أكثر من خمس سنوات من الحفاظ على ثمار الأرض وتعمير معتمدية جمنة (ولاية قبلي) من عائدات نخيلها وعرق كلّ أبنائها بعد استرجاعها عقب الثورة، لم تثن الدولة عن سعيها لنسف تجربة ضيعة معمّر (أو ما يعرف بهنشير ستيل) في جمنة. يوم السبت 10 سبتمبر، شهدت مدينة جمنة اجتماعا عاما جمع أهاليها وأعضاء جمعية حماية واحات جمنة لتدارس التهديدات الحكومية بمنع البتة العمومية المنتظرة واسترجاع الضيعة وإنهاء واحدة من أنجح تجارب الاقتصاد التشاركي والتسيير الذاتي.

بين 2015 و2016: المدينة تُعمّر من خيراتها

بعد أن انتقلت سلطة استغلال الأرض الفلاحيّة من يد رأس المال الخاصّ -الذّي كان يتسوّغها بطرق مشبوهة حسب شهادات الأهالي-إلى يد المجتمع المدني، تم تحويل الأرباح التي كانت تؤول إلى جيوب حفنة من المستغّلين لخدمة الصالح العام وتعمير مدينة جمنة التي ظلّت كغيرها من عشرات المدن والقرى خارج الحسابات التنموية للحكومات المتعاقبة.

أثناء الزيارة الأولى في جويلية من سنة 2015، عاينت نواة ثمار الاستغلال الجماعي لهنشير ستيل (ضيعة معمّر)، حيث تحوّل الأرباح السنوية بعد طرح تكاليف الإنتاج لإحداث مشاريع تنموية في مدينة جمنة، على غرار بناء سوق مُسقّف وسط المدينة؛ بناء وحدات صحّية وتهيئة جزء من الساحة في المدرسة الابتدائيّة الكبرى بجمنة؛ بناء قاعة مطالعة وقاعة للأساتذة في مدرسة النجاح الابتدائيّة؛ إنجاز ملعب حيّ؛ دعم للمساجد وللمدرسة القرآنية، دعم مالي لمركز المعاقين المتخلّفين ذهنيًا؛ دعم المهرجان الثقافي والاعتناء بمقبرة المدينة.

وفي الزيارة الثانية يوم السبت الماضي، لم تتوقّف جهود التعمير والتنمية رغم تعاظم ضغوطات الدولة لإفتكاك الضيعة من مُلاّكها الحقيقيّين من الأهالي العاملين فيها، حيث تمّ اقتناء سيارة اسعاف جديدة لنقل المرضى بثلث الكلفة وإعداد قاعة رياضية.

لكنّ المناخ العام تغيّر منذ الزيارة الأولى. وجوه ساخطة، وعيون تترقّب ما يعتبره الأهالي معركة وجود ضدّ دولة تتحفّز لإنهاء تجربتهم وإفتكاك أرضهم التي استرجعوها بهبّة غضب وسط موجة الانتفاضات التي عمّت ارجاء البلاد في شتاء 2011.

دولة تُنذر ومدينة تتأهّب للدفاع عن تجربتها

مساء يوم السبت، 10 سبتمبر 2016، كانت الحركيّة غير عاديّة في وسط المدينة، بعد أن دعت جمعية حماية واحات جمنة إلى اجتماع شعبي لتدارس إنذارات الدولة بخصوص استرجاع ضيعة المعمّر ومصادرة محصول سنة 2016، وتولّي إدارة البتّة العمومية المزمع عقدها يوم الأحد 18 سبتمبر الجاري، بحضور النائب عن حركة الشعب زهير المغزاوي الذي حضر لمساندة الأهالي.

بدأ الاجتماع الشعبي بمداخلات لأعضاء جمعية حماية واحات جمنة لعرض تفاصيل الاجتماع الذّي جمعهم مع وزارة الفلاحة وكتابة أملاك الدولة بخصوص البيان الصادر عن وزارة أملاك الدولة سابقا والقاضي بمنع البتة العمومية المزمع اجراءها.

البداية كانت مع رئيس الجمعية طاهر الطاهري الذّي تحدّث عن تصلّب كاتب الدولة مبروك كورشيد الذّي اجتمع بهم في بداية الأمر ليعلمهم بضرورة تسليم محصول السنة الجارية وعقد البتّة العمومية تحت اشراف الدولة، كما اعتبر هذا الأخير أنّه لا يمكن للجمعيّة الاستمرار في استغلال الأرض دون تأسيس شركة احياء فلاحية لتسوّغ الضيعة من الدولة.

الاجتماع الثاني مع سلط الاشراف، كان مع وزير الفلاحة الجديد سمير بالطيّب، الذّي بدا أكثر ليونة وحاول تعديل المطالب الصادرة عن مبروك كورشيد نحو تمكين الجمعية من إدارة البتّة العمومية بحضور الدولة، وخصم مصاريف الإنتاج من أرباح المحصول وتسليم الباقي للدولة، ولكنه لم يتنازل عن مطلب تكوين شركة الاحياء الفلاحية. ليختم السيّد الطاهري مداخلته بأنّ القرار الأخير يعود لأهالي جمنة، وأنّ الجمعية ستلتزم بالقرار الجماعي أيّا كان.

من جهة أخرى، أكّد عضو جمعية حماية واحات جمنة بلقاسم الشايب، أنّ القضيّة الحقيقية لا تتعلّق بنزاع حول ملكية الضيعة أو انتهاك لقوانين جائرة، بقدر ما هي حملة ممنهجة ضدّ التجربة الرائدة في جمنة، والتي تتعارض مع السياسات الاقتصادية للدولة. وأضاف بلقاسم الشايب أن الدولة بمواقفها المتصلّبة تجرّ الأهالي نحو معركة هم لم يطلبوها ولكنّهم لن يخشوا خوضها للدفاع عن أرضهم وتجربتهم وكرامتهم.

مداخلات مواطني جمنة، أجمعت اغلبها على ضرورة التمسّك بالإدارة الجماعية لهنشير ستيل والمحافظة على الصيغة الحاليّة التيّ مكّنتهم من الاستفادة الحقيقية من خيرات أرضهم. وقد اعتبر جلّ المتدخّلين انّ الدولة تستهدف تجربتهم الناجحة وتحاول افتكاك الأرض من مالكيها الحقيقيّين لتجترّ ممارسات سابقة في عمليات الكراء والتسويغ.

المواطنون الذّين تدخّلوا تباعا في كلمات مقتضبة وحاسمة، عبّروا عن وعي منقطع النظير بالأبعاد الحقيقية للمعركة المرتقبة، كما عكسوا إصرارهم على الحفاظ على أرضهم وحماية تجربتهم في الإدارة الشعبية لموارد المدينة وثرواتها، بالأساليب القانونية طالما كان الباب مفتوحا للتفاهم، أو بالأساليب الثورية على حدّ تعبيرهم إن اقتضى الأمر.