنّه لا مناص من لعب الدّولة دورا محوريّا في حماية وتقوية المؤسّسات التّعليميّة العموميّة والوطنيّة عامّة ومدارس المهندسين خاصّة كمؤسّسات تلعب وستلعب دورا محوريّا في التّأسيس لمجتمع المعرفة والامتياز. إنّ أيّ محاولة مسّ أو إضعاف لمكانة مدارس المهندسين من قبل قوى مرتبطة برؤوس أموال تريد أن تستثمر في ضعف الدّولة ومؤسّساتها التّربويّة للانقضاض على قطاع لا يرون فيه أكثر من فرصة للارتزاق ونيل الأرباح الطّائلة عبر بيع التّرسيم ثمّ الشّهادات مقابل رشاوى سيقوّض مستقبل التّعليم في تونس ويحول دون رفع تحدّي بناء مجتمع المعرفة والامتياز. إنّ سياسة التّرويج للمثال التّونسيّ الّتي عهدناها لسنوات والّتي لطالما ارتكزت على الكمّ وعلى تقارير إنشائيّة لا تذهب إلى عمق الأشياء ولا تصارح المواطن بحقيقة التّحدّي تزيد الوضع تأزّما وتفاقم الاحتقان والغبن عندما توهم الشّابّ أنّه يحمل شهادة معترفا بها ثمّ لا يجد من يعترف به ويشغّله في تونس أو خارجها، تلك هي المعضلة ولا يمكن حلّها إلّا بإعادة النّظر في مناهج التّعليم والتّوجيه والتّقييم منذ الصّغر.