tunisie-ugtt-politique-constitution

بقلم عبد المجيد حواشي،

كذب المتزلفون الزاحفون على بطونهم من زبانية “هيبة الدولة”. الإتحاد العام التونسي للشغل ليس ضد الدولة و ليس ضد “مفهوم الدولة” هذا المصطلح العزيز على الباجي قائد السبسي. وكيف يكون كذلك وهو الذي ركز مفهوم الدولة الراعية  l’Etat providence  قولا وفعلا. المنظمة الشغيلة تبدو مع ذلك متجهة إلى خلاف جوهري مع الحكومة و في الأمر اختلاف لا يدع مجالا للخلط…

يشهد تاريخ تونس المعاصر على أن لا مبادرة تاريخية جدت في هذا البلد في غياب أو في غفلة من القوى النقابية مجمعة و موحدة في منظمتها العتيدة : الإتحاد العام التونسي للشغل. ويأبى ذات التاريخ إلا أن ينزل تلكم المبادرة في سياق يكاد يكون متفردا للمنظمة الشغيلة ألا وهو السياق السياسي الذي لم يشكل نشازا بالنظر إلى الجذع الأصلي المنظمة. ولعل الإكتساح السياسي الحاسم و المشهود والمرجعي الذي سجلته المنظمة هو ذاك الذي عبرت عنه جدلية الأب المؤسس فرحات حشاد بأن “لا تحرر إجتماعي بدون تحرر وطني و أن لا تحرر وطني بدون تحرر إجتماعي”.

الإتحاد باني الدولة الراعية

الهوية الإجتماعية السياسية للمنظمة الشغلية تجلت بالخصوص كما هو معلوم في المنعطفات التاريخية المعاصرة وما بعد المعاصرة على رأي بعض الشباب أي في خمسينات القرن الماضي وبداية القرن الواحد و العشرين ( الإستقلال وثورة17 ديسمبر 14 جانفي). ولعل الجعجعة المفزعة والسخيفة التي تطلقها أبواق الدعاية الرسمية حول “هيبة الدولة” للنيل من المنظمة الشغيلة لا تلبث إلا أن تعيد كيدها إلى نحرها حالما يتعلق الأمر ببناء بالدولة و أية دولة ؟ الدولة الراعية. لقد دأب الكثير بما فيهم عديد النقابيين على التذكير بمساهمة الإتحاد في بناء “الدولة الحديثة”. أما وقد آن الأوان لإعادة ما لقيصر لقيصر فإن الحقيقة القائمة تكمن في أن الإتحاد كان مهندس وباني الدولة الراعية  l’Etat providence . الإسفاف السياسي و المعرفي و حده يسوق إلى طرهات البورقيبية وبورقيبة بوصفه الرجل الذي قذفت به الأقدار  l’homme providentiel  الذي حقق الإستقلال و بنى الدولة الحديثة. أما الوقائع التاريخية فتنبؤنا ودون استنقاص لبورقيبة بالدور المحوري للمنظمة الشغيلة في هذه الإنجازات على خلفية الازمة الإستعمارية أو أزمة الحكم في فجر الإستقلال و التي تعرف “بالفتنة اليوسفية البورقيبية”. ولا نضيف جديدا بالتذكير ب”المقايضة” التي جدت بين بورقيبة و قيادة الإتحاد أنذاك عندما قبلت تلكم القيادة بمناصرة بورقيبة ضد بن يوسف مقابل تعهد “المجاهد الأكبر” بإنجاز البرنامج الإقتصادي و الإجتماعي للإتحاد و تم تكريس ذلك بالخصوص في مؤتمر صفاقس في سبتمبر 1955 المؤتمر الذي أطرد صالح بن يوسف من الحزب الدستوري وأعطى سبقا حاسما لبورقيبة.ومن المعلوم أن الإصلاحات الهامة التي عقبت استتباب الوضع السياسي لبورقيبة تمت بدفع من قاطرة الإتحاد لا سيما بعد أن تولت قياداته مناصب عليا في جهاز الدولة. ولعله من الجحود بمكان أن يتناسى السياسيون و المثقفون الدور المحوري الذي قام به أحمد بن صالح ومحمود المسعدي في المجال التعليمي و الصحي والإقتصادي وكلاهما شغل خطة الأمانة العامة لإتحاد…وحتى في مجال التنمية المتوازنة بين الجهات كانت للدولة الراعية أنذاك مبادرات جريئة بإحداث أهم “الأقطاب” الصناعية مثل معمل الحلفاء بالقصرين والسكر بباجة والمركب الكيمياوي بقابس ومعمل الفولاذ بمنزل بورقيبة…

نعم لهيبة الدولة الراعية

حتى تكون مقاربتنا لمسألة الدولة الراعية أشمل و أقرب إلى الموضوعية نذكر بالهجومات المتكررة التي تستهدف الدولة الراعية في شتى الأقطار و في ظل العولمة و الرأسمالية المتوحشة وزحف الخصخصة على القطاعات الحيوية والهرسلة المستمرة الداعية إلى سياسة التقشف. كما أن هذه الظاهرة المستفحلة ل”خصخصة” الدولة تقف وراءها لوبيات المال و الأعمال للشركات العابرة للقارت وأوليقرشيات المال التي حولت الحكام السياسيين إلى ماسحي أحذية لأصحاب النفوذ الحقيقي لرأس المال المالي. ودون مزيد توسع في هذا الباب نؤكد على أن الثورة الإجتماعية في تونس جاءت لإعادة الإعتبار للدولة الراعية التي تضمن الشغل و الكرامة و العمل اللائق والعدالة الإجتماعية و الجهوية والصحة و التعليم الجانيين والإصلاح الزراعي والعدالة الجبائية والبئة السليمة…والإتحاد العام التونسي للشغل بثقله التاريخي الآنف الذكر وبصفته فاعلا أساسيا في الثورة الإجتماعية التي اندفعت إليها القوى العمالية بكافة قواعدها و كوادرها لا يملك إلا أن يكون مدافعا شرسا عن الدولة الراعية. لذلك تقف قطاعاته الحيوية اليوم للدفاع عن جودها و كذلك عن وعن وجود المكتسبات الكبيرة التي حققتها الطبقة العاملة بعرقها و دمائها. المعركة إذا معركة مصيرية من أجل الدولة الراعية وضد الحكومة لا لشيء إلا لأن هذه الأخيرة تعمل بكل قواها لتقويض الدولة الراعية.