tourisme-tunisie-annonces

بقلم محمد سميح الباجي عكاز

حادثة سوسة الارهابيّة التي راح ضحيّتها ما يزيد عن 30 سائحا، أغلبهم من البريطانيّين، مثّلت ضربة قاسية للقطاع السياحي في تونس التي يعاني ومنذ 4 سنوات حالة من الانكماش وتراجع الإيرادات. في المقابل، حاولت وزارة السياحة أن تتخّذ جملة من الإجراءات الرامية من وجهة نظرها إلى انقاذ ما تبقّى من الموسم السياحيّ وتخفيف ارتدادات العمليّة الارهابيّة على الفنادق التونسيّة التّي شهدت إثر الحادثة تناقصا حادا في زبائنها إضافة إلى تواتر إلغاء الحجوزات منذرة بصيف كارثيّ لأصحاب الفنادق والسياحة التونسيّة عموما.

وضعيّة القطاع السياحي في تونس: مشاكل هيكليّة تتجاوز حادثة سوسة الارهابيّة

ورغم أنّ السياحة في تونس تعتبر المصدر الثانيّ الرئيسيّ للبلاد من العملات الأجنبيّة بعد الصناعات التصديريّة بقيمة بلغت سنة 2014، 3.5 مليار دينار، إلاّ أنّ الإيرادات الحالية للقطاع أخفت تراجعا بنسبة 8 % عن مثيلاتها لسنة 2010، كما أنّ نسبة الاستقطاب لم تتجاوز نسبة 1 % من حجم السوق الاوروبيّة.

الوضع المتأزّم لقطاع السياحي لم يكن وليد العمليّة الارهابيّة الأخيرة في سوسة، أو باردو، بل يرجع إلى تراكم مشاكل هيكليّة بالأساس. فهذا القطاع الاستراتيجيّ وذو الأولويّة القصوى في المخطّطات التنمويّة التونسيّة لم يستطع أن يتجاوز بحسب شهادات العديد من أهل القطاع مشكلة النمطيّة ومحدوديّة السياحة الشاطئيّة وسيطرة وكلاء السياحة الأجانب على السوق المحليّة وحجم تدفقّ السياح إلى البلاد.

هذا ولم تستطع السياحة التونسية تطوير خطواتها الأولى وخططها التي بدأت بها النشاط السياحيّ، فظلّت تعتمد على الترفيه الشاطئيّ والفندقة ممّا خلق مفاهيم خاطئة لدى المسؤولين اختزلت السياحة في النزل، وهو ما يعتبر خلطا وخطأ فادحا، فالقطاع تحكمه عديد التفاصيل، بدأ بالنقل والنظافة والفضاءات الترفيهية والبنى التحتيّة وغيرها من النشاطات المرتبطة بالقطاع والتي تمثّل الأرضية الحقيقيّة لنجاح الموسم السياحي.
فالنزل هو مجرّد عنصر من عناصر السياحة، والسائح قبل أن يختار مكان الإقامة فهو يبحث عن الوجهة وخصائص البلد الذي ينوي زيارته.
حادثة سوسة اذن لم تكن سوى مشكلة جديدة تنضاف إلى سلسلة من الهنات التي يعاني منها القطاع، ورغم أنّ وزارة السياحة التي توقّعت ان تبلغ خسائر القطاع هذه السنة 495 مليون أورو، حاولت أن تتدخّل بجملة من الإجراءات بغية تخفيف الضغط على المهنيّين وخصوصا منهم أصحاب النزل، إلاّ أنّ هذه القرارات التي أعلنتها وزيرة السياحة سلمى اللومي عقب العمليّة الارهابيّة الأخيرة لم ترض فئات واسعة من المهنيّين والعاملين في القطاع من غير أصحاب الفنادق.

سياسة ردّ الفعل

تزايد العمليات الإرهابيّة في تونس خلال السنتين الأخيرتين والتي كانت آخرها حادثة نزل امبريال في سوسة فاقمت من تدهور الوضع السياحي في البلاد منذرة بكارثة اقتصاديّة قد تعصف بهذا الموسم السياحيّ ممّا دفع وزارة السياحة إلى محاولة ردّ الفعل بغية مساعدة المهنيّين من أصحاب الفنادق على تجاوز الأزمة والتماسك إثر تواتر عمليات إلغاء الحجوزات وإعلان العديد من الفنادق عن قرب افلاسها نتيجة موجة المغادرة الجماعيّة لعشرات السيّاح الأوروبيّين.

وقد تمثّلت الإجراءات التي أعلنتها وزيرة السياحة سلمى اللومي خلال مؤتمر صحفيّ في 29 جوان الفارط في تأجيل خلاص أقساط القروض بعنوان الأصل والفوائض والتي يحل أجلها خلال سنة 2015 إلى موفى سنة 2016 مع إعادة جدولتها حسب قدرة المؤسسة على التسديد بالإضافة إلى منح قروض جديدة تسدد على 7 سنوات منها سنتين إمهال وتخصص لتمويل نشاط المؤسسات السياحية خلال الموسمين 2015 و2016 وتقبل هذه القروض كمقابل لعمليات إعادة تمويل في السوق النقدية مع تحميل مخاطر عدم تسديدها على الدولة بضمان استثنائي.

وقد قرّرت وزارة السياحة في هذا السياق التخفيض في نسبة الأداء على القيمة المضافة من 12% إلى 8% وإعادة جدولة الديون الجبائية للمؤسسات السياحية تجاه الشركة التونسية للكهرباء والغاز والشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه.

كما أعلنت الوزيرة خلال المؤتمر الصحفيّ عن حذف الطابع الجبائي الموظف على الأجانب عند مغادرتهم للبلاد التونسية والمحدد بـ 30 دينارا بالإضافة إلى التخفيض بنسبة 30% في النقل الجوي والبحري للجالية التونسية في الخارج وستتحمل الدولة مناصفة مع شركات النقل نسبة هذا التخفيض.

كما سعت الوزارة إلى التدخّل على المستوى الاجتماعيّ عبر الإعلان عن تكفل الدولة بمساهمة الأعراف في النظام القانوني للضمان الاجتماعي لفائدة المؤسسات التي ستحافظ على جميع عملتها وتمكين الأعوان المحالين على البطالة الفنية من منحة دون اشتراط توقف نشاط المؤسسة نهائيا للانتفاع بها وجدولة أصل الدين المتعلق بالمساهمات في نظام الضمان الاجتماعي على 7 سنوات بطلب من المؤجر والإعفاء من خطايا التأخير عند خلاص أصل الدين واحترام الجدولة.

هذه الإجراءات، وإن لقيت استحسانا من أصحاب الفنادق التي رأوا فيها خطوة إيجابيّة للتخفيف عن وطأة التزاماتهم الماديّة مقابل تراجع مداخيلهم المتواصلة منذ سنوات إضافة إلى الخسائر الحالية المحتملة بسبب تداعيات العمليّة الارهابيّة في سوسة، إلاّ أنّها أثارت استياء المهنيّين الآخرين وأرباب المهن الحرّة العاملين في القطاع كونها استثنتهم من أيّ تشجيع أو مساعدات رغم أنّ الضرر مشترك بين جميع الفاعلين في المجال السياحيّ

المنسيّون من أهل القطاع

يشغّل القطاع السياحيّ بصفة عامّة بحسب البيانات الرسمية لسنة 2014 ما يناهز 400 ألف من اليد العاملة في جميع الاختصاصات. وإن كانت الفندقة تساهم بما يقارب 120 ألفا من مجموع اليد العاملة في القطاع، إلاّ أنّ ضعف هذا العدد يعتاش من الأنشطة التجاريّة والخدمات الخاصّة المرتبطة بالسياحة على غرار وكالات الأسفار والنقل الخاصّ والمطاعم والمقاهي السياحيّة وتجارة المواد الغذائيّة المرتبطة بالنزل والصناعات التقليديّة وغيرها.
يبدو من خلال قرارات وزارة السياحة أنّ هذه الأخيرة أسقطت من حساباتها ما يزيد عن 280 ألف من المهنيّين الذّين شملهم الضرر نتيجة تأزّم وضع القطاع.

مشاكل المهنيّين الذّين التقت نواة بعض منهم في جزيرة جربة عبّروا عن استياءهم من تجاهل وزارة السياحة لمعاناتهم المتواصلة بسبب الأزمة الاقتصاديّة عموما والمتواصلة منذ سنوات، وقد استغربوا من طريقة تعاطي الوزارة مع مشاكل القطاع واقتصار مجهوداتها على انقاذ الفنادق في حين يمثّل أصحاب المهن الحرّة من أهل القطاع الأغلبيّة المتضرّرة.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=YNYDQrz2HZg&w=640&h=360]

فعلاوة على ارتدادات الحادثة الارهابيّة الأخيرة، فهؤلاء يعانون منذ سنوات من صعوبات جمّة نتيجة سياسة عزل الحرفاء في الفنادق والتي أضرّت كثيرا بالنشاط التجاريّ في المناطق السياحيّة. كما أنّ ارتدادات تدهور مختلف المؤشّرات الاقتصاديّة على غرار التضخّم وغلاء أسعار المواد الاستهلاكيّة وتفاقم مشكلة الأسواق الموازيّة وظاهرة التهريب تسبّبت في إفلاس العديد من التجّار والمهنيّين دون أن تلتفت الجهات المعنيّة إلى مشاكلهم أو تحاول التعامل بشكل ليّن معهم.

حالة الركود الاقتصاديّ وفشل الموسم السياحيّ المحتمل، يلقي بضلاله على مختلف المتدخّلين الذّين التقتهم نواة في جربة، وقد أجمع هؤلاء على انّ الحلّ الحقيقيّ لإنقاذ القطاع ككلّ هو تغيير تعامل الوزارة مع القطاع الذّي تحصره في الفندقة لا غير وهو ما سيؤدّي في النهاية للقضاء على مختلف الأنشطة التجاريّة والخدمات التيّ تمثّل جوهر السياحة ومورد الرزق الاساسيّ لمئات الآلاف من أهالي المناطق السياحيّة.