عائلة رضا اليحياوي

عائلة رضا اليحياوي

في نفس اللحظة التي كان فيها رفاق رضا يحياوي وأبناء مدينته يحتفلون بتعيينهم، كان هذا الأخير تحت وقع صدمة، لم يستطع تجاوزها إلاّ حين سقط جثّة هامدة من أعلى العمود الكهربائيّ أمام مقرّ ولاية القصرين. يوم السبت 16 جانفي الفارط، جرّة القلم التّي محت اسمه من قائمة المنتدبين للوظيفة العموميّة لم تنه آمال شاب ذاق الأمرين من البطالة، بل كانت سببا في انهاء حياته

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=Orb_H8DTiP8]

ينحدر رضا اليحياوي من حيّ الكرمة في وسط مدينة القصرين. كعشرات الآلاف من أبناء جيله، لم يجد هذا الشّاب ذو 26 ربيعا عملا بعد تخرّجه كفنّي سامي في الهندسة الكهربائيّة. خلال خمس سنوات من البطالة، انخرط خلالها رضا اليحياوي في النضال ضمن اتحاد أصحاب الشهائد العليا المعطّلين عن العمل في القصرين، ليشارك في أوائل شهر فيفري 2015 في اعتصام في مقرّ الولاية. وصل المعتصمون في 16 فيفري من نفس السنة إلى امضاء اتفاق لانتدابهم مع والي الجهة السابق والمعتمد الأوّل نور الدين التواتي ونائبان عن مجلس نواب الشعب، هما كمال الحمزاوي عن نداء تونس ومحمود القاهري عن الاتحاد الوطني الحرّ. بعد 11 شهرا تقريبا، وقع استدعاء المعتصمين، ليمضوا في مقرّ الولاية عقود العمل. لكنّ المفاجأة كانت حذف المعتمد الأوّل 6 أسماء ممن أمضوا محضر الاتفاق الأوّل من ضمنهم رضا اليحياوي، ليتمّ تعويضهم ب11 اسما جديدا.

رضا لم يمت مصعوقا، بل جرّة القلم التي محت اسمه كانت سبب موته
محرز شقيق رضا اليحياوي

صورته التّي ازدانت ببعض الآيات القرآنيّة بعد وفاته، كانت تتناقلها أيادي أشقائه الستّة وشقيقتيه. الحزن الطاغي على المكان، كان باديا في على محيّاهم، والغضب كان يطغى على كلماتهم خلال اللقاء الذّي جمعنا وإيّاهم.الأم الثكلى، سعديّة العبيدي، أضافت لها الفاجعة والحزن عقودا على سنواتها الواحدة والستّين. محاطة بمقرّبيها من العائلة، حاولنا أن نختلي بها ونقطع مراسم العزاء لنسترق منها بعض تفاصيل الصباح الأخير لرضا. تسترجع أمّ رضا تلك اللحظات دون أن تفارق الدمعة مقلتيها:

لم أره يوما أكثر سعادة وتفاؤلا من ذلك الصباح، فأخيرا وبعد سنوات من البطالة، ها هو يستعدّ لإمضاء عقد العمل. طلب منّي أن أكوي السروال الأبيض المعدّ للمناسبات، والذّي يتقاسمه مع أخيه. قبل أن يغادر وهو في كامل أناقته، قبّلني وعانقني بشدّة، وخرج حاملا ملفّه والبسمة لا تفارق محيّاه والدة رضا اليحياوي سعديّة العبيدي

من بين ستّ أشقاء وشقيقتين، فقط الابن البكر استطاع أن يتدبّر شغلا قارا في مصنع الحلفاء، أمّا الباقون فيحاولون تدبّر أمورهم بأعمال صغيرة ووقتيّة، ليركنوا بعدها إلى البطالة من جديد. هذا ما أكّدته شقيقة رضا، بيّة اليحياوي المجازة في الإعلاميّة، والتي بلغت عقدها الرابع دون أن تجد حلاّ لبطالتها التي تجاوزت الخمسة عشر سنة. لتضيف بيّة قائلة:

في أحيان كثيرة نكون عاجزن عن تدبّر عشاء ليلتنا نظرا لضيق الحال وحالة البطالة التي طالت جميع افراد الأسرة تقريبا.

تعلمنا الأسرة المنكوبة أنّ رضا اليحياوي لم يكن يوما مستلما أو خانعا لوضع البطالة والفقر الذّي كان يعيشه، بل كان يحاول أن يستلّ مستقبله من براثن اليأس والظلم الاجتماعيّ والاقتصاديّ المفروض على مدينة القصرين.

portrait-ridha-yahyaoui

على لسان أخته الصغرى رقيّة، استطعنا أن نكتشف بعضا من أحلام رضا قبل الفاجعة. تسترسل رقيّة في الحديث قائلة: «لطالما حلم أخي ببعث مخبزة في المدينة يستطيع من خلالها تشغيل أقرانه الذّي خبر معهم معاناة البطالة والفاقة. شيئا فشيئا أيقن رضا أنّ حلمه بعيد المنال، فانكبّ على اجتياز المناظرات الوطنيّة الواحدة تلو الأخرى، بدءا بالجيش والشرطة وصولا إلى مناظرات انتداب أعوان الديوانة. بعد كلّ مناظرة، كان أخي واثقا من نجاحه في اجتياز الامتحان. أمّا قبيل الحادثة، فقد كان رضا اليحياوي متيقنا من أنّه نال مراده بأن يحصل أخيرا على مهنة قارة ومحترمة توفّر له مورد رزق يحفظ كرامته وكرامة عائلته.»

يضيف والد رضا اليحياوي معلّقا على كلام رقيّة قائلا:

للأسف تعلّق ابني بالأوهام، فنحن عائلة فقيرة لا نملك العلاقات ولا المال الكافي لشراء نجاح أبنائنا بالمناظرات العموميّة للأسف جميعنا يعلم كيف تُدار الأمور في مثل هذه المناظرات.” ليضيف:” حتّى مجرّد طلب بسيط لمقابلة أحد المسؤولين، فعليك أن تجهّز مسبقا مبلغ الرشوة بمعزل عن نتيجة اللقاءعثمان، والد رضا اليحياوي

محدّثنا السيّد عثمان اليحياوي، والد رضا اليحياوي، متقاعد من الشركة التونسيّة للاتصالات. لم تسعفه سنوات عمله الخمسة والثلاثون لضمان مستقبل مريح لأبنائه. يعتصر هذا الأخير صورة ابنه، ويستطرد غاضبا:

لقد كانت تلك القائمة الامل الأخير لابني، وقد صدّق فعلا أنّ الأمور ستسير على ما يرام. رغم شهادته العلميّة، إلاّ أنّ رضا كان مستعدّا لأن يشتغل كعامل يوميّ في الحضائر مقابل 250 دينارا شهريّا، لكنّ السلطة استكثرت عليه حتّى هذا الفتات.

قبر رضا اليحياوي

قبر رضا اليحياوي

ونحن نهمّ بمغادرة منزل عائلة رضا اليحياوي، اعترضتنا شقيقته بيّة وهي تصرخ في هستيريا ورعب من ذهاب دم أخيها هدرا، وأن تدخل حادثة موته طيّ النسيان كما حدث مع العشرات من قبله. رفعت أمام الكاميرا عشرات الوثائق صارخة:

صوّروا كلّ شيء. على شباب تونس ان يفهم أنّ العمل ثمنه الدمّ.

آخر ما سجّلته الكاميرا، كان مطلب شغل موجّه لوالي القصرين من رضا اليحياوي، رفعته شقيقته في وجوهنا وقد تلطّخ بدم شاب كانت جرّة قلم الحبر كفيلة بإراقة دمه.