TERRORISME

كبرت مآسينا وأصبحنا نرى أشياء صارت مألوفة ولم نعهدها. أيام وأسابيع وأشهر وسنوات تمر وتفرض علينا واقعاً لم نألفه . صار حمل السلاح وتجارته في بلدي واقعاً …اغتيالات سياسية …مواجهات مع عناصر مسلحة…استهداف أبناء الوطن وحماتها من جنود وحرس وأمن. أصبح مشهد الدم متكرراً وكأن السلم الذي عهدناه ولى ليلفنا سواد كاد البعض يستسلم له. ماذا بك يا تونس؟ أمام الحزن والألم والدهشة والغيض تدفقت الأقلام كل يعبر عما حصل وكل ينظر لمشاهد العنف وينادي باجتثاث هذا السرطان الناهش أحشاء الوطن.

واليوم وبعد حادثةٍ أليمةٍ أخرى دفع ثمنها بالدم أبناء الوطن من الحرس الوطني كيف لنا أن نقف لوطننا مثقفين وجمعيات وناشطين رقميين ومفكرين؟ كيف لنا أن نحكم العقل والتفكير والتحليل العقلاني دون وطأة العاطفة؟ علاوة على حلول توجب الضغط على السلطات حتى تقوم بها تلبية لواجب الوطن وهي:

1. الحل الأمني وهو حل تقني مبني على بناء إستراتيجية كاملة قوامها حماية الأعوان المنتشرين، التدرب على خطط طوارئ تدخل حيز التنفيذ أوتوماتيكياً حال حدوث عمليات إرهابية تهتم بتقديم الدعم اللوجستي الآني وتوفير المد الاحتياطي المتأهب مسبقاً لملاحقة الإرهابيين وسد المنافذ الجغرافية أمامهم وتعطيل حركتهم، اندلاع مخطط طبي لرعاية المصابين، توفير قاعة عمليات في كل منطقة جغرافية للربط اللوجستي بين كل الأطراف المتدخلة، تكوين فرقة متخصصة في المراقبة ومتحسبة لاندلاع عمل إرهابي بعدي أثناء التدخل ضد العمل الإرهابي الأول، تكوين فرق إرشادات ومخابرات و اختراق في كل مناطق البلاد تعمل بصفة علمية ومدروسة.

على كل هاته الحلول الأمنية ليست من اختصاصي ولا أفقه فيها الشيء الكثير ولكن من واجبي كمواطن وكمثقف أن اضغط على سلطات بلدي حتى تكون حوكمة مؤسساتها إستراتيجية ومدروسة. ومن ناحية أخرى لا اعتبر نفسي خبيراً سياسياً أو إستراتيجياً حتى ألوح بنظريات المؤامرة ودور الاستخبارات الأجنبية في صناعة آلة الإرهاب ببلدنا أو بغيره من بلدان المنطقة ولو أني لا يمكن أن أتجاهل كلياً ما يمكن أن تقوم به استخبارات أجنبية من تكوين عملاء لها أو استغلال جهل وحقد وكبت وغباء أناس أفزرتهم مجتمعاتنا وفكرٌ مغروس في ثقافتنا. وإن علقت باختصار على هذا الموضوع لأنه ليس من اهتمامات هاته التدوينة فيمكنني القول أن من نظر لفكرة “تطاحن الحضارات” والصراع ما بين ما سموه “حضارة الفكر” و “حضارة الغريزة” وجد على أرض الواقع من يرغب في تنفيذ هاته النظرية كذريعة للتدخل في ثروات البلدان المنكوبة وحماية للمصالح الأمنية لبلدهم الصديق في المنطقة ودرءًا لكل إمكانيات البناء الفكري والرقي العلمي والإصلاح الديمقراطي حتى تبقى هاته المناطق سوقاً غبيةً تابعةً تستهلك ولا تنتج…ممكن …كل هذا ممكن ولكن لا يكفي أن نفكر به أو أن نلعب دور الضحية متباكين ….فكفى ما بكينا وكفى من لعب دور الضحية ولن يقدم أو يؤخر في شيءٍ من واقعنا التعيس لو حملنا همنا لغيرنا وتناسينا نقد ذواتنا دون السقوط في فخ الجلد الذاتي.

2. اعتقد راسخاً أن المثقف والمواطن والمناضل في المجتمع المدني، كل من جهته، مطالب بالتفكير في أسباب العنف والإرهاب وتحليل مسبباته فللأكاديمي والباحث وعالم النفس والباحثين في الأنتروبولوجيا والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم الإجرام والعلوم الدينية وعلوم الإحصاء دور هام في الرجوع لتاريخية العنف والإرهاب وتفسير ظاهرة الإرهاب وتجريدها وجردها وتحديد أبعادها الفكرية والثقافية والاجتماعية والتاريخية والنفسية ولابد أن يتحمل كل من هؤلاء مسؤولياته كما توجب أن تتحمل وزارات البحث العلمي والتربية والشؤون الاجتماعية مسؤولياتها في وضع مخطط متكامل وإطار مبني في هذا الاتجاه. وأفتح قوساً هنا لأعبر عن عدم تفاؤلي بأن تقوم الوزارات بأي تحرك من هذا القبيل وخاصة وزارة التعليم العالي إيماناً مني أن كل توجه نحو إصلاحات جذرية أو حتى الاستعداد له هو مشروط بتغييرات هيكلية بنوية قوامها بالنسبة للجامعة التونسية دمقرطة الهياكل العلمية والبيداغوجية على أسس الكفاءة والبرامج والرؤى وهو ما رفضته الدوائر المهيمنة بالجامعة وهنا يأتي دور المواطن والسياسي والإعلامي في الضغط على الدوائر المهيمنة حتى تفسح الطريق لغيرها ما دامت هي غير قادرة على إرساء إصلاح فعلي.

3. بعد البحث وكما ذكرت سابقاً يأتي الإصلاح: إصلاح منظومة التربية وإصلاح منظومة التعليم وإصلاح منظومة البحث وترسيخ قيم المواطنة ولا أريد الخوض في هاته المسائل المتشعبة في الوقت الحالي.

4. إرساء منظومة العدالة القانونية بإصلاح القضاء وضمان دولة القانون تكريساً للعدالة وتجنباً للتمييز بين المواطنين التونسيين وتكريساً لدولة القانون ضد الرشوة والفساد والتهريب وتوجبت الرغبة السياسية والاستماع لأهل الاختصاص وضغط المجتمع المدني في هذا الاتجاه و فتح نفس المنهج البحثي على نفس منوال النقطة الثانية المذكورة أعلاه.

5. إرساء العدالة الاجتماعية بين المواطنين وبين الجهات وتلك هي مسؤولية الحكومة والسياسيين المنتخبين وشروط ذلك هي الحوكمة العلمية والمحاسبة المالية والإدارية والمتابعة والتقييم المدروس وإصلاح الإدارة والقضاء على الرشوة.

لا يجب أن ننسى أن الإرهابيين هم ناس جهل أعماهم الطمع أو الحقد أو النقمة أو المرض أو الجوع أو الجهل فأصبحوا بذلك أدوات للبطش والسفك والدم.

اليوم يبكي القلب لما آلت عليه تونس ولا بد أن لا يثني ذلك كل وطني عن التفكير بعمق وبروية من أجل أن نجتث الإرهاب ليس بالحلول الأمنية فحسب بل بالحلول الاقتصادية وإصلاح التعليم وإحلال العدالة والقانون والسلم الاجتماعي. وليرحم الله شهداء الوطن وليعلم الإرهابيون أننا لا نخاف مهما سفكوا الدماء.