الأناركيّة هي إنتصار الروح على الوثوقيّة.جُورِجْ حَنِينْ

لاَ نملك إلاّ حريّة واحدة : هي حريّة المقاومة للحصول على الحريّة.هِنْرِي جُونْسُونْ

لقد تغيّر موقف المستمع للراب بعد الثّورة، فهو لم يعد ذلك الفنّ الذي يُعْرَفُ بعنفه اللّفظي وسرعة إيقاعاته. والحقيقة أنّ هذا كان نتيجة تخصيص الإعلام لحيّز لا بأس به لفناني الراب، لا بل إنّنا أصبحنا نرى عدّة برامج – رغم قصر مدّتها – تهتمّ بموسيقى الراب وتحقّق نسب مشاهدة مرتفعة. ولئن إستحسن أغلب فناني الراب هذا التغيّر، فإنّ الكثير منهم خيّروا الإبتعاد عن الأضواء والشّهرة مكتفين بتقديم أغانيهم على الإنترنيت وذلك لتأكّدهم من أنّ ميدان الإعلام تحكمه الأموال وأنّ مكان الرابور هو الشارع. ولعلّ مجموعة ڨمح هي من أبرز المجموعات التي إتّخذت من مقاطعة الإعلام منهجًا وجعلت محاربة النّظام دَيْدَنًا. وفي هذا المقال سنركّز على أفكارهم ونصوصهم ونحاول تتبّع أهمّ المرجعيات الموسيقيّة التي تركت أثرا في أعمالهم.

الرابور … ساموراي القرن الواحد والعشرين ؟

ڨَمْحِي وَاقِفْ لاَ يَنْقَسِمْ.عِصام العَبْسي

مَلاَّسِينِي اٌلجِنْسِيَّة وْاٌلڨَمَحْ بَاسْبُورِي. سَايْفُو


عصام العبسي، وليد، سايفو، نوردو وغيرهم من الرابورات الذين يكونون مجموعة ڨَمِحْ، هم تماما مثل مجموعة الساموراي التي صورها المخرج الياباني أكيرا كوروساوا في فيلمه الشّهيرالساموراي السبعة. من قلب الأحياء الشعبية بتونس العاصمة، ينتج اولاد الحوم منذ مارس 2012 أغانيهم التي تنقل لنا صخبها وأجوائها. إنها بمثابة النافذة التي تنقلنا إلى عوالم هؤلاء الشباب الذين تختلف المصادر التي تلهمهم والخلفيات التي توجه موسيقاهم. و إذا كان أغلبهم يشتغل بتنظيم الحفلات والمهرجانات فإنّ ياسين الذوادي المعروف بدودة لم تمنعه دراسة الطب من كتابة النصوص. فأعضاء ڨمح تجمعهم نظرة موحدة لدور الموسيقى الفعال وايمانهم بقدرة الراب على قلب الأوضاع ومس المستمع. فعصام ومروان والبقية يعيشون اليومي في أحياء العاصمة يشاركون الناس معاناتهم فيصبغ ذلك نصوصهم بواقعية مبهرة تعتبر بمثابة الصفعة للمستمع لأنها صادقة ونابعة من أعماقهم.


فالرابور الڨَمحي لا يكتفي بمجرّد نصّ يلقيه على أنغام الموسيقى، بل يتخطى هذه المرحلة ليلبس ثوب المقاتل فتتمازج وتتالى الصور الشعريّة في الأغاني النابعة من تجربة مريرة مع الحياة. كلّ رابور يقدّم الإضافة للمجموعة على طريقته، ينهل ممّا يعيشه ليساهم في إعطاء رونق خاص على العمل الجماعيّ وهي نقطة قوّة للڨَمِحْ وربما يعتبر ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى إضفاء طابع خاصّ على نصوصهم. فمن زخم الأغاني، نستطيع أن نتعرّف على أداء الرابور الڨَمْحِي.

وبعيدا عن عالم الشّهرة والبحث عن الرّبح المادّي، تتفجّر قريحة فنّان الراب وسط مجموعة “ڨَمِحْ” فيتّخذ من السباحة عكس التيّار هواية وتصبح محاربة السّلطة هي هدفه ( نصوص العبسي نموذجا ) وليست معاداة أصحاب السّلطة من فراغ بل هي نتيجة لتردّي الأوضاع والتّهميش الذي يعاني منه الشّباب. ههنا يتحوّل الرابور ليصبح ساموراي القرن الواحد والعشرين يحارب قمع السلطة وظلمها، إنّه بمثابة السّلطة المضادّة التي تحدث عنها الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز. ويبدو أنّ “الڨَمْحِيين” إختاروا أن يسيروا على هذا المنهج فأصبح كلّ واحد منهم الرابور-الساموراي الذي يوظّف قلمه للتّعبير عن مشاكل الكادحين ولا يخشى أيّ ردّة فعل من السلطة مهما بلغت درجة العنف.

النص الصادم و الآداء المسرسل



لكلّ رابور في مجموعة الڨَمِحْ أداء خاصّ به ولكنّهم يشتركون في العديد من النّقاط. فعلى مستوى النّصوص مثلا نلاحظ مراوحة بين الأسلوب المباشر من جهة – الذي يعتمد على صدم المستمع ووضعه مباشرة وجها لوجه مع الحقيقة – ومن جهة أخرى تكثيف الإستعارات وتوظيف العروض وحضور السّجع فتخرج الجمل منغّمة ومتناسقة مع الإيقاع.


إنّ هذا التّنويع في طريقة الأداء ساعد على خلق أسلوب خاصّ بالڨَمِحْ. فنلاحظ في طريقة إلقاء عصام العبسي وفي جلّ أغانيه إسترجاعا لأسلوب “الأُولِدْ سكُولْ” وتأثّرا واضحا – سواء على مستوى تركيبة النصوص أو على مستوى الإيقاع – بعمالقة مثل تُوبَاكْ و بِيغِي سْمَالِزْ. ويحاول العبسي في كلّ مرّة أن يكون إلقائه للنصّ سريعا ومباشرا، يجعل المستمع في حالة لهث مستمرّ للإمساك بإيقاع الأغنية ومجاراته. كذلك لا يعمد إلى إستعمال تقنيات تساعد على تحسين جماليّة إلقائه فغنائه يتخذّ شكلا أفقيّا مستقرّا يجعلنا نستنتج أنّه يركّز على إيصال الكلمة وهو فعلا ما يتحقّق إذ منذ بداية أيّ أغنية ننجذب إلى النصّ وننسى الإيقاع الذي يضيع وسط سرعة الأداء المسترسل وصوت العبسي الجهوريّ.